منتدى القديس مارمينا
اهلا وسهلا بك يا زائر اذا كنت زائر جديد نرجو منك التسجيل اما اذا كنت مسجل مسبقا يرجى الدخول

منتدى القديس مارمينا

منتدى دينى مسيحى جميل
 
الرئيسيةبوابة المنتدىالتسجيلمجلة المنتدىاتصل بنادخول









ازرار التصفُّح
 البوابة
 الفهرس
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
منتدى
التبادل الاعلاني
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
بحبك يا مارمينا - 785
 
mikal - 325
 
sallymessiha - 185
 
George Magdy - 43
 
Michael - 41
 
مرمر - 20
 
مارك - 20
 
koko - 14
 
shams alber - 11
 
ava-mena - 7
 

شاطر | 
 

 *** موضوع متكامل لتفسير سفر ارميا كتابيا ***

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
بحبك يا مارمينا
خادم المنتدى
avatar

انثى عدد الرسائل : 785
العمر : 29
المزاج : نشكرربناعلي كل حال
اعلام الدول :
المهنة :
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: *** موضوع متكامل لتفسير سفر ارميا كتابيا ***   الجمعة فبراير 12, 2010 11:33 pm

*** موضوع متكامل لتفسير سفر ارميا كتابيا ***

للقمص تادرس يعقوب ملطى





لسفر إرميا أهمية خاصة تمس حياة المؤمنين فى كل عصر .



عاش النبى فى فترة عصيبة ، فمنذ حوالى قرن سقطت مملكة الشمال " إسرائيل " بأسباطها العشرة تحت السبى ، وزال مجدها بسبب ما اتسم بها ملوكها العتاة من عجرفة وفساد . أما مملكة الجنوب " يهوذا " فعوض أن تتعظ بما حل بأختها " إسرائيل " ، نست أو تناست ما صنعته الخطية بأختها ، حاسبة أن ذلك هو حكم الهي عادل لأنفصالها عن يهوذا وإقامتها مركزا للعبادة فى السامرة عوض هيكل أورشليم .




مفتاح السفر:


مع بداية خدمة إرميا كان الكل قد انحرفوا إلى عبادة الأوثان وانحطت أخلاقياتهم حتى حتى سكنت الشريرات حول بيت الرب يكرسن حياتهن لأرتكاب الشر مع القادمين للعبادة ، وانشغل رجال الدين مع الأنبياء الكذبة لمحبة المال والمجد الباطل . وإذ أراد يوشيا الملك الإصلاح قام بترميم الهيكل ، لكن الإصلاح لم يصل إلى القلوب . فجاء إرميا يحذر وينذر معلنا ضرورة التوبة والرجوع إلى الله بكل القلب ، مهتما بالأصلاح الداخلى للنفس وإلا سقطت المملكة !



هذا هو مفتاح السفر



وسط هذا الظلام الدامس أشرقت أشعة الرجاء بالرب على النبى الباكى الشجاع ، إذ رأى من بعيد المسيا المخلص قادما ليقيم عهدا جديدا ، فيه تنقش شريعة الله لا على لوحى حجر ، إنما داخل القلب الحجرى لتجعل منه سماء مقدسة ! .

هذا السفر فى حقيقته هو سفر كل نفس قد مالت فى ضعفها إلى تغطية ذاتها بالشكليات فى العبادة دون التمتع بعمل الله الخفى والأنشغال بالعريس السماوى .

فى هذا السفر نرى رجل الله مختفيا وراء كلمة الله النارية لكى يعلن الحق الذى كاد أن يرفضه الكل . يكشف أحكام الله وتأديباته فى غير مداهنة ولا مجاملة ، بل فى إتضاع مع حزم ، فى قوة مع بث روح الرجاء ... وقد كلفه ذلك احتمال اضطهادات كثيرة ومتاعب ، بل ودفع حياته كلها ثمنا لذلك .

إرميا النبى وظروف الكتابة :



أ – إن كان هذا السفر ينسب لإرميا النبى ، لكن البعض يرى أن صديقه الحميم " باروخ " الكاتب هو الذى سجله ( 36 : 23 ) ، إذ كان محتفظا بمنطوقات النبى ومدركا لدقائق حياته .

ب – كلمة " إرميا " تعنى " يهوه يؤسس أو يثبت " ، وربما تعنى " يهوه يرفع أو يمجد " . ففى أحلك الفترات ظلاما ، بينما كان إسرائيل مسبيا ويهوذا فى طريقه إلى السبى جاء إرميا من قبل الرب يعلن أن الله يود أن يؤسس شعبه ويثبته ، بل يرفعه ويمجده إن عاد إليه بالتوبة من كل القلب .

جـ - ولد إرميا فى منتصف القرن السابع ق . م . فى أواخر عصر الملك منسى المرتد ، من عائلة كهنوتية ، تقطن فى قرية صغيرة تسمى عناثوث فى أرض بنيامين ، وقد أفاده نسبه إلى عائلة كهنوتية فى معرفة الشريعة وإدراكه أعمال الله مع شعبه . أما كونه بجوار أورشليم ، فقد أتاح له وهو فى سن صغير أن يحضر المواسم والأعياد المقدسة ويرى التصرفات الفاسدة فى الأيام المقدسة للرب .

كان إرميا فى عينى نفسه أمام الله كطفل صغير ، أما أمام الناس فصاحب قلب أسدى لا يعرف الخوف ولا المهادنة .

كان حساسا للغاية ، رقيق المشاعر ، عاطفيا إلى أبعد الحدود ، لكنه قوى لا يعرف الضعف ، ولا يتراخى فى إعلان الحق مهما كلفه الأمر .

عاش باكيا ، تجرى دموعه كنهر ينساب ولا يجف ، فدعى بالنبى الباكى ، لكنه غير هزيل ولا متراخ فى جهاده .



دعى " أيوب الأنبياء " ، رجل آلام وضيقات بسبب جرأته .



- رفضه شعبه ورذلوه ( 11 : 18 – 21 ) .

- خانه إخوته ( 14 : 13 – 16 ؛ 28 : 10 – 17 ) .

- ضرب ووضع فى مقطرة ( 20 : 1 – 2 ) .

- هدد بالقتل ( 26 : 8 ، 36 : 26 ) .

- - سجن وأتهم بالخيانة الوطنية ( 32 : 2 ، 3 ؛ 37 : 11 – 15 ) .

- وضع فى جب ليموت ( 38 : 6 ) .

- قيد فى سلاسل ( 40 : 1 ) .

- أحرقت بعض نبواته ( 36 : 22 – 25 ) .

- حمل إلى مصر قسرا وهناك رجمه شعبه .


من يوم ميلاده إلى لحظة استشهاده نادرا جدا ما وجد إرميا تعزية من بشر ، لهذا فيعتبر سندا لكل مسيحى يدعى ليعيش " ضد العالم " إنه أشبه بمنارة عالية تنير له الطريق .

دعى " نبى القلب المنكسر " فقد كسرت رسالته الثقيلة قلبه ( 9 : 1 ) ، وسرت كلمة الله فى عظامه كنار ملتهبة ( 20 : 9 ) .

وجه أحاديثه إلى يهوذا فى أحرج اللحظات ... ولا تزال كلمات الله التى نطق بها تصرخ لتحذر كل نفس وكل قلب حتى اليوم !

عاصر إرميا ثلاثة معارك رئيسية ليهوذا : معركة ضد مصر ( 609 ق.م. ) ، ومعركتان ضد بابل ( 597 ، 587 ق.م. ) .



عاصر أيضا ثلاث مراحل للسبى ( 597 ، 587 ، 582 ق.م. ) .

ويرى البعض أن إرميا عاصر السبى فى مراحله الأربع :



أ – السبى الأول : سنة 606 ق .م. فى أيام الملك يهوياقيم ، فيه سبى دانيال وأصدقاؤه الثلاثة ( 2 أى 6 : 36 ، 7 ، دا 1 : 1 ، 2 ، 6 ) .

ب – السبى الثانى : سنة 599 ق.م. فى أيام الملك يهوياكين ، ويسمى السبى العظيم ( 2 مل 24 : 8 – 16 ، 2 أى 36 : 9 ، 10 ) ، فيه سبى حزقيال النبى ( حز 1 : 1 ، 2 ) ، ومردخاى ( إش 2 : 6 ) .

جـ - السبى الثالث : سنة 588 ق.م. بسبب تمرد صدقيا الملك على نبوخذنصر ( 2 أى 36 : 2 ) ، حيث حوصرت أورشليم واشتد بها الجوع ( إر 37 : 5 – 7 ) ، لكن عاد جيش الكلدانيين يستأنف حصاره ، واضطر صدقيا إلى الهروب ، فقبض عليه .

د – السبى الرابع : سنة 584 ق.م. على يد نبوزردان رئيس الشرط ( إر 52 : 12 ، 30 ) ، حيث أحرق بيت الرب وبيت الملك وهدمت أسوار المدينة وبعد ثلاثة أيام انتهت أعمال التدمير الشامل ، فصار اليوم العاشر من الشهر الخامس يوم بكاء لسقوط أورشليم ( إر 52 : 12 ؛ زك 7 : 3 ، 5 ، 8 : 19 ) .

بدأ إرميا خدمته النبوية بعد 60 عاما من نياحة إشعياء النبى الإنجيلى . عاصر النبيين حبقوق وصفنيا اللذين ساعداه فى أورشليم . وحزقيال الكاهن ودانيال الذى يحمل دما ملوكيا ، وربما أيضا ناحوم الذى تنبأ عن سقوط نينوى ، وعوبديا الذى تنبأ عن دمار آدوم .

عاش إرميا بتولا ، لم يتزوج ، بأمر الهي ، حتى لا يقاسى أولاده مما سيعانى منه الشعب من جوع وسيف وعار ( إر 16 : 1 – 4 ) .

مميزات السفر :



1 – مال إشعياء النبى إلى الحديث بفيض عن تعزيات الله الفياضة مع لمسات خفية من جهة التوبيخ ، أما إرميا النبى فمال إلى التوبيخ بشدة مع فتح باب الرجاء .

2 – جاء السفر يكشف عن قلب نبى مملوء حبا وحنوا . يتحدث بقوة بأمثلة عملية وتشبيهات لكى يجتذب الشعب ، فاتحا أمامهم باب الرجاء . لقد انحرف الشعب إلى عبادة الأوثان ، وقدموا أحيانا أطفالهم ذبائح للآلهة الغريبة ، ومع هذا بحب شديد كان يصلى من أجلهم ، حتى حين أمره الله أن يكف عن ذلك ( 7 : 16 ، 11 : 14 ، 14 : 11 ) .

3 – العلاقة الشخصية مع الله فى عينى إرميا النبى تتكامل مع علاقة الله بشعبه ككل . فقد اختبر إرميا النبى هذه العلاقة المتكاملة ، فكان يطلب أن يرى الله ساكنا فى وسط شعبه ( 7 : 23 ) ، وفى نفس الوقت يطلبه ساكنا فى كل قلب . كان يطلب توبة جماعية مع توبة شخصية ! لهذا يربط النبى التاريخ الخاص بالخلاص بحياة الكنيسة كما بحياة الأشخاص ، إذ غايته تمتع الكل بعمل الله الخلاصى خلال التوبة ، وتمتع كل عضو بهذه الحياة .

4 – يرى البعض أن أرميا النبى كان متشائما كل التشاؤم ، متفائلا كل التفاؤل . إذ ينظر إلى فساد يهوذا وخيانته للعهد الإلهى بتشاؤم وإذ يتطلع إلى حب الله وطول أناته يمتلىء رجاء . إلهه إله الرجاء والوعد والقوة ، له إرادة لا تقهر من جهة إقامة شعب مقدس له .

5 – يقدم لنا سفر إرميا مفاهيم لاهوتية روحية حية :

أ – خطية الشعب هى فى جوهرها كسر الميثاق مع الله ، وبالتالى التوبة هى عودة إلى الحياة الميثاقية مع الله .

ب – كل جريمة يقترفها الإنسان ضد أخيه موجهة ضد الله نفسه .

جـ - نجح النبى فى تأكيد حب الله حتى فى لحظات السقوط تحت التأديب ، مؤكدا أن التأديب هو علامة اهتمام الله بهم وحبه لهم .

د – الدمار الذى حل بهم يحتاج إلى دخول فى عهد جديد ( 31 : 31 – 34 ) .

6 – فى هذا السفر تتجلى حياة النبى الروحية بكل وضوح فقد اتسم بأمانته لرسالته حتى النفس الأخير بالرغم من النفور الذى واجهه به الكل .

7 – حمل هذا السفر رسالة نبوية ، تحقق بعضها بعد حياته بزمن قليل ، لكن غايته الأسمى هى ما تحقق فى العهد الجديد . وجد الرائى اللاهوتى يوحنا أن ما حدث فى الأزمنة الأخيرة مطابقا لما ورد فى سفر إرميا ، من ذلك هلاك بابل ( رؤ 18 : 22 ، 14 : 8 ، 17 : 2 – 4 ، 18 : 2 – 5 يقابله إر 25 : 10 ، 51 : 7 – 9 ، 45 ، 63 ، 64 ) .

8 – سفر إرميا كرسائل معلمنا بولس الرسول يكشف عن طبيعة رجل الله الشديد الحساسية نحو شعب الله مستندا على العمل الإلهى . وقد تأثر الرسول بولس كثيرا بإرميا النبى فى شدة حبه للشعب كما فى معالجته لبعض المواضيع مثل الناموس والنعمة والحرية والختان الروحى [ راجع إر 31 : 31 – 34 مع 2 كو 3 : 6 الخ ورو 11 : 1 ؛ إر 1 : 5 مع غلا 1 : 15 ] .

9 – سفر إرميا هو سفر النبوات : كثيرا ما أشار الكاتب بكونه " إرميا النبى " إذ كان إرميا مدركا لرسالته ولدعوته الإلهية كنبى ( 1 : 5 ؛ 15 : 19 ) . كنبى حقيقى قاوم الأنبياء الكذبة الذين ينطقون بكلمات هى من وحى أفكارهم الخاصة . أما بالنسبة له فكرر العبارة " كلمة الرب التى صارت ... " أو ما يعادلها 151 مرة .

أما موضوع النبوات فهو :



أ – المسيا المخلص .

ب – يهوذا : سبيه وعودته .

جـ - مدن : أورشليم ، بابل ، دمشق .

د - شعوب أممية : مصر ، فلسطين ، موآب ، عمون ، آدوم ، عيلام ، بابل .

هذه النبوات تحقق بعضها فى وقت قريب من النطق بها ، وبعضها بعد زمن طويل .

10 – سفر إرميا هو سفر التساؤلات ، يحوى أسئلة ربما أكثر مما ورد فى سفر أيوب .



هو سفر الإصلاح ، خاصة فى الإصحاحات 30 – 33 .

سفر الرثاء والأضطهادات .

سفر الرموز : استخدم إرميا الكثير من الرموز بأمر الهي لأجل التعليم ، تارة يلبس منطقة بالية ، وأخرى يضع نيرا على عنقه كالثور ، وثالثة يكسر زقا أمام الوالى ، ورابعة يشترى حقلا ويدفن الوصية .
__________________

أما أهم ملامح هذا الأرتباط فهى :



أ – عاش إرميا يحمل فى داخله أثقال شعب الله بمرارة ، إذ يقول " أحشائى أحشائى ، توجعنى ! جدران قلبى ! يئن فى قلبى ! لا أستطيع السكوت " 4 : 19 .

وبدموع يقدم مرثاة رائعة ، قائلا :

" يا ليت رأسى ماء وعينى ينبوع دموع ؟ ، فأبكى نهارا وليلا قتلى بنت شعبى " 9 : 1 ، حتى دعى بالنبى الباكى . وقد جاء السيد المسيح يبكى البشرية على خطاياها ورجاساتها ، خاصة أورشليم التى قدم لها الكثير وفى عناد قاومت عمل الله .

فقد قيل عنه : " رجل أوجاع ومختبر الحزن " إش 53 : 3 .



وجد السيد المسيح باكيا ( مت 23 : 37 ) ، إن لم يكن علانية ففى أعماقه دموع لا تجف من جهة الخطاة . اكتشف إرميا بعض الخطايا فلم يعد يحتمل نفسه مشتهيا أن يجد له مبيتا فى البرية ليترك شعبه وينطلق من عندهم لأنهم جميعا زناة جماعة خائنين ( 9 : 2 ) . أما السيد المسيح العارف بكل خطايا البشرية فى كل تفاصيلها الخفية والظاهرة بكل ثقلها ، فقد جاء ليحل وسط الخطاة ويسندهم مقدسا إياهم بدمه .

جاء السيد المسيح فحقق ما اشتهاه إرميا وغيره من الأنبياء فاتحا طريق الملكوت الجديد لكل من يدعو اسم الرب من جميع الأمم .

ب – أبغض الشعب مع القيادات إرميا النبى بسبب توبيخه لهم ، عاش حاملا صورة السيد المسيح محب البشرية ، الذى جاء يسلم ذاته من أجل الكل ، أما خاصته فلم تقبله ، بل وتكاتفت كل القوى تريد الخلاص منه خارج المحلة .

جـ - تنبأ إرميا النبى عن خراب أورشليم ( 1 : 15 ، 16 ) ، وأعلن السيد المسيح ما سيحل بأورشليم قائلا : " ياأورشليم ياأورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها ، ..... " ( مت 23 : 37 ، 38 ) .

د – مع ما حمله إرميا من مرارة تجاه شعبه ، فإن مرارته إمتزجت بحلاوة خلال رؤيته السيد المسيح المخلص بروح النبوة ، خلال الظلال ، فلم يحمل يأسا بل رجاء . ( 23 : 5 ، 6 ؛ 11 : 19 ) .

يُرى السيد المسيح فى سفر إرميا أنه :


أ – بلسان فى جلعاد ( 8 : 22 ) أى دواء النفس المنكسرة ...

ب – رجاء الكنيسة ومخلصها : 14 : 8 ؛ 50 : 34 ) .

جـ - الفخارى : ( 18 : 6 ) .

د – غصن بر : ( 23 : 5 ) .

هـ - داود الملك : ( 30 : 9 ) .

و – ينبوع الماء الحى : ( 2 : 13 ) .



أما أهم النبوات المسيانية فهى :



أ – ميلاده الجسدى كإبن داود ( 23 : 5 ؛ 33 : 15 ؛ أع 13 : 22 ؛ رو 1 : 3 ) .

ب – لاهوته : " الرب برنا " 23 : 6 ( 1 كو 1 : 30 ) .

جـ - قتل أطفال بيت لحم ( 31 : 15 ؛ مت 2 : 16 ، 18 ) .

د – تقديم نفسه ذبيحة حب ( 11 : 9 ) ، وحمله العار ( 15 : 15 ) ، وعدم جلوسه مجلس المازحين مبتهجا ( 15 : 17 ) .

+ + +



ثم نبدأ فى تفسير الاصحاحات ....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://eng.roniajesus@yahoo.com
بحبك يا مارمينا
خادم المنتدى
avatar

انثى عدد الرسائل : 785
العمر : 29
المزاج : نشكرربناعلي كل حال
اعلام الدول :
المهنة :
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: *** موضوع متكامل لتفسير سفر ارميا كتابيا ***   الجمعة فبراير 12, 2010 11:33 pm

إرميا – الإصحاح الأول

الدعـوة للخدمة




افتتح السفر بمقدمة صغيرة أوضحت موطن النبى وتاريخ بدء الخدمة ونهايتها ، جاء الإصحاح الأول كله كمقدمة للسفر ، أشبه بدستور عملى للخادم الحقيقى .



( 1 ) إدراك الدعوة الإلهية :

تحدث السفر عن دعوة النبى ورسالته خلال أمرين : حوار بين الله وإرميا [ 4 – 10 ؛ 17 – 19 ] وخلال رؤيتين [ 11 – 16 ] ، ركز الحوار على دعوة إرميا الشخصية والرؤيتان على رسالته .

إذ تدخل الله فى حياة إرميا وتحدث معه فى حوار مفتوح ، فتح عن عينيه ليدرك إرميا من هو ، وما هى رسالته فى الحياة ، وما هى إمكانياته فى الرب .

افتتح النبى حديثه بعلاقته مع الله مرسله هكذا :

" فكانت كلمة الرب اليّ قائلا قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك " ع 4 ، 5 .

ما أعجب هذه العبارة ، فإنها تكشف عن سر الحب العميق بين الله والإنسان .

أدرك النبى أن علاقته بالله تمتد جذورها إلى ما قبل تكوينه كجنين فى أحشاء أمه ، فقد كان فى ذهن الله ، وموضوع محبته ، يمثل جزءا لا يتجزأ من خطة الله الخلاصية ! دعوته للعمل النبوى لم تقم من عندياته ولا بخطة إنسانية ، لكنها بتخطيط الهي !

لقد أدرك إرميا النبى أن حياته لم تأت جزافا نتيجة اتحاد جسدى بين والديه ، إنما هو أعظم من هذا . ميلاده الجسدى ليس هو بداية حياته الحقيقية ، ولا موته الجسدى هو نهاية حياته ! إنه من صنع الله نفسه !

كان اللقاء بين الله وإرميا لقاء طبيعيا وكأنهما صديقان حميمان ، وأن هذه الرسالة جاءت نتيجة علاقة قديمة تمتد جذورها إلى أيام تكوين إرميا فى أحشاء أمه .

سر هذا الإمتياز هو أن إرميا كان يرمز للسيد المسيح ، الذى تنطبق عليه هذه العبارة بمفهوم فريد رائع ، فإنه قبل تجسده منذ الأزل يعرف الآب إبنه وحيد الجنس ، وقد قدسه بمعنى أنه سلم إليه العمل الخلاصى من جهة الإنسان . لم يكن السيد المسيح فى عوز إلى تقديس خارجى ، إذ هو القدوس ، لكنه قدم ذاته للأب فى طاعة ليقوم بخلاصنا ، لعله لهذا قال : " لأجلهم أقدس أنا ذاتى ليكونوا هم مقدسين فى الحق " يو 17 : 19 .



( 2 ) اتساع القلب بالحب
يعلن الرب لإرميا النبى حدود خدمته ، قائلا له : " جعلتك نبيا للشعوب " ع 5 .

إن كان إرميا قد بدأ خدمته فى حدود قريته التى رفضته لكن قلبه لم يضق بالناس إنما اتسع ليشمل كل يهوذا التى أصرت على رفضه مرارا ، بل يؤكد الله له أنه قدسه " نبيا للشعوب " . وكأنه أراد أن يخرج به من الدائرة الضيقة لكى يئن مع أنات كل إنسان ، ولا يستريح قلبه ما لم يسترح الكل فى الرب .

وكأن الله قد جعل لإرميا دورا يمس لا حياة يهوذا فحسب ، بل وتاريخ الأمم الأخرى أيضا . يسحب قلب الشعوب الأخرى إلى الحياة السماوية . هكذا خدامه المرتبطون به يحملون ذات الروح ، مشتاقين بروح الأبوة الجامعة الحانية أن يضموا كل إنسان إن أمكن إلى ملكوت الله .



( 3 ) اتضاع النفس
إذ دعى إرميا للخدمة لم يرفضها بطريقة مطلقة وإنما اعتذر بضعفاته الشخصية ، قائلا :

" فقلت آه يا سيد الرب اني لا اعرف ان اتكلم لاني ولد " ع 6

وكانت إجابة الرب : " فقال الرب لي لا تقل اني ولد لانك الى كل من ارسلك اليه تذهب وتتكلم بكل ما آمرك به " ع 7

لم يعتذر إرميا عن الخدمة لبلادة فى قلبه ، ولا هربا من المسئولية ، وإنما شوقا إلى فترة خلوة مع الله ولو إلى حين مع شعوره بالضعف الشخصى أمام إدراكه لجسامة المسئولية ، فجاء هذا الشعور يؤكد تأهله لقبول عمل الله فيه ، إذ يعمل الله فى المتواضعين .

إن كان إرميا بحسب عمره صغيرا ، لكنه فى عينى الله ناضج روحيا .

يقول العلامة أوريجانوس : [ يمكن أن نكون أولادا صغارا حسب إنساننا الداخلى حتى وإن كنا شيوخا حسب الجسد ، كما يمكن أن نكون أولادا صغارا حسب إنساننا الخارجى ولكننا ناضجون حسب الإنسان الداخلى ، وهذا ما كان عليه إرميا .. ] .



( 4 ) شجاعة الخادم
الإتضاع لا يعنى الإستكانة ، إنما الشعور بضعف الإنسان وعجزه بذاته ، مع الإيمان بإمكانيات الله الجبارة التى تسنده ، فيعمل بشجاعة دون خوف أو اضطراب .

لقد أكد الرب لإرميا :

" لا تخف من وجوههم لاني انا معك لانقذك يقول الرب " ع 8

هذه كلمات صادرة عن الفم الإلهى ، يلتزم بها الله بإرادته المملوءة حبا نحو كل خدامه الأمناء ، ألا وهى " معية الله " ، أن يكون معهم .

الخدمة شاقة بل ومستحيلة بالأذرع البشرية ،.......

لأنها فى جوهرها خدمة إقامة من الأموات ، لا موت الجسد بل موت النفس ، الأمر الذى يمارسه الخالق المخلص خلال خدامه المتكئين عليه .

يؤكد له :

" هانذا قد جعلتك اليوم مدينة حصينة وعمود حديد واسوار نحاس على كل الارض ........ فيحاربونك ولا يقدرون عليك لاني انا معك يقول الرب لانقذك " ع 18 ، 19 .
لم يعد الله إرميا بإزالة المتاعب عنه ، لكنه وعده بمؤازرته أثناء الشدائد والضيقات ، لا لكى لا يسقط فحسب ، وإنما يجعل منه مدينة حصينة تحتضن الكثيرين ، وعمود حديد يبنى عليه هيكل الرب ، وأسوار نحاس يختفى وراءها الكثيرون فى المسيح يسوع .

الله لا يمنح قديسيه عدم التعرض للتجارب ، إنما يعطيهم القوة للغلبة .

العجيب أن الله لا يطمئن خدامه بنزع التجارب عنهم بل يهددهم إن تركوا روح الشجاعة ليس فقط ينهزمون بل هو أيضا يرعبهم ، إذ يقول : " لا ترتع من وجوههم لئلا أريعك أمامهم " ع 17 .

وكأن سر نجاحهم هو شجاعتهم فى الرب .



( 5 ) الإختفاء فى كلمة الله

" ومد الرب يده ولمس فمي وقال الرب لي ها قد جعلت كلامي في فمك " ع 9 .

يختفى خادم الله فى كلمة الله تماما ، ويخفيها فى أعماقه ليعيش بها . إنه يبتلع فى الكلمة ، والكلمة تبتلعه ....

بقدر ما يظهر الخادم بذاته ينمق الكلمات ، تخرج الكلمة مشوهة وضعيفة بلا سلطان ، وبقدر ذوبانه فيها تخرج فى بساطتها قادرة أن تخترق أعماق القلب لتهب سلاما وروحا وحياة !

سر القوة إذن فى حياة إرميا أن الله مد يده ، ولمس فيه ، وجعل كلامه فيه .

أما عمل الكلمة الإلهية فى حياة إرميا ، ورجال الله فهى :

" انظر.قد وكلتك هذا اليوم على الشعوب وعلى الممالك لتقلع وتهدم وتهلك وتنقض وتبني وتغرس " ع 10 .

يقول الرسول بولس : " لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذى حدين " عب 4 : 12 . فهى تفصل بين الشر والخير .

هكذا كان الله صريحا مع نبيه إرميا منذ اللحظة الأولى ، علمه التمسك بكلمة الله التى تهدم وتبنى ، وتقلع وتغرس ! رسالة صعبة وقاسية تثير الشعوب والممالك ضده . لم يرسله ليقدم كلمات لينة مهدئة ، وإنما ليعمل بالهدم والنقض والأقتلاع ، وفى نفس الوقت البناء والغرس .

بكلمة الله يقتلع خادم الله الغرس الغريب لكى يقوم الآب بتقديم غرسه فى النفس ، ويهدم مملكة الخطية لكى يقيم الرب مملكته السماوية ، ويطرد الشعوب الغريبة الدنسة ( الرجاسات ) لكى يتمجد الله فى شعبه .

هذه الكلمة الإلهية التى بها يهدم ويبنى ، ويقلع ويغرس ، يهتم بها الله نفسه ، إذ هى كلمته ، يقول النبى : " ثم صارت كلمة الرب إلى قائلا : ماذا أنت راء يا إرميا ؟ فقلت أنا راء قضيب لوز . فقال الرب لى : أحسنت الرؤية ، لأنى أنا ساهر على كلمتى لأجريها " ع 11 ، 12 .

لقد رأى إرميا " قضيب لوز " هو القضيب الذى أفرخته عصا هرون الجافة ، التى وإن كانت لا تحمل حياة فى ذاتها لكنها أثمرت كلمة الله الحية لإشباع المخدومين .

يلاحظ أن " قضيب اللوز " يعنى فى العبرية " الساهر " وعلة هذه التسمية أن شجر اللوز يزهر مبكرا فى شهر فبراير قبل سائر الأشجار .

هذا يعنى أن وقت الموت ( للنبات ) قد انتهى ، لتحل الحياة من جديد ، تشهد شجرة اللوز لعمل الله الفائق الذى يخرج الحياة من الموت ! وكأن هذه الشجرة تبقى " ساهرة " على بقية الأشجار ، فتشير إلى الله الذى يسهر على كلمته لتعمل فى حياة الناس ، إذ يقول :

" لأنى أنا ساهر على كلمتى لأجريها " ع 11 .

إن كان الله يجرى بنفسه كلمته وهو ساهر عليها لكنه يطلب من جانبنا نحن أيضا أن نسهر لئلا يحل بنا الشر . لهذا بعد رؤية قضيب اللوز ، جاءت رؤية القدر المنفوخة ووجهها من جهة الشمال حيث الشر قادم .

" ثم صارت كلمة الرب اليّ ثانية قائلا :

ماذا انت راء.فقلت اني راء ؟ قدرا منفوخة ووجهها من جهة الشمال.

فقال الرب لي من الشمال ينفتح الشر على كل سكان الارض " ع 11 – 14 .

يرى العلامة أوريجينوس أن التطلع نحو الشمال يشير إلى السهر والحذر من الشر القادم على النفس البشرية لتحطيم خلاصها .



( 6 ) الأمانة فى العمل
إن كان النبى قد أقيم كوكيل لله ، إذ يقول له الرب : " أنظر . قد وكلتك هذا اليوم على الشعوب ... " فهو ملتزم أن يعمل بروح موكله ، يقلع ويغرس ، ويهدم ويبنى . هذا العمل أجرته ضيق ومرارة من العالم نحو العاملين به .

قدم الله لإرميا النبى رؤيا ثانية ، إذ نظر قدرا منفوخة من جهة الشمال تنفتح فوهتها بالشر نحو الشعب ، ويفسر له الرؤيا هكذا : " لاني هانذا داع كل عشائر ممالك الشمال يقول الرب.فيأتون ويضعون كل واحد كرسيه في مدخل ابواب اورشليم وعلى كل اسوارها حواليها وعلى كل مدن يهوذا ، واقيم دعواي على كل شرهم لانهم تركوني وبخروا لآلهة اخرى وسجدوا لاعمال ايديهم " ع 15 ، 16 .

بهذه الرؤيا أوضح الله لإرميا كل شىء مقدما ، كموكل قدم لوكيله خطته الإلهية بكل وضوح حتى لا يفاجأ بها الوكيل فيضطرب عندما يرى الضيق قد حل بأورشليم وكل مدن يهوذا .

لما كانت أغلب متاعب إسرائيل تأتى من الشمال ( من الأشوريين والأراميين والبابليين ) لذا صار الشمال رمزا لقوى الظلمة .

يلاحظ أن الرؤيا الأولى مفرحة حيث تقدم كلمة الله كلوز مشبع للنفس له لذته ، والثانية مرة ومؤلمة خاصة بالتأديب الحازم . وكأن الله يود أن يقدم كلمته العذبة لكل نفس لتنعم وتشبع بها ، فإن رفضتها يسمح لها بالتأديب الذى يبدو قاسيا ومرا . وفى هذا كله يطلب الله ودنا وحبنا ومجدنا الأبدى !

ولا تقف الأمانة عند تبليغ الرسالة فحسب وإنما تمس الحياة الداخلية ، فأمانة الوكيل تعلن من خلال تقديسه الداخلى اللائق به كوكيل للقدوس . لهذا يقول له :

" أما أنت فنطق حقويك ، وقم ، وكلمهم بكل ما آمرك به . لا ترتع من وجوههم لئلا أريعك أمامهم " ع 17 .

طالبه أن يمنطق حقويه ويقوم ، فإنه إذ يمنطق حقويه يكون كمن يشترك فى وليمة الفصح ( خر 12 : 11 ) ، يشترك فى العبور مع الشعب من عبودية الخطية للدخول فى أورشليم العليا .

أما قوله " قـــم " فتؤكد أنه لن يقدر أن يتمم رسالته الكرازية والشهادة للكلمة مالم يقم مع المسيح يسوع ربنا فيقيم إخوته معه !

علامة الأمانة فى العمل الكرازى هو التمنطق ، أى الدخول إلى الموت مع المسيح والتمتع بقوة قيامته ، عندئذ يستطيع الخادم أن يتكلم بكل ما يأمره به الرب ، إذ تخرج الكلمة حية وفعالة ، عاملة فيه أولا ، فيقبلها الناس كحياة ، وبهذا أيضا لا يرتاع من وجوه الناس لأنه إذ مات وقام هل يخاف الموت بعد ؟! بهذا يقيمه الله مدينة حصينة وعمودا حديديا وأسوار نحاس على كل الأرض ( ع 18 ) ، يصير سر بركة للكثيرين ، يسندهم ويعينهم ويكون بالمسيح الصخرة هو أيضا صخرة لكثيرين .

بهذا يسمع الصوت الإلهى ع 19 :

" يحاربونك ولا يقدرون عليك ، لأنى أنا معك يقول الرب لأنقذك "

+ + +
إرميا – الإصحاح الثالث

الله يطلب عروسه



فى الإصحاح السابق كشف لنا الله عن سر الخصومة ، الأمر الذى يكرره كثيرا ، ليس فقط فى سفر إرميا بل فى كثير من الأسفار المقدسة ، فإن الله إن أدب يود أن يوضح سبب التأديب ، حتى يحقق هدفه . فهو لا يؤدب ليظهر سلطانه كما يفعل الإنسان عندما يستحوز على سلطة ، ولا لكى ينتقم ، وإنما لكى يحاور ويحاجج حتى يرجع الإنسان إليه

فى الإصحاح الثالث يعلن بوضوح رغبته فى رجوع عروسه التى تنجست مع كثيرين ، وأفسدت الأرض ، وقد سبق فطلقها ، لكنه يضع خطة إلهية ليفتح أمامها باب التوبة ، ويردها الله مكرمة وممجدة .



( 1 ) العريس يطلب مطلقته الزانية
كشف الله عن حبه اللانهائى نحو شعبه ، ونحو كل مؤمن ،

" قائلا اذا طلق رجل امرأته فانطلقت من عنده وصارت لرجل آخر فهل يرجع اليها بعد ألا تتنجس تلك الارض نجاسة ؟!

اما انت فقد زنيت باصحاب كثيرين ،

لكن ارجعي اليّ يقول الرب " ع 1

يقول العلامة أوريجينوس :

[ هذا نوع جديد من الصلاح ، فإن الله يقبل النفس حتى بعد الزنا إن رجعت وتابت من القلب ...

هنا يظهر الله كغيور ، يطلب نفسك ويشتهى أن تلتصق به ، إنه غير راض . إنه يغضب مظهرا نوعا من الغيرة عليك ، لتعرف أنه يترجى خلاصك ! ] .

لم يبحث عنها الأشرار ليطلبوها ، بل تجرى فى كل الطرقات تطلب الشر ، ليس من طريق تعبر فيه إلا وترتكب فيه الخطية :

" ارفعي عينيك الى الهضاب وانظري اين لم تضاجعي.في الطرقات جلست لهم كاعرابي في البرية ونجست الارض بزناك وبشرك " ع 2

تشهد الطبيعة لشرها ، فبسببها " فامتنع الغيث ولم يكن مطر متأخر " ع 3 .

المطر المتأخر فى شهرى مارس وإبريل حيث يساعد النباتات على نضوج المحصول .

عندما يصر الإنسان على الخطأ ، معاندا وصية إلهه ، تعانده الطبيعة التى خلقت لأجله ، لتشهد أنه قد فسد وانحرف عن تحقيق رسالته ، فلماذا تسنده وتخدمه ؟!

" لها جبهة زانية " ع 3 ، أى وجه نحاس لا يعرف الخجل أو الحياء .

يرى البعض فى العبارة :

" ألست من الآن تدعينني يا ابي ؟! اليف صباي انت ! هل يحقد الى الدهر ؟ او يحفظ غضبه الى الابد ؟

ها قد تكلمت وعملت شرورا واستطعت " ع 4 ، 5 .

قد اتكلت إسرائيل على أنها إبنة لله تمتد علاقتها معه منذ صباها حين كانت فى مصر تحت العبودية ... وكأنها استغلت أبوة الله وحنانه فتكلمت كإبنة لكنها عملت كعاصية وتممت العصيان بقدرة وعنف .

لم تقف عند حد الزنا والخيانة الزوجية لكنها مخادعة ، لها شفتا الغش تنطق بغير ما تعمل ( 3 – 5 ) . وهى مكروهة لدى الناس فكم لدى الله ؟! الله لا يقبل صلوات الشفاة الغاشة ، بل يطلب سكب النفس ( 1 صم 1 : 15 ) وسكب القلب ( مز 62 : 8 ) .



( 2 ) خطة إلهية لعودتها
يكشف الله ليهوذا عن خطته لخلاصها معلنا أن مملكة إسرائيل ( 10 أسباط ) سبق ففسدت وقد حذرها مرة ومرات وأخيرا سمح لها بالسبى لكى تتوب وتكون درسا عمليا ليهوذا . لكن مملكة يهوذا ( سبطان : يهوذا وبنيامين ) عوض أن تتعظ فقد تركها قرنا كاملا بعد سبى إسرائيل لكى تتوب ، إذا بها هى أيضا تخونه على منوال أختها ...

ربما لأنها اتكلت على أن الله لن يسمح بسبى مدينته أورشليم وخراب هيكله فيها ، لكن سرعان ما يفتح الله باب الرجاء لا أمام يهوذا وحدها بل أمام المملكتين معا ، بل وأمام كل الأمم بكونه مخلص العالم كله .

أحد أسباب التأديب هو أن يصير المؤدب مثلا حيا أمام الخطاة :

" وقال الرب لي في ايام يوشيا الملك :

هل رأيت ما فعلت العاصية اسرائيل ؟

انطلقت الى كل جبل عال والى كل شجرة خضراء وزنت هناك.

فقلت بعدما فعلت كل هذه ارجعي اليّ ، فلم ترجع.

فرأت اختها الخائنة يهوذا.

فرأيت انه لاجل كل الاسباب اذ زنت العاصية اسرائيل فطلقتها واعطيتها كتاب طلاقها لم تخف الخائنة يهوذا اختها بل مضت وزنت هي ايضا .

وكان من هوان زناها انها نجست الارض وزنت مع الحجر ومع الشجر.

وفي كل هذا ايضا لم ترجع اليّ اختها الخائنة يهوذا بكل قلبها بل بالكذب يقول الرب. فقال الرب لي قد بررت نفسها العاصية اسرائيل اكثر من الخائنة يهوذا " ع 6 – 11 .

كان على يهوذا أن تتعظ بعد سبى إسرائيل ( 10 أسباط ) بيد الأشوريين ، ولم تكتف برفض هذا الدرس ، بل أضافت إلى خطاياها آثاما أكثر ، حتى بدت أن خطايا شعب إسرائيل بالمقارنة بخطايا شعب يهوذا كأنها بر وصلاح .

عرفت إسرائيل بالعصيان العلنى ومقاومة عبادة الله ، ( 1 مل 12 : 28 ، 31 ) .

أما يهوذا فعرفت بالخداع والكذب ، انشغلت مملكة يهوذا بالعبادة الظاهرية مع خيانة خفية ، حيث كانت القلوب منصرفة إلى نجاسة الأمم .

عند قراءتنا عن المصائب والأهوال التى حلت بشعب إسرائيل يلزمنا أن نرتعد ، ونقول : " إن كان الله لم يشفق على الأغصان الطبيعية فلعله لا يشفق عليك أيضا " رو 11 : 21

فى بداية المسيحية وجد مؤمنون قليلون لكنهم كانوا مؤمنين حقيقيين ، اتبعوا الطريق الضيق الكرب المؤدى إلى الحياة . أما الآن فقد صرنا كثيرين من جهة العدد ، لكن من غير الممكن أن يوجد كثيرون منتخبون ، لأن يسوع له المجد لا يكذب حين قال :

" كثيرون يدعون وقليلون ينتخبون " .

يقول : " إنها نجست الأرض ، وزنت مع الحجر ومع الشجر " ع 9

من أجل الإنسان وجدت الأحجار وكل الأشجار ... أما وقد أقام من الحجارة تماثيل يتعبد لها ، ومن الأشجار هياكل لمذابح الوثن ، حسب بهذا كمن يزنى مع الحجارة والأشجار ، ففسدت بسببه . الله لم يخلق الطبيعة لكى نتحد بها ونتعبد لها ، وإنما لكى نستخدمها فتشترك معنا فى التسبيح لله ! .

يقول القديس يوحنا الذهبى الفم أن الله لا يحزن على خطايانا قدر ما يحزن على عدم رغبتنا فى الرجوع عنها بالألتجاء إليه . إنه أب ينتظر أولاده ، وعريس سماوى يطلب عروسه .

[ ليته لا ييأس أى إنسان يحيا فى الشر !

ليته لا يغفو أى إنسان يحيا فى الفضيلة !

ليته لا يثق الأخير فى ذاته ، فغالبا ما يسبقه الزناة .

ولا ييأس الأول ، فإنه يستطيع أن يسبق الأخير ...

إن رجعنا إلى محبة الله الغيورة لا نعود نذكر الأمور السالفة .

الله ليس كالإنسان ، فإنه عندما نتوب لا يلومنا على الماضى ، ولا يقول : لماذا كنتم غائبين كل هذا الزمان الطويل ؟

ليتنا نقترب إليه كما يليق .

لنلتصق به فى غيرة ،

لنسمر قلوبنا بخوفه ! ]

[ لقد جاء كطبيب وليس كديان ] .

" لم ترجع ...... بكل قلبها بل بالكذب يقول الرب " ع 10 .

كثيرون يظنون أنهم يرجعون إلى الرب لا بالتوبة والأعتراف بل بتبرير أخطائهم .



( 3 ) طريق التوبة
كثيرا ما يكرر الرب على لسان إرميا النبى الكلمتين : " ارجعى ... اعرفى ... " ع 12 ، 13 .

" اذهب وناد بهذه الكلمات نحو الشمال وقل ارجعي ايتها العاصية اسرائيل يقول الرب.لا اوقع غضبي بكم لاني رؤوف يقول الرب.لا احقد الى الابد. اعرفي فقط اثمك انك الى الرب الهك اذنبت وفرّقت طرقك للغرباء تحت كل شجرة خضراء ولصوتي لم تسمعوا يقول الرب. ارجعوا ايها البنون العصاة يقول الرب " ع 12 – 14

" ارجعوا أيها البنون العصاة فأشفى عصيانكم " ع 22 .

تحدد العبارات الإلهية السابقة مفهوم التوبة فى الخطوات التالية :

أ – التوبة هى قبول دعوة الله للنفس بالرجوع إلى محبوبها . فإن الله فى حبه للنفس لا يتوقف عن النداء " ارجعى إلى " . فى أحلك لحظات الخطية ، وفى وسط قساوة قلوبنا يتطلع إلينا ينتظر صرخة قلب خفية ، أو نظرة عين نحوه ، أو تنهدا داخليا ، ليحملنا على الأذرع الأبدية . إنه يشتاق إلى رجوعنا وخلاصنا ومجدنا أكثرمن إشتياقنا نحن إلى خلاص أنفسنا . لكنه فى محبته لا يريد أن يغتصب النفس بغير إرادتها ، فإنه يقدس حرية إرادتها ويكرم إنسانيتنا !

ب – اكتشاف شخص الله : " لأنى رؤوف يقول الرب ، لا أحقد إلى الأبد " .

يؤكد الله اخلاصه وحبه ، فقد تخونه عروسه ، لكنه يبقى الإله الرءوف المخلص لها . يغضب لتأديبها ، لكن ليست هذه هى كلمته الأخيرة ، فإنه كما يقول :

" لا أحقد إلى الأبد " .

ج ـ اكتشاف حقيقة ضعفنا : " اعرفى فقط إثمك " . لتحكم النفس على ذاتها ، وتعترف بإثمها ، فتجد مخلصها الرؤوف يبررها .

د – إدراك أن كل خطأ فى الحقيقة موجه ضد الله : " إلى الرب إلهك اذنبت " ع 13 . وكما يقول داود النبى فى مزمور التوبة : " لك وحدك أخطأت والشر قدامك صنعت " مز 51 ، حتى وإن كانت الخطية فى الفكر لم تؤذ أحدا . لأن كل خطية هى كسر لوصية الله الذى يريدنا أن نتشكل على صورته ونصير على مثاله : " ولصوتى لم تسمعوا يقول الرب " ع 13 .

هـ - ادراكنا لموقفنا أو مركزنا كبنين ، فإنه ما أصعب أن يهان الشخص من إبنه ؟!

" ارجعوا أيها البنون العصاة " ع 14 .

و – ثقتنا فى المخلص كأب قادر أن يشفى جراحاتنا ، وينزع عنا طبيعة العصيان :

" ارجعوا أيها البنون العصاة فأشفى عصيانكم " ع 22 .

من هم هؤلاء البنون العصاة الذين يطالبون بالرجوع إلى الله ؟ .

المؤمنون الذين صاروا أولادا لله ، لكن أحيانا يعصون الله أبيهم ، ومع هذا يدعوهم إلى الرجوع إليه ... أبواب التوبة مفتوحة أمام الجميع !



( 4 ) بركات الرجوع إلى الله
إذ يدعونا الله يكشف عن بركات الرجوع إليه ممتزجة بخطورة البعد عنه . يمكن تلخيص بركات الرجوع إليه فى الآتى :

أولا : يضمنا إلى كنيسته ( صهيون الجديدة ) :

" لاني سدت عليكم فآخذكم واحد من المدينة واثنين من العشيرة ،

وآتي بكم الى صهيون " ع 14 .

إن كانت الدعوة عامة موجهة إلى كل الشعب ، لكنها أيضا شخصية ، فى وسط رغبته فى اقتناء كل الشعب يقبل واحدا من وسط مدينة بأكملها أو اثنين من عشيرة . إنه لا يحتقر نفسا واحدة راجعة إليه ، ولو رفضته المدينة كلها . ففى وقت ما كان العالم كله وثنيا ما عدا إبراهيم وسارة زوجته ، ومع هذا دعاهما إليه ليقيم من نسلهما شعبا مقدسا وكنيسة طاهرة ! .

ثانيا : يرسل فعلة مقدسين له ، لهم معرفة روحية :

" واعطيكم رعاة حسب قلبي فيرعونكم بالمعرفة والفهم " ع 15 .

حين يرجع الشعب إلى الله ، يغير الله على كنيسته فيرسل رعاة حسب قلبه ، لهم معرفة روحية وفهما صادقا ، يقودون الشعب بروح الله إلى الحياة السماوية .

لعله من أهم صفات الخادم النقى ، الذى له روح سيده ، هو تمته بالمعرفة والفهم ! يقدم مرعى المعرفة للشعب ، فلا يخدم بروح التسلط والعنف فى جهالة وغباوة .



ثالثا : الثمر المتكاثر

" ويكون اذ تكثرون وتثمرون في الارض في تلك الايام يقول الرب .... " ع 16

كثيرون يظنون أن الرجوع إلى الله مضيعة للوقت وتحطيم للطاقات ، ناظرين إلى الصلاة كأنها عمل باطل ، والصوم حرمانا ، والتسابيح والعبادة الجماعية خسارة .. ونسى هؤلاء فى حياتهم عنصر " البركة " ..

بسبب يوسف بارك الرب بيت فوطيفار ..

وبسبب إبراهيم بارك الله شعبا عبر الأجيال حتى بعد موته !

برجوعك تتبارك ، بل وتصير بركة لمن هو حولك ، بل ومثمرا حتى بعد رحيلك !

رابعا : يرجع إلينا بنفسه

" لا يقولون بعد تابوت عهد الرب ، ولا يخطر على بال ولا يذكرونه ، ولا يتعهدونه ، ولا يصنع بعد " ع 16 .

بمعنى آخر يصير اللقاء مع الله لا خلال الرموز كتابوت العهد ، وإنما يتحقق لقاء حق ... يسكن الله وسط شعبه ، ويدرك المؤمن حضرة الرب فى أعماقه .

كان تابوت العهد يشير إلى الحضرة الإلهية وسط شعبه ، الآن وقد جاء كلمة الله نفسه ، الخبز النازل من السماء ، لم تعد هناك حاجة إلى تأكيد الحضرة الإلهية ... إنه يسكن وسط شعبه ويحل فى قلوبهم .

خامسا : رجوع الأمم إليه

لم تعد هناك حاجة إلى تابوت العهد لتأكيد الحضرة الإلهية ، إذ صارت أورشليم – مدينة الملك العظيم – جذابة للأمم . يأتى البشر من كل أمة ولسان ليروا أورشليم العليا أمنا ، يعيشون فيها ، ويحملون سماتها ، قائلين مع الرسول :

" أجلسنا معه فى السماويات " أف 2 : 6 .

إذ يطلب الله رجوع شعبه القديم إليه يعلن لنبيه عن رجوع الأمم ، وقبول الشعوب الإيمان به : " ويجتمع اليها كل الامم الى اسم الرب الى اورشليم ولا يذهبون بعد وراء عناد قلبهم الشرير " ع 17 .

مع توبتك تجتذب كثيرين إلى الرب وتدخل بهم إلى سمواته !

سادسا : الشفاء من طبيعة الفساد العاملة فينا

" أرجعوا أيها البنون العصاة فأشفى عصيانكم " ع 22 .

الراجع إلى الله يشعر بعمل روح الله القدوس اليومى لتجديده المستمر ، حتى يصير على مثال الله !

أخيرا بعدما تحدث عن بركات الرجوع إلى الله أشار إلى خطورة العصيان والإصرار على العناد والتمسك بالشرور ، أو خيانة الإنسان أو الجماعة لله :

أولا : " سمع صوت على الهضاب بكاء تضرعات بني اسرائيل.لانهم عوّجوا طريقهم.نسوا الرب الههم " ع 21 .

فى الموضع الذى كانوا يصنعون فيه الرجاسات ، أى فى الهضاب ، يسمع صوت نحيبهم ، حيث يساقون إلى السبى فى مذلة .

لا تقدر الخطية أن تهب الإنسان فرحا حقيقيا ، بل تخدره إلى حين ليجد نفسه قد فقد سلامه الداخلى وفرحه وحياته نفسها . هذا هو ثمر الدخول فى الطريق المعوج ونسيان الرب إلهنا !

ثانيا : يدخل إلى الباطل لا إلى الحق

" حقا باطلة هي الآكام ثروة الجبال.حقا بالرب الهنا خلاص اسرائيل " ع 23 .

هنا يقارن بين عبادة الأوثان على الآكام والجبال التى يحسبها الأشرار ثروة وغنى للنفس ، حيث يجدون الطريق الواسع والحياة السهلة ، وبين خلاص الرب إلهنا .

الترجمة الحرفية لكلمة " آكام " هنا تعنى " الخلاعة " .

ثالثا : الدخول إلى الخزى والعار

" وقد اكل الخزي تعب آبائنا منذ صبانا ،

غنمهم وبقرهم بنيهم وبناتهم.

نضطجع في خزينا ويغطينا خجلنا ( ببرقع ) ،

لاننا الى الرب الهنا اخطأنا نحن وآباؤنا ،

منذ صبانا الى هذا اليوم ،

ولم نسمع لصوت الرب الهنا " ع 24 ، 25 .

لا يقف عمل الخطية عند فقدان السلام الداخلى وتحطيم روح التمييز ليعيش الإنسان يتخبط ، يظن الحق باطلا ، والباطل حقا ، الحياة الزمنية خالدة ، والسماء خيالا ، وإنما تدخل به الخزى الذى يحطم كل تعبه منذ صباه .

يقول سليمان الحكيم : " البر يرفع شأن الأمة ، وعار الشعوب الخطية " 14 : 34 .

عندما دخل الشعب أرض كنعان وقدموا عبادة مقدسة ، دعى الموضع " الجلجال " ويعنى " الدحرجة " إذ دحرج عنهم العار ( يش 5 : 9 ) ، عار العبودية رمز الخطية .

لقد دعى شاول ابنه " إيشبوشت " 2 صم 2 : 8 ، " أى رجل العار " ... هذا هو ثمر الخطية !

الذين لا يمارسون أعمالا مخزية لا يكون عندهم البرقع ، هذا ما يقوله بولس الرسول :

" ونحن جميعا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما فى مرآة " 2 كو 3 : 18 .

طالما وجدت الخطايا فى فكرنا يكون البرقع موجودا على وجوهنا الداخلية بصورة تحجب عنا رؤية مجد الله المضىء .

الله لا يخفى عنا مجده ، إنما نحن بوضعنا برقع الخطية على نفوسنا نحرم أنفسنا من رؤية مجد الله .

بالتوبة الصادقة يرفع روح الله عن قلوبنا برقع الخزى والعار فنرى مجد الله ، وندرك أسراره الفائقة السماوية .

هذا هو طريق التوبة ، الذى فيه نصرخ ، قائلين :

" لأننا إلى الرب أخطأنا نحن وآباؤنا منذ صبانا إلى هذا اليوم ، ولم نسمع لصوت الرب إلهنا " ع 25 .

من أقوال الآباء :

+ أول طريق التوبة هو إدانتنا لخطايانا .

+ من يمارس التوبة بعدما يخطىء يستحق تهنئة لا الحزن عليه ، إذ يعبر إلى خورس الأبرار .

+ لينتبه ( الخاطىء ) إلى خطورة الجرح ،

ولا ييأس من عظمة الطبيب .

الخطية مع اليأس هى موت أكيد ... .

+ + +
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://eng.roniajesus@yahoo.com
بحبك يا مارمينا
خادم المنتدى
avatar

انثى عدد الرسائل : 785
العمر : 29
المزاج : نشكرربناعلي كل حال
اعلام الدول :
المهنة :
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: *** موضوع متكامل لتفسير سفر ارميا كتابيا ***   الجمعة فبراير 12, 2010 11:34 pm

إرميا – الإصحاح الرابع

زينة العروس



أكثر عبارات هذا الإصحاح والأصحاحين التاليين ، منظومة فى العبرية شعرا ، لذلك يرجح أن تكون مجموعة خطب أو أقوال ألقاها النبى منظومة مقفاة ، ليدفع الشعب إلى التوبة ، ويحفظهم من الخطر المصلت على رقابهم .

إذ يطلب الله من شعبه الرجوع إليه ، كاشفا عن غيرته عليهم ، وحبه الشديد نحوهم ، يطلب إليهم ألا يرجعوا إليه بفسادهم ورجاساتهم ، وإنما أن يتزينوا بجمال داخلى كعروس سماوية مقدسة .



( 1 ) التوبة وسيلة التزين
إنه يلح فى طلب رجوعها إليه ، لكنه يطلبها ترجع مقدسة له ، إذ يقول :

" إن رجعت يا إسرائيل يقول الرب ، إن رجعت إلى ، وإن نزعت مكرهاتك من ( فمك ) من أمامى فلا تتيه " ع 1 .

يطلب من عروسه أن تتخلى عن العبادة الوثنية ، وعن جحودها له . هذه هى المكروهات ... يبغضها الله لأنها تحتل قلب الإنسان ، وتغتصب ملكوت الله ، وتفسد الحياة الداخلية ، فتجعل النفس فى حالة تيه ، لا تعرف رسالتها ولا حتى تقدير الله لها .

يطالبها ألا تحلف بالآلهة الوثنية بل به ، تحلف بالحق والعدل والبر ( ع 2 ) .

يعلق العلامة أوريجينوس على القول الإلهى :

" وإن حلفت حى هو الرب بالحق والعدل والبر فتتبرك الشعوب به ، وبه يفتخرون " ع 2 ، قائلا : إننا نعلم أن الرب قال لتلاميذه فى الإنجيل :

" وأما أنا فأقول لكم : لا تحلفوا البتة " مت 5 : 34 .

لندرس هذه الآية ، ونضع الآيتين معا . ربما يلزمنا أن نبدأ بالقول : " احلفوا بالحق والعدل والبر " حتى إذا ما تقدمنا ونمونا فى النعمة بعد ذلك نستعد ألا نحلف البتة ، بل يكون لنا الـ " نعم " الذى لا يحتاج إلى تأكيد الأمور بالقسم ، ويكون لنا الـ " لا " الذى لا يحتاج إلى شهادة إثبات أن الأمر ليس هكذا .



( 2 ) ختان القلب
إذ كانت يهوذا يعتزون بكونهم أهل الختان ... بينما قلوبهم غير مختتنة ، لهذا جاءت الوصية إليهم تلزمهم بالدخول إلى الأعماق ، ليمارسوا ختان القلب الخفى ، ويهتموا بالمجد الداخلى :

" لانه هكذا قال الرب لرجال يهوذا ولاورشليم :

احرثوا لانفسكم حرثا ولا تزرعوا في الاشواك.

اختتنوا للرب وانزعوا غرل قلوبكم يا رجال يهوذا وسكان اورشليم .

لئلا يخرج كنار غيظي فيحرق وليس من يطفئ بسبب شر اعمالكم " ع 3 ، 4 .

جاءت الدعوة هنا إلى رجال يهوذا وأورشليم ، يستحيل أن يرجى ثمر روحى الهي ممن يزرعون فى أرض قفر مملوءة بالأشواك الخانقة ، إنما يجب أن تشق بشفرة المحراث لتبكيت تربة القلب القاسية ... ففى مثل الزارع يقول السيد المسيح : " وسقط آخر على الشوك فطلع الشوك وخنقه " مت 13 : 7 .

إن كانت تربة قلوبنا مملوءة أشواكا فبصليب ربنا يسوع المسيح تحرث فتصير صالحة ، ينزع عنها الشوك بكونه الغرلة . هذا هو ختان القلب الذى يرتبط بالصليب ، ولا يختنق بأشواك هموم الحياة وملذاتها الباطلة .

من لا يقبل عمل الروح النارى فيه يسقط فى نار الغضب الإلهى ، أى يسقط فى مرارة تجلبها أعماله الشريرة عليه ، كما جلبت خطايا يهوذا السبى بكل مذلته ، هذا الذى يصفه إرميا النبى بصورة قاسية حتى لم يعد يقدر أن يحتمل المنظر ( ع 10 ) ...

كان صوت التحذير مستمرا حتى لحظات السبى ، إذ يقول :

" اخبروا في يهوذا وسمّعوا في اورشليم وقولوا ،

اضربوا بالبوق في الارض.

نادوا بصوت عال وقولوا :

اجتمعوا فلندخل المدن الحصينة.

ارفعوا الراية نحو صهيون.

احتموا.لا تقفوا.لاني آتي بشر من الشمال وكسر عظيم.

قد صعد الاسد من غابته وزحف مهلك الامم.

خرج من مكانه ليجعل ارضك خرابا.

تخرب مدنك فلا ساكن.

من اجل ذلك تنطقوا بمسوح

الطموا وولولوا ،

لانه لم يرتد حمو غضب الرب عنا.

ويكون في ذلك اليوم يقول الرب ،

ان قلب الملك يعدم وقلوب الرؤساء ،

وتتحير الكهنة وتتعجب الانبياء " ع 5 – 9 .

الله القدوس الذى يطلب عروسه مزينة بالقداسة ، إذ يراها تمارس الشر الذى يدفعها إلى السبى ينذرها ، ويبقى ينذرها حتى اللحظات الأخيرة ، فإنه يشتاق ألا تسقط فى مرارة السبى ... لقد أرسل من يخبرها ، ويضربوا بأبواق كلمته ، وينادوا بصوت عال ، لعلهم يتركون القرى الغير الحصينة ويدخلون إلى المدن الحصينة ويرفعون راية صهيون ، أى يدخلون بالتوبة إلى حصن إلهى ويحملون راية الكنيسة ، راية الحب الإلهى ، فيحتمون من الخطر .

الله يريدنا أن ندخل إلى مدينة حصينة ، فقد تحصنت كنيسة الله بالحق الذى فى المسيح يسوع ، هو نفسه حصنها ، كما يقول داود النبى فى المزمور :

" الرب صخرتى وحصنى ومنقذى " مز 18 : 2 .

انتم الذين كنتم فى تقدم ونمو احتموا فى صهيون ، " قد صعد الأسد من غابته وزحف مهلك الأمم " ع 7 .. هذا الأسد هو الذى ينبهنا عنه القديس بطرس ، قائلا :

" إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمسا من يبتلعه هو ، فقاوموه راسخين فى الإيمان " 1 بط 5 : 8 – 9 .

بما أن الأسد قد صعد إليك ليهددك ويخرب أرضك ، ألبس المسوح وإبك وتنهد وتضرع إلى الله بالصلوات ، فيهلك هذا الأسد ، وتتخلص أنت منه ، ولا تقع بين أنيابه .



( 3 ) ترك الأنبياء الكذبة
كان قلب إرميا الرقيق يعتصر وهو يرى : " قد بلغ السيف النفس " ع 10 .

لقد ظنوا أن الله خدعهم وخدع مدينته المقدسة أورشليم ، ظنوه يتحدث على فم الأنبياء الكذبة ، القائلين : " يكون لكم سلام " ع 10 . إنها كلمات الأنبياء الكذبة المعسولة التى تعطى طمأنينة كاذبة ومؤقتة .

لترفض الكنيسة هذه الكلمات ، ولتتقبل كلمات الله النارية ، حتى وإن بدت قاسية ومرة ، لكنها هى نار إلهية قادرة أن تهيئها كعروس مزينة لرجلها ( رؤ 21 : 2 ) .

إلى يومنا هذا لا تزال النفس تنخدع لا بكلمات الأنبياء الكذبة بل بالذين هم فى داخلها ، الأفكار الخطيرة المخادعة ، لتستكين للخطية وتضرب بالشركة الإلهية والوصية عرض الحائط . مثل هذه النفس يبكى عليها السيد المسيح كما على أورشليم ، قائلا :

" إنك لو علمت أنت أيضا حتى فى يومك هذا ما هو لسلامك ، ولكن الآن قد أخفى عن عينيك ، فإنه ستأتى أيام ويحيط بك اعداؤك بمترسة ويحدقون بك ويحاصرونك من كل جهة ، ويهدمونك وبنيك فيك ولا يتركون فيك حجرا على حجر لأنك لا تعرفين زمن افتقادك " لو 19 : 42 – 44 .

بعدما يقدم الله تأديبه يحذر من العقوبة الأبدية ... فقد سمح لهم بالسبى ، لكن إن لم يرجعوا يسقطون فى دينونة أبدية ، إذ يقول : " في ذلك الزمان يقال لهذا الشعب ولاورشليم ريح لافحة من الهضاب في البرية نحو بنت شعبي لا للتذرية ولا للتنقية. ريح اشد تأتي لي من هذه.الآن انا ايضا احاكمهم " ع 11 ، 12 .

إنه يتحدث مع شعبه كإبنته " بنت شعبى " ، مؤكدا مدى اهتمامه بالشعب المنتسب إليه كإبنة له ، وإن كانت تقابل حبه واهتمامه بالعصيان .



( 4 ) إدراك خطة الله وقبول التأديب
شبه السبى القادم بصعود أسد من غابته وزحف مهلك الأمم لتخريب الأرض ( ع 7 ) . مرة أخرى يشبهه بهبوب ريح عاصفة سريعة التدمير :

" هوذا كسحاب يصعد ،

وكزوبعة مركباته.

اسرع من النسور خيله ،

ويل لنا لاننا قد أخربنا " ع 13

إنها صورة مؤلمة لهجوم عنيف يثيره العدو .. يظهر كسحاب من يقدر أن يصعد إليه ليحاربه أو يمسك به ؟! وكزوبعة عاصفة قادمة من الصحراء من يقدر أن يصدها ؟! وكخيل له سرعة النسور من يقف أمامها ؟! .

ما يحل بنا من تأديبات إلهية هو بسماح إلهى ، إذ يسمح لنا أن نذوق عربون ثمر الخطية لعلنا نرجع عنها ونلتجىء إليه . لهذا يكمل حديثه ، مقدما علاجا شافيا للنفس :

" اغسلي من الشر قلبك يا اورشليم لكي تخلّصي.

الى متى تبيت في وسطك افكارك الباطلة " ع 14

بالتأديب أفلهى تدرك النفس حاجتها للغسل لكى تخلص ، أى لتنعم بشركة المجد ... فتحمل جمال عريسها وبهاءه عليها .

يعود فيذكرنا بأن التأديب قد أوشك حلوله قريبا جدا ، إذ بلغ صوت القادمين جبل دان وانتقل بسرعة البرق إلى جبل افرايم ( ع 15 ) ليبلغ أورشليم ذاتها . فلا مجال للتأخير بعد !

لا يليق بها أن تلوم الرب المؤدب أو تلوم أداة التأديب ، بل تلوم نفسها ، إذ يقول :

" لانها تمردت عليّ يقول الرب.

طريقك واعمالك صنعت هذه لك ،

هذا شرّك ، فإنه مر ، قد بلغ قلبك " ع 17 ، 18 .

بإرادتك اخترت الشر والعصيان ، فاحتلت المرارة قلبك عوض ملكوت الله المفرح !



( 5 ) قبول الأنبياء الحقيقيين
إن كان يليق بالعروس أن ترفض كلمات الأنبياء الكذبة المعسولة لتدرك خطة الله لخلاصها من خلال التأديب ، فتغتسل لا بالمياة بل بدموع التوبة ، فإن النبى لا يقف ناقلا لكلمات الله فحسب وإنما كعضو فى العروس يئن ويتوجع لآلامها .

لا يمكننا أن نظن فى الأنبياء أو المعلمين أنهم ناقلون لكلمة الله فحسب ، ومعلنون عن مشيئته الإلهية ، ومصلون لأجل الشعب ، وإنما هم رجال الله المملؤون حبا ... أعضاء فى الجسد ، يئنون ويذوبون مع كل ألم ! لهذا يقول إرميا النبى :

" احشائي.احشائي !

توجعني جدران قلبي !

يئن فيّ قلبي.

لا استطيع السكوت ! ع 19 .

هنا يكشف النبى عن حبه الشديد لشعبه ، يتحدث لا كمعلم قاس ، ولا كمنذر فحسب ، وإنما يتكلم من خلال أحشائه الداخلية ، إنها تتمزق ، وجدران قلبه تتوجع ... أنينه الداخلى لا ينقطع ، وهو يرسم أمامه صورة بلوى تلحق بأخرى هذه التى ستحل بهم ! كم كان يود ألا يحمل إليهم هذا النبأ المر .

إذ حمل السيد خطايانا قال على لسان النبى : " كالماء انسكبت ، انفصلت كل عظامى ، صار قلبى كالشمع . قد ذاب فى وسط أمعائى " ( مز 22 : 14 ) ، يا لبشاعة الخطية !

" سمعت يا نفسي صوت البوق وهتاف الحرب.

بكسر على كسر نودي

لانه قد خربت كل الارض.

بغتة خربت خيامي وشققي في لحظة.

حتى متى ارى الراية واسمع صوت البوق " ع 19 ، 20 .

سمع النبى بنفسه لا بأذنيه ، بروح النبوة ، ووقف على أحداث الحرب القادمة كأنه حاضر ، يسمع ويرى أمورا لا تحتمل . إنه لم يطق أن يتطلع إلى ذلك اليوم الرهيب .

فى مرارة نفسه صرخ نحو الله : متى تنتزع هذه الكارثة ؟ إلى متى يرى الحرب ويسمع صوت البوق ؟ يجيبه الله قائلا بأن الأمر فى أيديهم هم ، فإن شرهم وغباوتهم وجهلهم للحق وإصرارهم على الفساد هو السبب ، ولا علاج إلا التوبة والرجوع إلى ، إذ يجيب النبى ، قائلا له :

" لان شعبي احمق.

اياي لم يعرفوا.

هم بنون جاهلون وهم غير فاهمين.

هم حكماء في عمل الشر ولعمل الصالح ما يفهمون " ع 20 .



( 6 ) الشبع والأستنارة
يجيب إرميا النبى مؤكدا أن الجهل هو سبب الخراب الذى يحل بالشعب :

" نظرت الى الارض واذا هي خربة وخالية ،

والى السموات فلا نور لها.

نظرت الى الجبال واذا هي ترتجف .

وكل الاكام تقلقلت.

نظرت واذا لا انسان ،

وكل طيور السماء هربت.

نظرت واذا البستان برية ،

وكل مدنها نقضت من وجه الرب من وجه حمو غضبه " ع 23 – 26 .

التصوير الذى يقدمه لنا إرميا النبى هنا يذكرنا بما ورد فى الإصحاح الأول من سفر التكوين حين كانت الأرض خربة وخالية ، وكان الظلام سائدا ، ولم تكن هناك حياة !

يكرر النبى كلمة " نظرت " أربع مرات ، وكأنه تطلع إلى العالم بجهاته الأربع ( الشمال والجنوب والشرق والغرب ) ، فماذا رأى ؟ رأى شبه عودة إلى ما قبل الخلقة كما وردت فى سفر التكوين . عالم قفر لا يسكنه إنسان وبلا نباتات !

ما هى الأرض إلا جمهور الشعب الذى كرس طاقاته للعبادة الوثنية ورجاساتها ، فصاروا كأرض خربة .

وما هى السموات إلا القيادات الدينية والمدنية التى كان يجب أن تنير الطريق للعامة ، لكنها صارت كسموات بلا نور ، تبعث حالة من الضيق والكآبة .

وما هى الجبال إلا النفوس التى كان لها دورها القيادى الشعبى ، يظن الكل أنهم راسخون كالجبال ، فإذا بهم يرتجفون ...

اختفاء كل إنسان إشارة إلى اختفاء كل تعقل حكيم ، وهروب طيور السماء إشارة إلى فقدان الأمان ، وتحول البستان إلى برية علامة الخراب الكامل ...

الله الذى يطلب شبعنا واستنارتنا حين يؤدب يعطينا فرصة للرجوع إليه ، إذ يقول :

" خرابا تكون الأرض ، ولكننى لا أفنيها " ع 27 .

إنه يترك بقية يقدسها وينميها ... إنه لا يود أن يفنى ، بل أن يقدس ويبنى !

لئلا بقوله : " لا أفنيها " يتهاون الشعب ويستغل مراحم الله ، عاد ليؤكد التأديب القاسى : " من اجل ذلك تنوح الارض وتظلم السموات من فوق من اجل اني قد تكلمت قصدت ولا اندم ولا ارجع عنه " ع 28 ،

إنه لا يرجع عن تأديبه لهم ماداموا لا يرجعون إليه ...



( 7 ) ترك البر الذاتى
إن كان الله يطلب شبع العروس واستنارتها ، فإنه يؤكد عجزها عن تحقيق ذلك بنفسها ، فهى فى حاجة إليه بكونه مصدر جمالها وشبعها واستنارتها :

" وانت ايتها الخربة ماذا تعملين ؟

اذا لبست قرمزا اذا تزينت بزينة من ذهب اذا كحلت بالاثمد عينيك فباطلا تحسّنين ذاتك فقد رذلك العاشقون " ع 30 .

إن ظنت نفسها غنية تلبس القرمز ، وإن خزائنها مملوءة بالجواهر الذهبية ، وجميلة تكحل عينيها بالإثمد ... تبقى مرذولة ليس من الله فقط بل حتى من عاشقيها ..

مسكين الإنسان الذى فى جهاده الروحى يتكىء على بره الذاتى ، يفقد كل جمال داخلى بل ويصير قاتلا لنفسه ، ويسمع التوبيخ الإلهى :

" لأنك تقول إنى أنا غنى وقد استغنيت ولا حاجة لى إلى شىء ، ولست تعلم أنك أنت الشقى والبائس وفقير وأعمى وعريان ، أشير عليك أن تشترى منى ذهبا مصفى بالنار لكى تستغنى ، وثيابا بيضا لكى تلبس فلا يظهر خزى عريتك ، وكحل عينيك بكحل لكى تبصر " رؤ 3 : 17 – 18 .

+ + +
إرميا – الإصحاح الخامس

سر التأديب



إن كان الله قد دعى عروسه لكى تتجمل له بالزينة الداخلية ، ففى عتاب تسأله : " لماذا صنع الرب إلهنا بنا كل هذه ؟ " ع 9 لماذا يستخدم الله كلمته النارية المؤدبة بقسوة ؟

الله كعريس سماوى يتجاوب مع عروسه بروح الحوار المفتوح ، وكأب يوضح لأولاده سر معاملاته معهم حتى لا يسقطوا فى التذمر أو اليأس ، ولا يظنوا أن الأمور تسير اعتباطا ، إنما يليق بهم أن يتفهموا خطة أبيهم حتى يثقوا فيه ويرجعوا إليه .



( 1 ) لم يجد بينهم بارا واحدا
إن كان الله هو الذى يتساءل أو نبيه إرميا عن إمكانية وجود شخص واحد يعمل بالعدل ، فإن الأمر حقا محزن للغاية .

" طوفوا فى شوارع أورشليم وانظروا واعرفوا وفتشوا فى ساحتها ،

هل تجدون إنسانا أو يوجد عامل بالعدل طالب الحق فأصفح عنها ؟! ع 1

حاول أبونا إبراهيم أن يتشفع من أجل سدوم وعمورة ولم يجد فيها عشرة أبرار تك 18 : 23 ، 24 .

أما هنا فالله يطلب أن يجد فى أورشليم إنسانا واحدا عاملا طالبا الحق لكى يصفح عنها . لم يجد إنسانا بارا بين القادة المدنيين والدينيين ولا بين العامة من الشعب !

كان يوسف الشاب الصغير بارا ، من أجله بارك الرب بيت فوطيفار ، ومن أجله أنقذ مصر كلها والبلاد المحيطة بها من المجاعة .

الله يطلب إنسانا لكى يصفح عن أورشليم . ترى من هو هذا إلا ابن الإنسان ، الله الكلمة ، الذى صار بالحق إنسانا لكى بدمه يكفر عن خطايا العالم كله ؟! " إن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار ، هو كفارة لخطايانا ، ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضا " 1 يو 2 : 1 ، 2 .

( 2 ) لم يقبلوا التأديب الأولى

إن كانوا يعبدون الله الحى ويحلفون به ، لكن عبادتهم غير مقبولة ، ولا تبررهم .

أولا : لأنهم إذا ما حلفوا بالله الحى ، يحلفون بالكذب ( ع 2 ) .

ثانيا : كانوا غير مستقيمين ، يحلفون بالله الحى كما يحلفون بالآلهة الوثنية ، إذ يقول فى نفس الإصحاح : " كيف أصفح لك عن هذه ؟! بنوك تركونى بما ليس آلهة " ع 7 .

مما أحزن قلب الله أن الجميع – الفقراء والعظماء – قد أبوا قبول التأديب الإلهى ، وعوض الرجوع إلى الله ازدادوا قساوة ، فصارت وجوههم أكثر صلابة من الصخر .

" يا رب أليست عيناك على الحق ( الأمانة ) ؟

ضربتهم فلم يتوجعوا.

افنيتهم وابوا قبول التأديب.

صلّبوا وجوههم اكثر من الصخر.

ابوا الرجوع " ع 3 .

قبل أن يتحدث عن التأديب يؤكد النبى أن الله فى تأديباته كما فى لطفه يتطلع إلى الأمانة . يريد " الإيمان " الحى عاملا فينا ، لنكون أمناء حقيقيين ، فننعم بالحق .

بائسون هم الذين لا يتألمون من سياط الله ، ومطوبون هم الذين يتألمون منها .

من جهة رفض التأديبات الإلهية التى تعين النفس على تجميلها روحيا يرى النبى وجود فريقين :

1 – فريق دعاه " المساكين " ، هؤلاء ليسوا مساكين بالروح ، أى ليسوا متواضعين فينالوا ملكوت الله ( مت 5 : 3 ) ، إنما هم مساكين بسبب الجهل الروحى ، لا يدركون ما وراء التأديبات الإلهية من عمل إلهى ، يتذمرون على الضيق ولا يتوبون . هم هؤلاء يقول إرميا النبى : " إنما هم مساكين ، قد جهلوا لأنهم لم يعرفوا طريق الرب قضاء إلههم " ع 4 .

2 – فريق آخر دعاه " العظماء " : إذ شعر بمرارة من جهة غير المتعلمين روحيا انطلق إلى أصحاب المعرفة ، أى القيادات الدينية ، ليتحدث معهم ، فوجد الكبرياء عائقا عن قبولهم تأديبات الرب . وكأن المساكين يرفضون التأديب عن جهالة ، والعظماء عن كبرياء ..

" أنطلق الى العظماء واكلمهم لانهم عرفوا طريق الرب قضاء الههم.اما هم فقد كسروا النير جميعا وقطعوا الربط " ع 5

إذ رفضوا تأديبات الرب ، وأبوا الرجوع إليه سقطوا فريسة لعدو الخير ، الذى يشبه أسد الوعر ، وذئب المساء ، والنمر الكامن حول مدنهم ، قائلا :

" من اجل ذلك يضربهم الاسد من الوعر.

ذئب المساء يهلكهم.

يكمن النمر حول مدنهم.

كل من خرج منها يفترس ، لان ذنوبهم كثرت ، تعاظمت معاصيهم " ع 6 .

إذ ازداد الجهلاء والمثقفون فى عنادهم ومقاومتهم لإرادة الله لم يبق أمامهم إلا الهلاك الأكيد الذى لا مفر منه ، وذلك بواسطة :

الأسد : يستخدم الأسد كرمز لرعاية الله وحراسته لأولاده ( رؤ 5 : 5 ) ، كما يستخدم لغضبه ( إر 25 : 30 ) . استخدم أيضا كرمز لأبليس المفترس ( 1 بط 5 : 8 ) ، وللأنبياء الكذبة المهلكين ( حز 22 : 5 ) وللملك الغاضب ( أم 25 : 30 ) .

هنا : يضرب الأسد من الوعر ، يهلك بلا رحمة ، قادما من البرية !

الذئب : إشارة إلى حلول الهلاك ليلا وهم فى غير يقظة روحية .

النمر : المعروف عنه بالصبر لأصطياد فريسته ، إشارة إلى غفلة الخطاة ممن يحيطون بهم من أعداء وهم منغمسون فى خطاياهم .



( 3 ) أساءوا استخدام عطاياه

كشف لهم عن سبب تأديباته لهم ، إنه يعاتبهم :

" كيف اصفح لك عن هذه ؟!

بنوك تركوني وحلفوا بما ليست آلهة.ولما اشبعتهم زنوا وفي بيت زانية تزاحموا. صاروا حصنا معلوفة سائبة.

صهلوا كل واحد على امرأة صاحبه.

أما اعاقب على هذا يقول الرب ؟!

او ما تنتقم نفسي من امة كهذه ؟! ع 7 – 9

يرى العلامة أوريجينوس أن الإنسان إذ تسيطر عليه الشهوات يصير كالحيوانات العجموات ، يفقد روح التمييز ، بل وأحيانا يصير فى حالة أدنى منهم ، لأنه عندما تحبل أنثى الحيوانات تعرفن ألا تقتربن من الذكور .

ما أرهب هذا الإتهام ؟! هوذا الشعب الذى كان يجب أن يشهد لقداسة الله ويكون بركة لغيره من الشعوب قد صار فاسدا ، يشبع بخيرات الله فيزنى علانية ، محتقرا الوصية الإلهية ، ومتجاهلا حق أخيه ، إذ يشتهى إمرأة أخيه ! أما يستحق هذا الشعب العقاب ؟!



( 4 ) قبلوا كلمات المخادعين
يعتبر الله قبولهم كلمات المخادعين وعدم تصديقهم إنذاراته على ألسنة الأنبياء الحقيقيين خيانة للرب نفسه ، تستحق التأديب كنار مطهرة ، لكنها ليست للفناء ، لذا يكرر تعبير " لا تفنوها " ع 10 و " لا أفنيكم " ع 18 .

يوجه الله كلامه للعدو المقبل ، معلنا أنه وإن سمح له بالتدمير والتخريب ، لكنه لن يسمح له بالفناء : " اصعدوا على أسوارها واخربوا ولكن لا تفنوها " ع 10 .

لقد تم تأديبهم ولم يأت عليهم الفناء إلا عند مجىء السيد المسيح " ..... هوذا بيتكم يترك لكم خرابا " لو 21 : 20 .

الله يتطلع إلى الكنيسة بكونها كرمه الخاص ، يسمح بالتأديب لكن ليس بالأبادة :

" انزعوا افنانها لانها ليست للرب.

لانه خيانة خانني بيت اسرائيل وبيت يهوذا يقول الرب.

جحدوا الرب وقالوا ليس هو ،

ولا يأتي علينا شر ولا نرى سيفا ولا جوعا " ع 10 – 12 .

لقد أنكروا الرب أو جحدوه بعدم تصديقهم تهديداته على لسان أنبيائه ... إنهم يقولون : " ليس هو " ، لا لأنهم ملحدون ينكرون وجوده ، لكنهم ملحدون بعدم قبولهم كلماته ، وعدم الثقة فى كلمات أنبيائه .

ماذا يفعل الرب بهم إذ قبلوا خداع الأنبياء الكذبة ولم يصدقوه ؟

أولا : إذ ينطق الأنبياء الكذبة بالباطل يصيرون هم باطلا ، كالريح الذى لا يدوم ، يهب فيختفى ... يصيرون خيالا .

" والانبياء يصيرون ريحا ، والكلمة ليست فيهم ، هكذا يصنع بهم " ع 13 . يختفون سريعا ويظهر بطلان كلماتهم لأن كلمة الرب ليست فيهم .

ثانيا : يجعل كلامه نارا فى فم نبيه إرميا ، تحرق الشعب كالحطب فتأكلهم ( ع 14 ) . لو أنهم كانوا ذهبا أو فضة أو حجارة كريمة لصيرتهم النار أكثر بهاء ونقاوة ، لكن لأنهم حطب وعشب وقش تحرقهم !

ثالثا : يسمح بسبيهم بواسطة أمة بعيدة قوية لا يعرفون لسانها ، ولا يفهمون ما تتكلم به ، أمة تتكلم بلغة غريبة ، لغة العنف والقسوة والأستعباد بغير حوار أو تفاهم !

سمات هذه الأمة تكشف عن طبيعة الخطية التى تسبى النفس :

أمة من بعد ( ع 15 ) : حين ترفض النفس وصية إلهها القريب إليها جدا ، وكلمته الساكن فينا ، نخضع للخطية الغريبة عن طبيعتنا والمعادية لنا .

- أمة قوية ، أمة منذ القديم ( ع 15 ) : الخطية خاطئة جدا وقتلاها أقوياء ، تحارب البشرية منذ القدم .

- أمة لا تعرف لسانها ( ع 15 ) : لا يمكن التفاهم معها ، قانونها الظلم والعنف وعدم التفاهم .

- جعبتهم قبر مفتوح ( ع 16 ) : غايتها التدمير والموت .

- كلهم جبابرة ( ع 16 ) : عملها الحرب الدائمة ضد أولاد الله .

- " يأكلون حصادك وخبزك الذى يأكله بنوك وبناتك ، يأكلون غنمك وبقرك ، يأكلون جفنتك وتينك " ع 17 عملها إفساد كل ثمر للنفس ( البنون ) وللجسد ( البنات ) ، تحطيم كل الإمكانيات ليعيش الإنسان فى جوع وحرمان حتى الموت .

- يهلكون بالسيف مدنك الحصينة ( ع 17 ) : يفقد الإنسان الملجأ والحصن ، ليعيش كطريد وهارب فى خوف دائم وقلق مستمر ، فتتحطم نفسه تماما .

هذا كله ثمرة قبول كلمات الأنبياء الكذبة المنادين بالسلام ، والناطقين بالناعمات كذبا وخداعا !

ما حدث مع الشعب قديما يحدث حاليا حيث ننصت إلى روح التهاون والأستهتار ، روح الأنبياء الكذبة ، فنسقط تحت سبى الخطية عوض التجاوب مع تأديبات الله التى تحثنا على التوبة والرجوع إليه .



( 5 ) فقدوا البصيرة الداخلية

إذ قبلوا كلمات الأنبياء الكذبة الناعمة سقطوا تحت التأديب الإلهى ، أى فى السبى ، وعوض أن يكتشفوا خطاياهم ويقدموا توبة صاروا فى عمى روحى يتهمون الله بالعنف والقسوة .

" ويكون حين تقولون : لماذا صنع الرب إلهنا بنا كل هذه ؟

تقول لهم : كما أنكم تركتمونى وعبدتم آلهة غريبة فى أرضكم هكذا تعبدون الغرباء فى أرض ليست لكم " ع 19 .

بعد أن شرح لهم عدالته بدأ يعاتبهم ، قائلا :

" اسمع هذا أيها الشعب الجاهل والعديم الفهم ،

الذين لهم أعين ولا يبصرون ،

لهم آذان ولا يسمعون " ع 21 .

لقد فقدوا البصيرة والقدرة على الأستماع : [ إش 6 : 9 ، مت 13 : 14 – 15 ] ، ليس من جهة تأديبات الرب فحسب وإنما من جهة الكلمة المتجسدة ، المسيا المخلص ، عوض الأرتماء فى أحضانه اتهموه أن به شيطان .

يعاتبهم الله قائلا :

" إياى لا تخشون يقول الرب ؟

أولا ترتعدون من وجهى أنا الذى وضعت الرمل تخوما للبحر ، وتعج أمواجه ولا تتجاوزها ؟ " ع 22 .

لم يضع الشعب لنفسه حدودا ، وعوض الطاعة كالبحار والرمال وكل الطبيعة صار لهم " قلب عاص ومتمرد ، عصوا ، ولم يقولوا بقلوبهم لنخف الرب إلهنا الذى يعطى المطر المبكر والمتأخر فى وقته ، يحفظ لنا أسابيع الحصاد المفروضة " ع 23 ، 24 .



( 6 ) اصطادوا الآخرين
أحد أسباب التأديب أنهم نصبوا الشباك والفخاخ للآخرين لأصطيادهم حتى يغتنوا ويصيروا سمناء ، لكن شرهم لم يجلب عليهم إلا الغضب الإلهى والخسارة .

يلاحظ فى شرهم هذا الآتى :

شرهم ليس ثمرة ضعف بشرى ، أو تحقق بطريقة لا إرادية ، إنما جاء نتيجة خطة منظمة وإصرار مسبق ، إذ يقول : " لأنه وجد فى شعبى أشرار ، يرصدون كمنحن من القانصين ، ينصبون أشراكا يمسكون الناس " ع 26 .

- خططوا لأستعبادهم وتحطيم حرية الناس : " مثل قفص ملآن طيورا هكذا بيوتهم ملآنة مكرا " ع 27 .

- لا يقفون عند ارتكاب الشر وإنما يوجهون كل طاقاتهم لإصطياد الناس بمكر كى يسقطوهم فى الخطية .

" من أجل ذلك عظموا واستغنوا ،

سمنوا ، لمعوا ( أى مملؤون جمالا ) ،

أيضا تجاوزوا فى أمور الشر " ع 27 ، 28 .

ظنوا أنهم صاروا عظماء أصحاب سلطان ، أغنياء لا يعوزهم شىء ، مملؤون صحة ، ولم يدركوا أنهم فى الواقع جمعوا لأنفسهم شرا عظيما

- فقدوا كل رحمة وامتلأوا ظلما وقساوة قلب

" لم يقضوا فى الدعوى ، دعوى اليتيم ،

وقد نجحوا .

وبحق المساكين لم يقضوا " ع 28 .



( 7 ) تجاوبوا مع الرعاة فى الشر
صار الجرح داميا لا علاج له حتى " صار فى الأرض دهش وقشعريرة " ع 30

اشترك الشعب مع القيادات الدينية فى هذا الشر " الأنبياء يتنبأون بالكذب والكهنة تحكم على أيديهم ،

وشعبى هكذا أحب " .

أحب الشعب الكذب والفساد إذ وجد الفرصة للملذات الجسدية والرجاسات جاءت تصرفات القيادات الشريرة متجاوبة مع قلب الشعب الفاسد .

+ + +
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://eng.roniajesus@yahoo.com
بحبك يا مارمينا
خادم المنتدى
avatar

انثى عدد الرسائل : 785
العمر : 29
المزاج : نشكرربناعلي كل حال
اعلام الدول :
المهنة :
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: *** موضوع متكامل لتفسير سفر ارميا كتابيا ***   الجمعة فبراير 12, 2010 11:34 pm

إرميا – الإصحاح السادس

اقتراب التأديب



يختم الله حديثه على لسان نبيه وهو يحدثهم فى الأذن عن اقتراب موعد التأديب النارى . إذ أشاع المخادعون نبوات كاذبة ، قائلين : " سلام سلام " ع 14 . يحذرهم الله من الإستسلام لهذه الكلمات المخادعة ، مؤكدا كذبهم واقتراب موعد التأديب . إنه يقدم وصفا نبويا عن خراب أورشليم الذى تم بعد ذلك فى أيام إرميا نفسه . إنه يعلن أن العدو على الأبواب ، ويحذرهم مرة تلو الأخرى ، مؤكدا أنه لا طريق للهروب إلا التوبة فيتحدث عن :



( 1 ) العدو على الأبواب
وقف إرميا النبى يضرب بوق كلمة الله ، وجرس الخطر معلنا أن العدو على الأبواب ، قائلا : " اهربوا يا بنى بنيامين من وسط أورشليم ،

واضربوا بالبوق فى تقوع ،

وعلى بيت هكاريم ارفعوا علم نار ،

لأن الشر أشرف من الشمال وكسر عظيم " ع 1 .

أ – إن كان الشعب الجاهل قد أصيب بعدم الفهم ، وظنوا أنهم عظماء وأغنياء وأصحاء ومملوئين جمالا ( 5 : 27 ، 28 ) ، هوذا الآن يفقدون سلامهم وحريتهم .

فى الإصحاح الرابع يطلب منهم أن يهربوا من القرى إلى أورشليم ليحتموا فيها ، لكن إذ اقترب الخطر جدا لم تعد أسوار أورشليم قادرة على حمايتهم ، لهذا يسألهم أن يهربوا من أورشليم ليختفوا فى كهوف الجبال .

ربما وجه الحديث إلى بنى بنيامين لأنهم كانوا أقل فسادا من الباقين ، وقد وفدوا إلى أورشليم من القرى مؤخرا ، فلم يوغلوا فى الفساد كما أوغل أهل المدينة الأصليون .

ب – إنهم يسقطون تحت تأديب نارى ، إذ يقول " ارفعوا علم نار " ، علم " كلمة الله " النارى التى تحرق الأشواك بينما تنقى الذهب والفضة من الشوائب .

جـ - يتحقق هذا التأديب النارى بخطة إلهية محكمة وليس محض صدفة كما يظن البعض ، إذ يقول : " قدسوا عليها حربا " ع 4 . وكأن هجوم البابليين على أورشليم هى " حرب مقدسة " فى عينى الرب ، لا لينتصر شعبه على أعدائهم ، بل ليسقطوا تحت التأديب لعلهم يتقدسون ، بعد أن كانوا متمسكين بالشر .

د – بقوله : " إليها تأتى الرعاة وقطعانهم ينصبون عندها خياما حواليها يرعون كل واحد فى مكانه " ع 3 .

يقصد أن أورشليم العظيمة تتحول إلى مرعى غنم ، حيث تأتى البلاد المحيطة بها والشامتة بغنمها ، فتجدها خرابا بلا بيوت ، ينصبون فيها خيامهم كما فى برية قفر ، ويرعون كل واحد غنمه فى طمأنينة وشماتة ! .

هـ - تأديب علنى ومستمر ، يتحقق فى وسط النهار ويستمر حتى الليل :

" قوموا فنصعد فى الظهيرة ،

ويل لنا لأن النهار مال ،

لأن ظلال المساء امتدت ،

قوموا فنصعد فى الليل ونهدم قصورها " ع 5 .

لقد هجم العدو بالظهيرة ، لم يحتملوا أن يهدأوا بالليل بل قاموا بهدم القصور والحصون ليصيروا فى مأمن من العودة إلى حرب جديدة فى النهار القادم .

يقول : " ويل لنا لأن النهار مال " ، إن ما حل بنا من تأديبات إنما هو لرفضنا شمس البر فمال بنا النهار لنعيش تحت ظلال الخطية وظلمتها .



( 2 ) شر أورشليم هو السبب

وراء كل هذا شر أورشليم التى إن أصرت عليه يجفوها الله ويجعل أرضها خربة غير مسكونة ( ع 8 ) ، كقول السيد المسيح : " ستأتى أيام ويحيط بك أعداؤك بمترسة ويحدقون بك ويحاصرونك من كل جهة ويهدمونك وبنيك فيك ، ولا يتركون فيك حجرا على حجر لأنك لم تعرفى زمان افتقادك " لو 19 : 41 .

يبدو كأن الله يشارك الأعداء فى استعدادهم للهجوم على أورشليم ، إذ قيل :

" لأنه هكذا قال رب الجنود .

أقطعوا أشجارا ،

أقيموا حول أورشليم مترسة هى المدينة المعاقبة .

كلها ظلم فى وسطها " ع 6 .

يصف الله شر أورشليم ، قائلا :

" كما تنبع العين مياهها هكذا تنبع هى شرها .

ظلم وخطف يسمع فيها .

أمامى دائما مرض وضرب " ع 7 .

شرها كالعين الذى يفجر الماء بلا توقف ، هكذا لا تعرف أورشليم لشرها نهاية ... إنها مصدر شر مستمر . تقدم العين ماء متجددا بغير توقف ، ويصدر عن أورشليم شرورا جديدة واختراعات فى الفساد .

" تأدبى يا أورشليم لئلا تجفوك نفسى ،

لئلا أجعلك أرضا غير مسكونة " ع 8 .

يعلق العلامة أوريجينوس قائلا :

[ عندما يريد أن يكون رحيما يقول إنه غير راض وفى غضب ...

إن فهمت هذه الكلمات ، فإنها صوت الله الرؤوف عندما يغضب ، والغيور عندما يجلب آلاما وضربات ، فإنه " يجلد كل إبن يقبله " عب 12 : 6 ] .



( 3 ) أذنهم غلفاء
" هكذا قال رب الجنود :

تعليلا يعللون كجفنة بقية إسرائيل .

رد يدك كقاطف إلى السلال " ع 9 .

إن كان شعبه يشبه كرمة ، فإن العدو إذ قطف عنبها عاد إليها مرة ومرات لكى يعللها تعليلا ، أى يفتش فيها لعله يجد ما قد تبقى ، حتى يتركها عقيمة تماما ! لا يترك فيها بقية ما !

لقد اتسخت آذان الكل بالخطية فصارت غلفاء ، ليس من يقدر أن يسمع صوت الرب أو يستجيب لوصيته .

" ها إن أذنهم غلفاء فلا يقدرون أن يصغوا .

ها إن كلمة الرب صارت لهم عارا .

لا يسرون بها " ع 10 .

يوبخ العلامة أوريجينوس اليهودى الحرفى الذى يرفض التفسير الرمزى للكتاب المقدس قائلا :

[ خطأ عظيم موجه إليكم .

يقدم إليكم اتهامكم : أنتم غلف فى آذانكم ،

ولماذا عندما تسمعون هذا لا تستخدمون الموسى لأذانكم وتقطعونها ؟ ...

أقطعوا آذانكم ، اقطعوا الأعضاء التى خلقها الله لأستخدام الحواس ولزينة الإنسانية ، فإنكم بهذا تفهمون الكتاب المقدس ] .

" وتتحول بيوتهم إلى آخرين ،

الحقول والنساء معا ،

لأنى أمد يدى على سكان الأرض يقول الرب " ع 12 .

ما هو هذا البيت الذى يبنيه ولا يسكن فيه إلا الأستقرار الذى يطلبه للنفس لكنها لا تجد راحة مادامت خارج مسيحها ؟!

وماهى المرأة التى يخطبها فيأخذها آخر إلا الحرمان من المعينة أو الشعور بالوحدة والعزلة ، ليس من يقدر أن يسنده ويشاركه آلامه ومشاعره ؟!

أما كيف نهرب من هذه المرارة ؟ يقول الرب :

" لأنى أمد يدى على سكان الأرض " ع 12 .

لنصر سكان السماء فلا تمتد يد الرب علينا بل إلينا ولحسابنا

إن كان الله يقدم الشفاء من الجراحات بأدوية التوبة ، فإن الأنبياء الكذبة يتظاهرون كأطباء يعالجون الجراحات بالكلمات الكاذبة الناعمة ، قائلين : " سلام سلام " ع 14 . مع أن الواقع : " لا سلام " ع 14 .

يخطئون تشخيص المرض ليخدعوا المرضى ، فعوض الشفاء يصير الجرح خطيرا ، يؤدى إلى الموت والهلاك الأبدى .



( 4 ) تركهم طريق الآباء
" هكذا قال الرب :

قفوا على الطرق وانظروا وأسألوا عن السبل القديمة ،

أين هو الطريق الصالح ،

وسيروا فيه ،

فتجدوا راحة لنفوسكم " ع 16 .

يؤكد ضرورة العودة إلى طريق الآباء ، مقارنين حياتنا بحياتهم لئلا نكون قد انحرفنا عن الطريق الملوكى ، وكما جاء فى سفر النشيد إذ تسأل النفس مسيحها :

" إخبرنى يا من تحبه نفسى أين ترعى ؟ أين تربض عند الظهيرة ؟ " نش 1 : 8 .

فيجيبها : " أخرجى على آثار الغنم وأرعى جداءك عند مساكن الرعاة " .

يقول لهم الرب :

أ – قفوا على الطريق ... أى كرسوا وقتا للتأمل ومراجعة النفس لئلا تكونوا قد انحرفتم عن الطريق الملوكى .

ب - أنظروا ... أى تمتعوا بالبصيرة الداخلية أو استنارة الروح .

ج – أسألوا ... أى لا تعتمدوا على فكركم الذاتى ، بل أطلبوا مشورة الآباء لتدركوا " الطريق الصالح " الذى سارت فيه الكنيسة الأولى ، طريق السيد المسيح الذى يدخل بالكنيسة إلى حضن أبيه .

د - سيروا فيه ... لا تكفى مراجعة النفس ولا استنارة القلب ولا طلب المشورة الروحية ، إنما يلزم أن يتحول ذلك كله إلى حركة حب ، سير مستمر بلا توقف تحت قيادة الروح القدس .

يقول السيد المسيح : " أنا هو الطريق " يو 14 : 6 .

إنه ذاك الذى كتب عنه القديس يوحنا أنه " يحمل خطايا العالم " يو 1 : 29 .

إنه هو أيضا الذى يطهر نفوسنا كما أخبرنا إرميا : " قفوا على الطرق وانظروا وأسألوا ... عن الطريق الصالح ( البار ) وسيروا فتجدوا تطهيرا لنفوسكم " .



( 5 ) تقدماتهم بلا طاعة
إذ لم يصغوا إلى صوته الإلهى ، ولا قبلوا خبرة آبائهم فى معاملات الله معهم استدعى الله الشعوب الوثنية وكل أمم الأرض لتشهد عليهم :

" لذلك أسمعوا يا أيها الشعوب ،

وأعرفى أيتها الجماعة ما هو بينهم .

اسمعى أيتها الأرض :

هأ نذا جالب شرا على هذا الشعب ثمر أفكارهم ،

لأنهم لم يصغوا لكلامى وشريعتى رفضوها " ع 18 ، 19 .

هكذا يستدعى الله الأمم الوثنية لتشهد كيف استحق شعبه المتمرد التأديب النارى كثمر طبيعى لأفكارهم وعصيانهم وكسرهم العهد معه . ربما استدعاء الأمم هنا يشير إلى أن شعبه قد اندفع إلى الشر حتى تبرر الوثنيون متى قورنوا بهم !

" لم يصغوا لكلامى وشريعتى رفضوها .

لماذا يأتى لى اللبان من شبا ؟

وقصب الذريرة من أرض بعيدة ؟!

محرقاتكم غير مقبولة ،

وذبائحكم لا تلذ لى " ع 19 ، 20 .

الله لا يريد اللبان وقصب الذريرة ولا المحرقات والذبائح ، إنما يطلب الطاعة النابعة عن الحب . يبذلون كل الجهد فيأتون باللبان من شبا وقصب الذريرة من أرض بعيدة بينما يتجاهلون نقاوة قلوبهم وقدسية حياتهم الداخلية .

إذ انشغل شعبه بالمظاهر الخارجية من تقديم لبان وقصب ذريرة وذبائح دون نقاوة القلب واستقامة السلوك ، أى لم تعبر الحياة التعبدية الظاهرة عن صدق ما بالداخل لهذا يقول الرب لهم : " هأنذا جاعل لهذا الشعب معثرات ، فيعثر بها الآباء والأبناء معا ، الجار وصاحبه يبيدان " ع 21 .

ما هى هذه العثرات التى يقدمها الله إلا من عمل أيديهم " وثمر أفكارهم " ع 19 ؟!

( 6 ) إصرارهم على الشر
يكشف الله عن حبه الشديد لهم مع مرارة نفسه لأجلهم ، إذ يدعوهم " ابنتى – شعبى " قائلا :

" يا إبنة شعبى تنطقى بمسح وتمرغى فى الرماد ،

نوح وحيد أصنعى لنفسك مناحة مرة ،

لأن المخرب يأتى علينا بغتة " ع 26 .

ما أصعب على اإنسان أن يجد ابنته قد فقدت وحيدها ، هكذا يرى الله شعبه الإبنة المحبوبة لديه قد فقدت وحيدها فجأة الذى هو حياتها ، فصارت ثكلى تنوح بلا انقطاع .

حقا يحزن مسيحنا على المؤمن الذى بسبب الخطية يفقد خلاص نفسه ، وحيدته التى قال عنها السيد المسيح :

" ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه ؟! مت 16 : 26 .

يختتم الإصحاح بتقييم لشخص النبى إرميا وأمانته فى تقديم الرسالة الإلهية ، مع إصرار الشعب على العصيان ، فصاروا رصاصا يفنى بالنار وفضة مرفوضة . لقد رفضوا كلمة الله الفضة الممحصة بالنار وقبلوا خداعات الأنبياء الكذبة ، الفضة المغشوشة ، فصاروا هم أنفسهم فضة مرفوضة .

فى قوله : " احترق المنفاخ من النار ، فنى الرصاص " ع 29 . يشبه إرميا بمن يمتحن المعادن بالنار ، والتأديب بالمنفاخ الذى يلهب النار ، والشعب بالرصاص . فقد بذل النبى كل الجهد مستخدما كلمات الله للتأديب بطريقة نارية ، فأشتدت النار جدا حتى أحترق المنفاخ ، لكن للأسف لم يكن الشعب ذهبا أو فضة حقيقية بل كان رصاصا يفنى !

+ + +
إرميا – الإصحاح السابع

تقديس البيت الداخلى

إذ جاء الشعب مع القيادات الدينية إلى بيت الرب بأجسادهم دون قلوبهم ، يترنمون بتسابيح للرب بينما انحرفت حياتهم لحساب النجاسات الوثنية ، بدأ الرب يعلن لهم عن الحاجة إلى تقديس القلب الداخلى بكونه هيكل الرب ، الذى لأجله أقيم هيكل أورشليم . لذا كشف الرب عن شكلياتهم فى العبادة والتى تتلخص فى الآتى :



( 1 ) تسابيح بلا عمل
" الكلمة التي صارت الى ارميا من قبل الرب قائلا :

قف في باب بيت الرب وناد هناك بهذه الكلمة وقل :

اسمعوا كلمة الرب يا جميع يهوذا الداخلين في هذه الابواب لتسجدوا للرب.

هكذا قال رب الجنود اله اسرائيل ،

اصلحوا طرقكم واعمالكم فاسكنكم في هذا الموضع " ع 1 ، 2 .

كان القديس إرميا فى موقف لا يحسد عليه ، فقد جاءته الدعوة من قبل الرب أن يقف فى باب بيت الرب ليحدث الجماهير التى جاءت لتمارس طقوس العبادة دون روحها ، والتى لا تريد أن تسمع كلمة توبيخ أو نقد . كان من بين هذه الجماهير دون شك كهنة عناثوث الذين يحمل أغلبهم ذكريات الطفولة والصبوة مع إرميا ، وهم يدركون جرأته وإمكانية إثارة الشعب ضدهم لمخالفتهم الشريعة .

كانت الجماهير متهللة لحركة إصلاح الهيكل الذى لم تمتد إليه يد منذ أكثر من 250 عاما . فى وسط هذه البهجة الجماهيرية وقف إرميا ، يكاد يكون وحده ، يهاجم الإصلاح الخارجى غير المتكىء على تغيير القلب والسلوك الروحى الحى . كان إرميا فى نظرهم الرجل الناقد اللاذع ، الذى يحول البهجة إلى غم ، وعوض مدح القائمين بالعمل يهاجم الكل .

بدأ الإصلاح الداخلى بالدعوة إلى تحويل التسبيح من كلمات منطوق بها إلى حياة معاشة وسلوك ... حياة مفرحة متهللة فى الداخل مع استعذاب للوصية الإلهية .

يقول : " لا تتكلوا على كلام الكذب قائلين :

هيكل الرب ،

هيكل الرب ،

هيكل الرب هو " ع 4 .

لعل هذه العبارة كانت قرارا يتغنى به كل القادمين إلى العيد ، حاسبين أن دخولهم الهيكل سند لهم دون حاجة إلى التوبة والسلوك الروحى المقدس .

إن لم يهتموا بإصلاح الهيكل الداخلى تتحول التسابيح والترانيم حتى فى بيت الرب إلى " كلام كذب " ، لأنهم ينطقون بغير ما يعيشون .

اعتمد الكهنة والأنبياء على قول سليمان " إنما قد بنيت لك بيت سكن مكانا لسكناك إلى الأبد " ( 1 مل 8 : 13 ) ونبوة إشعياء النبى أن صهيون لا تسقط أبدا ( إش 33 : 20 ) كانوا مقتنعين أن إرميا النبى مخدوع تماما ، وكانوا يحرضون الشعب ضده .

هنا يحذرهم النبى :

" لا تتكلوا على كلام الكذب قائلين ،

هيكل الرب هيكل الرب هيكل الرب هو.

لانكم ان اصلحتم اصلاحا طرقكم واعمالكم ،

ان اجريتم عدلا بين الانسان وصاحبه ،

ان لم تظلموا الغريب واليتيم والارملة ،

ولم تسفكوا دما زكيا في هذا الموضع ،

ولم تسيروا وراء آلهة اخرى لاذائكم ،

فاني اسكنكم في هذا الموضع " ع 4 – 7

إن تمسكوا بوجود البيت دون الأهتمام بتقديس حياتهم يفقد البيت مفهومه ، بل ويتحول من بيت تسبيح إلى " مغارة لصوص " ع 11 ، وهو ذات التعبير الذى استخدمه السيد المسيح حين طرد باعة الحمام والصيارفة من الهيكل ( متى 21 : 13 ) .



( 2 ) عبادة بلا قداسة
أوضح النبى أنه لكى ينعم الشعب ببركات بيت الرب يلزمهم أن يصلحوا الطريق الذى يسلكونه ، مجرين العدل بين الإنسان وصاحبه ( ع 5 ) ، وأن يقدموا عمل المحبة خاصة للغريب واليتيم والأرملة ( ع 7 ) ، وألا يسفكوا دم الأبرياء ( ع 6 ) ، وأخيرا ألا يعرجوا بين الفريقين ، قائلا :

" أتسرقون وتقتلون وتزنون وتحلفون كذبا وتبخرون للبعل وتسيرون وراء آلهة اخرى لم تعرفوها ثم تأتون وتقفون امامي في هذا البيت الذي دعي باسمي عليه وتقولون قد انقذنا ؟! ع 8 – 10 .

هيكل الرب هو القصر الملوكى ، مركز ملكوت الله الذى هو ملجأ للأرامل والأيتام والغرباء ، سخى بالنسبة لكل نفس محتاجة ومرزولة . فإن مارس الشعب العنف والقسوة يحسبون خارج الهيكل حتى إن دخلوه بأجسادهم وقدموا عطايا وتقدمات وذبائح !



( 3 ) عدم الأعتبار بشيلوه
بعد أن أوضح لهم إفسادهم لبيت الرب ، مقدما الدلائل التالية :

أ – يسبحون الله بأفواههم 4

ب – حولوا بيته من جماعة مملوءة حبا ورحمة وقداسة إلى جماعة قاسية ظالمة 6

جـ - يظنون أنهم قادرون على خداع الله ، إذ حولوا بيته إلى مغارة لصوص ..

" هل صار هذا البيت الذي دعي باسمي عليه مغارة لصوص في اعينكم.هانذا ايضا قد رأيت يقول الرب " ع 11

عاد ليؤكد لهم أنه وإن كان طويل الأناة لكنه لابد أن يعاقب ، مقدما بذلك ما حدث مع " شيلوه " مثلا .

" لكن اذهبوا الى موضعي الذي في شيلو الذي أسكنت فيه اسمي اولا وانظروا ما صنعت به من اجل شر شعبي اسرائيل " ع 12 .

إنه ليس تهديدا مجردا ، فما حدث مع شيلوه مركز العبادة وموضع الفرح الذى تحول إلى خراب ، سيحدث أيضا مع الهيكل .

شيلوه تقع بحوالى 17 ميلا شمال أورشليم . اختارها الرب مقرا للتابوت وخيمة الإجتماع لمدة حوالى 300عاما ، وفيها قسم يشوع البلاد على الأسباط ( يش 18 : 8 – 10 ) ، وفى عهد القضاة كان الشعب يجتمع سنويا فى شيلوه للعيد .

قرر أولاد عالى الكاهن أخذ التابوت معهم من شيلوه كما هو واضح من ( 1 صم 21 : 1 ) . نقل التابوت إلى أورشليم بعدما أخذه الفلسطينيون فى الحرب ثم أعادوه إلى قرية بعاريم . وكانت شيلوه خربة فى أيام إرميا . ( راجع إرميا 26 : 6 ) .



( 4 ) طلب صلوات الغير بدون توبة
كانت الشفاعة عن الشعب جزءا حيا من عمل الأنبياء والكهنة ، فصموئيل النبى يقول :

" وأما أنا فحاشا لى أن أخطىء إلى الرب فأكف عن الصلاة من أجلكم " 1 صم 12 : 23 .

وفى المصفاة إذ هاج الفلسطينيون عليهم قالوا لصموئيل : " لا تكف عن الصراخ من أجلنا إلى الرب إلهنا فيخلصنا من يد الفلسطينيين " 1 صم 7 : 8 .

وأيضا موسى كان يتشفع فى شعبه حتى قال الرب له : " أتركنى ليحمى غضبى عليهم وأفنيهم ، فأصيرك شعبا عظيما " خر 32 : 10 .

صلوات القديسين تسند النفس المجاهدة الراغبة فى التوبة ، أما إذا أصرت على عنادها فلا نفع لها ، إذ يقول الرب لإرميا النبى : " وأنت لا تصل لأجل هذا الشعب ولا ترفع لأجلهم دعاء ولا صلاة ولا تلح على لأنى لا أسمعك " إر 7 : 16 ، 11 : 14 .

الله الذى قال :

" أحامى عن هذه المدينة لأخلصها من أجل نفسى ومن أجل داود عبدى " 2 مل 19 : 34 فى أيام حزقيا الملك البار ، لم ينطق بهذا فى أيام الشر المتكاثر حين أسلم المدينة لنبوخذ نصر .

تظهر شكلية العبادة فى الأعتماد على صلوات القديسين المنتقلين والمجاهدين دون رغبة فى التوبة والندامة :" وانت فلا تصل لاجل هذا الشعب ولا ترفع لاجلهم دعاء ولا صلاة ولا تلحّ عليّ لاني لا اسمعك " ع 16 ( إرميا 11 : 14 ) .



( 5 ) تقدمات وذبائح لله والأوثان
يبدو أن إرميا النبى قد تأثر جدا عندما طالبه الله : " لا تصل لأجل هذا الشعب ..... " ع 16 . فتساءل : " لماذا يارب ؟ " وجاءت الإجابة صريحة وواضحة :

" أما ترى ماذا يعملون في مدن يهوذا وفي شوارع اورشليم ؟

الابناء يلتقطون حطبا ،

والآباء يوقدون النار .

والنساء يعجنّ العجين ليصنعن كعكا لملكة السموات ولسكب سكائب لآلهة اخرى لكي يغيظوني " ع 17 ، 18 .

هذه الصورة التى أوضحها الله على فم إرميا النبى لا تزال قائمة فى عائلات كثيرة حيث يدفع الآباء والأمهات أولادهم وبناتهم إلى البعد عن حياة الشركة مع الله فى المسيح يسوع ربنا ، بل أحيانا يلزموهم بالسلوك غيراللائق تحت حجة الخوف على أولادهم من الرغبة فى التكريس الكامل لخدمة الله وعبادته فى أية صورة من الصور .

هكذا تحولت العائلات ( الكنائس الصغيرة ) عن هدفها لا للخدمة لله بل لمقاومته .

لكنهم فى الواقع كانوا يقاومون أنفسهم ، إذ يقول :

" أفاياي يغيظون يقول الرب ؟

أليس انفسهم لاجل خزي وجوههم ؟

لذلك هكذا قال السيد الرب ؟

ها غضبي وغيظي ينسكبان على هذا الموضع على الناس وعلى البهائم وعلى شجر الحقل وعلى ثمر الارض فيتقدان ولا ينطفئان " ع 20 .

كانوا يقدمون الذبائح والتقدمات وفى نفس الوقت يتجاوزون كل وصايا الله ويجرون وراء آلهة غريبة ( ع 9 ) ، وكأن الذبيحة فريضة لإرضاء الله دون طلب الله نفسه . لقد فقدت الذبيحة والمحرقة كل معنى روحى فى حياتهم ، لهذا يوبخهم قائلا :

" ضموا محرقاتكم إلى ذبائحكم وكلوا لحما " ع 21 .

لقد فقدت محرقاتكم وذبائحكم طبيعتها كتقدمة للرب وصارت فى نظرى لحما لا آكله ، تأخذوه من قدامى وتأكلوه أنتم فلا حاجة لى به ، أو كما سبق فقال بإشعياء النبى :

" لماذا لى كثرة ذبائحكم ... أتخمت من محرقات كباش مسمنات ، وبدم عجول وخرفان وتيوس ما أسر " إش 1 : 11 .

عرف إرميا النبى والكاهن أن الله أمرهم بتقديم ذبيحة الفصح فى مصر قبيل خروجهم ، كما قدم شرائع خاصة بالذبائح فى الشريعة الموسوية ، بل وأدرك اليهود خلال التقليد الشفوى منذ آدم وما بعده : إبراهيم وإسحق ويعقوب عن ضرورة تقديم ذبائح دموية ، فلماذا يقول هنا :

" لاني لم اكلم آباءكم ولا اوصيتهم يوم اخرجتهم من ارض مصر من جهة محرقة وذبيحة " ؟ ع 22

أوضح ذلك بتكملة الحديث أنهم سلكوا بروح العصيان ولم يسمعوا لأنبيائه وكانوا غير مستعدين للأستماع ، فحسبت وصية تقديم المحرقات والذبائح بلا قيمة ، إذ يقول :

" فلم يسمعوا ولم يميلوا اذنهم بل ساروا في مشورات وعناد قلبهم الشرير واعطوا القفا لا الوجه.

فمن اليوم الذي خرج فيه آباؤكم من ارض مصر الى هذا اليوم ارسلت اليكم كل عبيدي الانبياء مبكرا كل يوم ومرسلا ،

فلم يسمعوا لي ،

ولم يميلوا اذنهم بل صلّبوا رقابهم.

اساءوا اكثر من آبائهم.

فتكلمهم بكل هذه الكلمات ولا يسمعون لك وتدعوهم ولا يجيبونك.

فتقول لهم هذه هي الامة التي لم تسمع لصوت الرب الهها ولم تقبل تأديبا.باد الحق وقطع عن افواههم " ع 24 – 28 .

فى عناد قلبهم وغلف آذانهم أعطوا الله القفا لا الوجه . الإنسان الروحى يتشبه بالشاروبيم المملوء أعينا ، كله وجوه ، وليس فيه قفا ، بمعنى أنه لا يقدر أن يعطى القفا لله أو لأخيه ، أى لا يحمل كراهية خفية أو ظاهرة ضد خالقه ومخلصه ولا ضد إخوته .



( 6 ) مرثاة على رفض الله بيته
" جزى شعرك واطرحيه ،

وارفعى على الهضاب مرثاة ،

لأن الرب قد رفض ورذل جيل رجزه " ع 29 .

يطلب النبى من يهوذا أن تجز شعرها ، كما تفعل النساء قديما فى حالة الحزن الشديد ، فإن كان شعر المرأة هو جمالها وإكليلها ، فإنها إذ تجزه تعلن عن مرارة نفسها ، حيث حرمت من جمالها .

عوض ممارستها للتسبيح للرب كنذيرة له ، ترفع مرثاة ، لأن الرب قد رفض ورذل جيل رجزه ( ع 29 ) ، لأنهم نجسوا بيته إذ :

" وضعوا مكرهاتهم في البيت الذي دعي باسمي لينجسوه " ع 30 .

جاءت كلمة " مكرهات " حوالى 28 مرة فى العهد القديم ، غالبا ما تشير إلى عبادة التماثيل ، أو كل ما يمس العبادات الوثنية من رجاسات مثل إرتكاب الزنا كنوع من العبادة .

ومن ناحية أخرى بنوا مرتفعات توفة فى وادى هنوم ( جهنم ) جنوب أورشليم . كانت النيران فيها لا تنقطع ، حيث يلقى الناس البقايا والعوادم . فى هذه المرتفعات كانت تقدم ذبائح بشرية ( 2 مل 23 : 10 ) :

" وبنو مرتفعات توفة التي في وادي ابن هنوم ليحرقوا بنيهم وبناتهم بالنار الذي لم آمر به ولا صعد على قلبي

لذلك ها هي ايام تأتي يقول الرب ولا يسمى بعد توفة ولا وادي ابن هنوم بل وادي القتل ويدفنون في توفة حتى لا يكون موضع " ع 31 – 32 .



( 7 ) مرثاة على رفض الله شعبه

إن كان الإنسان يرتكب الخطية من أجل لذات الجسد والبهجة الزمنية ، فإن الله فى محبته يسمح له أن يحرم من هذه الأمور ليدرك أن الخطية مرة ومحطمة للنفس والجسد . وقد عبر عن ذلك بقوله :

" وتصير جثث هذا الشعب أكلا لطيور السماء ولوحوش الارض ولا مزعج.

وابطّل من مدن يهوذا ومن شوارع اورشليم صوت الطرب وصوت الفرح

صوت العريس وصوت العروس ،

لان الارض تصير خرابا " ع 33 ، 34 .

ما هى هذه الأرض الخربة إلا جسد الإنسان الذى تحرمه الخطية من التمتع بسكنى العريس السماوى فيه والأتحاد معه ، واقتناء ملكوته الداخلى المفرح ، والشركة مع القديسين والسمائيين ؟! .

+ + +

إرميا – الإصحاح الثامن

شكلية فى حفظ الشريعة



إذ شاهد إرميا النبى الجموع المحتشدة فى أورشليم قادمة لتمارس ليتورجيات التسبيح ولمساهمة فى تكاليف إصلاح الهيكل وتقديم الذبائح ، قادمة فى تشامخ وفرح من أجل الهيكل الذى أصلحوه حديثا ، يلتمسون صلوات الأنبياء والكهنة حزن للغاية ، لأن عبادتهم حملت الشكل دون الروح .

هنا يركز على موضوع " كتاب الشريعة " الذى وجد أثناء اصلاح الهيكل وقدم للملك . تهلل الكل بوجود السفر دون الأهتمام بالأستماع العملى لما ورد فيه . ظنوا أن مجرد حفظ كتاب الشريعة فى الهيكل فيه كل الحماية ، حتى وإن احتفظوا بعبادتهم الوثنية ومارسوا رجاساتها .



( 1 ) الخلط بين كلمة الله والعبادة الوثنية
تلامس إرميا بروح النبوة مع كلمات السيد المسيح : " دعوا الأولاد يأتون إلى ولا تمنعوهم ، لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات " مت 19 : 14 . بينما كان يشاهد الشعب قادما بأطفاله إلى الهيكل ليعودوا بهم إلى " أبن هوم " يقدمون بعضهم للقتل أو الحرق باسم الوثن . لقد اختاروا لأنفسهم ولولادهم المرارة عوض الفرح الحقيقى ، والموت عوض الحياة .

انحرف الكل : الملوك والرؤساء والكهنة والأنبياء الكذبة والشعب وعبدوا الآلهة التى بلا حياة واهبة الموت عوض الله الحى واهب الحياة . وها هو يقدم لهم الله سؤل قلبهم ، إذ يقول :

" في ذلك الزمان يقول الرب

يخرجون عظام ملوك يهوذا وعظام رؤسائه وعظام الكهنة وعظام الانبياء وعظام سكان اورشليم من قبورهم

ويبسطونها للشمس وللقمر ولكل جنود السموات التي احبوها والتي عبدوها والتي ساروا وراءها والتي استشاروها والتي سجدوا لها.

لا تجمع ولا تدفن بل تكون دمنة ( روثا ) على وجه الارض.

ويختار الموت على الحياة

عند كل البقية الباقية من هذه العشيرة الشريرة الباقية في كل الاماكن التي طردتهم اليها يقول رب الجنود " ع 1 – 3 .

تهلل الكل بوجود سفر الشريعة التى يعتزون بها حرفيا بغير روح ، ومع هذا عبدوا الأوثان وساروا وراءها واستشاروها وسجدوا لها . شعروا أنها مشبعة ومفرحة ومرشدة لهم تستحق كل عبادة وسجود !

ما هو ثمر ذلك ؟
أ – الذين عبدوها وهم أحياء تخرج عظامهم بعد الموت لتبسط للشمس والقمر وجند السماء التى تعبدوا لها ، فيصيرون فى عار وخزى حتى بعد موتهم .

هم اختاروا الآلهة الميتة عوض الإله الحى ، لذا يحل بهم الموت ، ويحل بهم العار حتى بعد موتهم .

ب – صارت عظام الكل ملقاة " كدمنة على وجه الأرض " ، أى كالروث أو بقايا الحيوانات ، وهذا لا يحمل فقط معنى الإهانة ، وإنما تدنيس الأرض .

أما من تتقدس عظامه فتقيم أمواتا كما حدث مع أليشع ( 2 مل 13 : 21 ) ، ويتقدس ظله ليشفى المرضى كما حدث مع بطرس الرسول ( أع 5 : 15 ) وتتقدس حتى المناديل والخرق التى على جراحاته لتخرج الشياطين كما حدث مع بولس الرسول .

جـ - إخراج الموتى من القبور وبسطها أمام الكواكب إنما يعنى توبيخا من الله الذى تركوه وهم أحياء ، كأنه يسأل عظامهم إن كانت تقدر أن تتعبد لها ؟! أما مؤمنوه فستقوم عظامهم وتشارك أجسادهم نفوسهم العبادة السماوية الملائكية .



( 2 ) حفظ الشريعة بدون التوبة
بعد أن تحدث عن خطورة الأهتمام بالكتاب المقدس ( الشريعة ) لحفظه فى الهيكل دون الألتصاق بالله وحده يؤكد أيضا خطورة قبوله فى غير توبة أو الرجوع إلى الله ، إذ يقول : " وتقول لهم هكذا قال الرب :

هل يسقطون ولا يقومون ؟

او يرتد احد ولا يرجع ؟

فلماذا ارتد هذا الشعب في اورشليم ارتدادا دائما ؟!

تمسكوا بالمكر ابوا ان يرجعوا " ع 4 ، 5 .

يؤكد إرميا النبى الألتزام بالتوبة كعمل رئيسى فى تمتعنا بالشريعة ، فإننا وإن سقطنا يترقب الله قيامنا ، وإن عاد قبلنا إليه نجده ينتظرنا ليحملنا فيه .

فى رقة عجيبة يؤكد لنا النبى أن الله ينتظرنا دون أن يعاتب على الماضى ، إذ يقول :

" فلماذا ارتد هذا الشعب فى أورشليم ارتدادا دائما ؟! ع 5 . فى دهشة يعاتب : كيف احتمل هذا الشعب كسر الشريعة والتغرب عن الله مصدر حياته على الدوام ؟ ألا يليق به أن يرجع إليه ؟!

لقد فقد الشعب إتزانه ليمارس كل منهم هواه كفرس ثائر فى وسط المعركة دون ضابط له

" صغيت وسمعت.بغير المستقيم يتكلمون.ليس احد يتوب عن شره قائلا ماذا عملت.كل واحد رجع الى مسراه كفرس ثائر في الحرب " ( ع 6 ) .

بل صاروا يناقضون الطبيعة ذاتها .

أكد لهم النبى أنهم أكثر جهالة من الطيور :

" بل اللقلق في السموات يعرف ميعاده ،

واليمامة والسنونة المزقزقة حفظتا وقت مجيئهما.

اما شعبي فلم يعرف قضاء الرب.

كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا ؟!

حقا انه الى الكذب حوّلها قلم الكتبة الكاذب " ع 7 ، 8 .

تعرف الطيور والحيوانات مواعيدها بالغريزة وتحترمها ، وأما شعب الله الذى هو تاج الخليقة الأرضية كلها فلا يعى نداء خالقه ، ولا يدرك " قضاء " الرب ، أى خطته الإلهية نحو شعبه ، بهذا فقدوا روح الحكمة والمعرفة .

هنا أول إشارة للكتبة كفئة خاصة مسئولة عن تفسير الشريعة . يظهر من ( 1 أى 2 : 55 ) أن الكتبة كانوا منظمين على أساس عشائر أو أسر معينة ، وفى ( 2 أى 34 : 13 ) كان لهم دورهم الحيوى فى أيام يوشيا . على أى الأحوال كان لهم نشاطهم فى وقت مبكر عن هذا ، يقومون بكتابة السجلات الرسمية لملوك إسرائيل ويهوذا ، ويمسكون حساباتهم ، كما كان بعضهم ينسخون التوراة ، وكان لهم عملهم التعليمى .

خلال تعاليمهم الخاطئة يحولون الحق الكتابى إلى الكذب ، يهتمون بالتوراة ككتاب دون الأهتمام بالله نفسه .

استلموا الشريعة ، ووجدت بين أيديهم ، لكن طمعهم أعمى عيون قلوبهم ، فصاروا فى ظلمة الجهل التى حلت على كل الطبقات وكل الأعمار : الصغير والكبير ، الكاهن والنبى والشعب .

بجانب عبادتهم للأصنام وكسرهم للوصية يلجأون إلى خداع أنفسهم بنبوات كاذبة .

فعوض التوبة يطلبون من الأنبياء والكهنة سلاما كاذبا وخداعا ، لهذا ظهر أنبياء يتنبأون ليس حسب أمر الله إنما حسبما يرضى أهواء الناس ، وبادت الشريعة عن الكاهن والمشورة عن الشيوخ . هؤلاء يقولون " سلام سلام ولا سلام " ع 11 .

كلمات الأنبياء الكذبة أعطتهم طمأنينة خادعة إلى حين ، فحسبها الكل دواء لجراحاتهم . " ويشفون كسر بنت شعبي على عثم قائلين سلام سلام ولا سلام " ع 11 .

ومن جانب آخر نزعت عنهم روح الحياء والخجل حتى إن إرتكبوا رجاسة .

" هل خزوا لانهم عملوا رجسا ؟

بل لم يخزوا خزيا ولم يعرفوا الخجل.

لذلك يسقطون بين الساقطين في وقت معاقبتهم يعثرون قال الرب " ع 12 .

فى اختصار قبلوا كلمة الله فى حرفها بدون التوبة فصاروا فى جهالة .



( 3 ) حفظ الشريعة بدون ثمر الروح
إذ قبلوا الشريعة الإلهية بدون التمتع بالتوبة صارت كلمة الله بالنسبة لهم عقيمة وبلا ثمر . صاروا أشبه بكرم بلا عنب وشجرة تين بلا ثمر ، فاستحقوا اللعنة واقتلاعهم من حقل الرب :

" نزعا انزعهم يقول الرب.

لا عنب في الجفنة ،

ولا تين في التينة ،

والورق ذبل ،

واعطيهم ما يزول عنهم " ع 13 .

ينتزعها من انتسابها له بكونها كرمته وتينته . فالنفس التى لا تلتصق بإخوتها حول خشبة الصليب كما تجتمع حبات العنب معا ، والتى ترفض أن تلتقى معهم حول غلاف الوحدة العذب كما يحدث لبذار التين الرفيع ، تفقد انتسابها للكرمة أو التينة ، ولا تحسب عضوا فى كنيسة المسيح ، ولا تتمتع بخلاصه .

يصف النبى كيف انتزع الله كرمه ، أو كيف سلم شعبه للسبى هكذا :

أ – باطلا حاول شعب يهوذا أن يحمى نفسه من العدو ، إذ يقولون :

" لماذا نحن جلوس ؟

اجتمعوا فلندخل الى المدن الحصينة ونصمت هناك.

لان الرب الهنا قد اصمتنا " ع 14 .

أدركوا أن الخطر قد حل بهم فقرروا الدخول إلى المدن الحصينة ، لا ليستعدوا للمقاومة ، بل فى خيبة يصمتون أمام هذا الحدث الرهيب الذى سمح به الرب لهم لتأديبهم ، ينتظرون لحظات الموت وهم فى رعب . تتحول مدنهم الحصينة إلى مقابر جماعية !

ب – قدم الله لهم الكأس التى ملأوها لأنفسهم ، كأس سم الخطية المر والمميت :

" وأسقانا ماء العلقم لأننا قد أخطأنا إلى الرب " ع 14 .

ولعله قصد بذلك الماء الذى يقدم للزوجة الخائنة لأمتحان أمانتها لرجلها ( عد 5 : 11 – 31 ) ، فإن ثبتت خيانتها تقتل .

جـ - فقدوا السلام الذى وعدهم به الأنبياء الكذبة : " انتظرنا السلام ولم يكن خير " ع 15 . تأكدوا أن الرجاء الذى قدم لهم كان كالسراب المخادع .

د – فقدوا تسكين الجراحات الذى قدمه الكذبة لهم كشفاء ، وحل عوض راحة الضمير رعب وخوف ،" وزمان الشفاء وإذا رعب " ع 15 .

هـ - جاء العدو بعنف شديد حتى سمعت حمحمة خيله فى أورشليم عندما دخل العدو فى دان ، وهى الحدود الشمالية للبلاد التى دخل منها العدو ( حاليا منطقة الجولان ) ، وعند صوت صهيله ارتجفت كل الأرض ( ع 15 ) ، [لأن العدو ضخم للغاية .

و – جاء عدوهم ليأكل ويلتهم مفترسا كل من يلتقى به : " فأتوا وأكلوا الأرض وملأها ، المدينة والساكنين فيها " ع 16 .

ز – ضربة لا علاج لها ، كسم الحيات التى لا ترقى . " لأنى هأنذا مرسل عليكم حيات أفاعى لا ترقى فتلدغكم يقول الرب " ع 17 .

فى القديم صنع موسى حية من النحاس حتى من لدغته الحية ونظر إلى الحية النحاسية يشفى ، أما وقد أصر الشعب على المقاومة ففى هذا التأديب أرسل حيات أفاعى لا ترقى



( 4 ) الحاجة إلى المسيح الكلمة
أدرك النبى إرميا ما وصل إليه الشعب فى علاقتهم بالشريعة ، انهم يحفظونها دون توقف عن العبادة الوثنية ، فيخلطون الحق بالباطل [ 1 - 3 ] ، يقرأونها دون تقديم توبة واشتياق نحو الرجوع إلى الله [ 4 – 12 ] ، يعتزون بها دون أن يحملوا ثمر الروح [ 13 – 17 ] فامتلأ قلبه مرارة ، وبدأ يتساءل : ما هو الحل ؟ أما من دواء لهذا الشعب ؟ أما من طبيب يهتم بهم ؟

عبر عن مرارة نفسه ، قائلا :

" من مفرج عنى الحزن ؟

قلبى فى سقيم " ع 18 .

حياة الشركة عاشها أولاد الله فى العهدين القديم والجديد ، فيقول إرميا النبى وهو يرى شعبه منسحقا بسبب السبى رغم مقاومة الشعب له :

" من أجل سحق بنت شعبى انسحقت ، حزنت ، أخذتنى دهشة " ع 21 .

سمع النبى بروح الحب صوت شعبه فى أرض السبى يستغيثون وليس من مجيب :

" ألعل الرب ليس في صهيون ؟

او ملكها ليس فيها.لماذا اغاظوني بمنحوتاتهم باباطيل غريبة.

مضى الحصاد انتهى الصيف ونحن لم نخلص.

من اجل سحق بنت شعبي انسحقت.حزنت اخذتني دهشة.

أليس بلسان في جلعاد ؟

أم ليس هناك طبيب ؟

فلماذا لم تعصب بنت شعبي " ع 19 – 22 .

لم يستطع رجال العهد القديم أن يتمتعوا بالإجابة على هذه الأسئلة إلا قلة قليلة خلال الرموز والظلال ، لذا كانوا يصرخون : " مضى الحصاد ، انتهى الصيف ، ونحن لم نخلص " ع 20 .

أى رجاء لهم ؟ بعد انتهاء وقت الحصاد .

رجاؤنا نحن فى السيد المسيح القائل : أنا هو البلسان ، أنا هو الطبيب ! .

+ + +
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://eng.roniajesus@yahoo.com
بحبك يا مارمينا
خادم المنتدى
avatar

انثى عدد الرسائل : 785
العمر : 29
المزاج : نشكرربناعلي كل حال
اعلام الدول :
المهنة :
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: *** موضوع متكامل لتفسير سفر ارميا كتابيا ***   الجمعة فبراير 12, 2010 11:35 pm

إرميا - الإصحاح التاسع

مرثاة على الجميع



رأينا فى الإصحاح السابق كيف كاد قلب إرميا النبى أن يتمزق بسبب ما سيحل على شعبه من تأديبات قاسية مع إصرار الشعب على عدم التوبة . وها هو هنا يدعو إلى إقامة مرثاة على شعبه بسبب ما بلغ إليه من شكلية فى عبادته وحرفية فى حفظه للشريعة بلا ثمر روحى :

( 1 ) بكاء النبى الدائم
" يا ليت راسي ماء وعينيّ ينبوع دموع فابكي نهارا وليلا قتلى بنت شعبي " ع 1 .

لم يكن أمام إرميا النبى الذى توجعت أحشاؤه فى داخله ، وكادت جدران قلبه أن تنهار إلا أن يبكى بمرارة ، ويود أن يبقى باكيا بغير توقف حتى يعمل روح الله لتبكيت الشعب واعترافهم بخطاياهم فيعودون إلى الرب .

كان بكاء الرجال علانية أمام الآخرين معيب ، ففى أفضل وضع يحسب علامة عن الضعف . لكن إرميا قبل أن ينسب إليه الضعف من أجل خلاص شعبه .

" يا ليت لي في البرية مبيت مسافرين ،

فاترك شعبي وانطلق من عندهم ،

لانهم جميعا زناة جماعة خائنين " ع 2 .

فى رقة شديدة حمل إرميا النبى أخطاء شعبه فى قلبه وفكره وكل أحاسيسه ، فتفجرت فيه ينابيع دموع لا تتوقف وتنهدات داخلية مرة . كان فى هذا رمزا للسيد المسيح ، العبد المتألم ، الذى حمل أحزاننا ، لكن شتان ما بين إرميا النبى والسيد المسيح .



( 2 ) عدم مبالاتهم بحالهم
إن كان النبى قد كرس حياته للدموع من أجلهم لأنهم كانوا يجرون من شر إلى شر فى خيانة لعريس نفوسهم ، فإنهم من جانبهم لم يبالوا بدموعه ، بل حسبوه إنسانا متشائما يحطم نفسيتهم ، يستحق الطرد ، بل والموت ، وذلك لأنهم لم يدركوا ما هم عليه . ويقدم لنا النبى علتين لعدم مبالاتهم ، هما :

أولا : انشغلوا بالمكر :

" يمدون ألسنتهم كقسيهم للكذب لا للحق ،

قووا في الارض.

لانهم خرجوا من شر الى شر واياي لم يعرفوا يقول الرب " ع 3 .

إذ تحولت ألسنتهم إلى أداة للحرب ، لا لحساب الحق بل للكذب ، ظنوا أنهم أقوياء ، فانطلقوا فى الخبث من شر إلى شر ، ودخلوا فى دوامة الخطية ، ولم يجدوا فرصة للوقوف إلى حين ومراجعة النفس .

يكمل النبى حديثه عن خطورة المكر :

" احترزوا كل واحد من صاحبه ،

وعلى كل اخ لا تتكلوا لان كل اخ يعقب عقبا وكل صاحب يسعى في الوشاية .

ويختل الانسان صاحبه ولا يتكلمون بالحق.

علّموا السنتهم التكلم بالكذب وتعبوا في الافتراء " ع 4 ، 5 .

يدهش إرميا النبى من الإنسان الذى فى شره يرفض الصداقة مع الحق ، هذه التى تقدم له الراحة بلا تعب داخلى ، بينما يبذل كل الجهد ليتعلم الأفتراء . وكما يقول الأب غريغوريوس ( الكبير ) : [ إنهم يتعبون لكى يخطئوا . وبينما يرفضون أن يعيشوا بالبساطة ، إذا بهم يطلبون بالأتعاب أن يموتوا ] .

إنهم يرفضوا السكنى فى الله والوجود فى أحضانه ، ليستقروا فى قلب إبليس الكذاب والمخادع ، بهذا فقدوا معرفة الرب ، إذ قيل :

" مسكنك في وسط المكر.

بالمكر ابوا ان يعرفوني يقول الرب " ع 6

ماذا يعنى فقدانهم معرفة الرب ؟

عدم إدراكهم أن الله محب حتى فى تأديباته ، أما الأشرار فمبغضون حتى فى قبلاتهم .

" لذلك هكذا قال رب الجنود :

هانذا انقيهم وامتحنهم.

لاني ماذا أعمل من أجل بنت شعبى ؟

لسانهم سهم قتال يتكلم بالغش .

بفمه يكلم صاحبه بسلام ،

وفى قلبه يضع له كمينا " ع 7 ، 8 .

+ تحتمل جراحات الأعداء بأكثر سهولة من مداهنة الساخرين المملوءة مكرا .. فقدوا معرفتهم للرب بلسانهم الغاش ، الذى يكلم صاحبه بالسلام وهو يخطط له فى قلبه لهلاكه ، الأمر الذى تجسم بصورة بشعة فى يهوذا الذى كان تلميذا للرب ، وملتصقا به حسب الجسد ، لكنه لم يعرفه كرب ومخلص ، فأسلمه بقبلة غاشة .

+ لم يكن أحد مجرما فى حق واهب الحياة أكثر قسوة من ذاك الذى تقدم باحترام مملوء خداعا وتكريما فاسدا مقدما قبلة حب غاشة ، هذا الذى قال له الرب : " يا يهوذا أبقبلة تسلم ابن الإنسان ؟! لو 22 : 48 ... الأب يوسف



ثانيا : صاروا فى فراغ :

" على الجبال ارفع بكاء ومرثاة ،

على مراعي البرية ندبا ،

لانها احترقت ،

فلا انسان عابر ،

ولا يسمع صوت الماشية.من طير السموات الى البهائم هربت مضت.

واجعل اورشليم رجما ومأوى بنات آوى ،

ومدن يهوذا اجعلها خرابا بلا ساكن " ع 10 ، 11 .

السبب الثانى لعدم مبالاتهم بحالهم هو الدخول إلى حالة فراغ داخلى . فالنفس لا تشبع من الله خالقها ، وتحمله كسماء وعرش له . تفقد تقديرها لخلاصها ، ولا تدرك حقيقة مركزها ، فتعيش كمرعى احترق ، يصير خرابا لا يعبره إنسان ولا يسمع فيه صوت ماشية ، ولا يهيم فيه طير . إنما يسكنه بنات آوى .

لقد صعد إرميا على الجبال ، أى على شريعة الله ومن هناك تطلع إلى البرية ، فوجد مراعيها قد أحترقت بنيران الشهوات وحل بها الخراب ، فرفع صوته وبكى ، مقدما مرثاته على شعبه الذين دخلوا فى فراغ .

الشرير تتحول أورشليمه إلى رجم ( ع 11 ) ، عوض أن يكون قلبه مدينة الله المقدسة ، يصير أشبه بمكان مهجور دنس ، يشتم فيه رائحة الموت .

عوض أن تكون مرعى للغنم ، أى حظيرة الخراف المقدسة التى تضم شعب الله ، تصير مأوى لبنات آوى ( ع 11 ) ، وهى حيوانات أكبر من الثعلب وأصغر من الذئب ، تتسم بالوحشية مع المكر والخداع .

وتصير مدن يهوذا خرابا ، تحطم مواهب الإنسان وقدراته .



ثالثا : رفضهم الشريعة :

" من هو الانسان الحكيم الذي يفهم هذه ؟

والذي كلمه فم الرب فيخبر بها.

لماذا بادت الارض واحترقت كبرية بلا عابر ؟

فقال الرب : على تركهم شريعتي التي جعلتها امامهم ،

ولم يسمعوا لصوتي ولم يسلكوا بها " ع 12 ، 13 .

من يرفض كلمة الله النارية التى تحرق أشواك الخطية ، وتلهب القلب ، بنيران الحب الإلهى ، وتجعل منه خادما لله بنار سماوية ، تشتعل فيه نيران الشهوات ، فتحوله إلى برية خربة ! .



( 3 ) الدعوة لإقامة مرثاة على صهيون

لا يقف إرميا النبى وحده يرثى هذا الشعب ، وإنما يطلب الله منهم أن يدعو النادبات والحكيمات ليرفعن مرثاة ويذرفن الدموع عليهم :

" هكذا قال رب الجنود :

تأملوا وادعوا النادبات فيأتين ،

وارسلوا الى الحكيمات فيقبلن ،

ويسرعن ويرفعن علينا مرثاة ،

فتذرف اعيننا دموعا وتفيض اجفاننا ماء " ع 17 ، 18 .

يريد الله كل إنسان أن يأتى ويرثى صهيون ويبكى عليها . لعله يقول إن كانت عيوننا قد جفت وقلوبنا قد غلظت فلنلجأ إلى إخوتنا الروحيين ليسندوننا ، نتعلم منهم حياة التوبة ونطلب صلواتهم عنا . إن أمكننا أن ندعو كل الخليقة لكى تسندنا بالصلاة إلى الله الذى يعيننا بفيض نعمته .

يقول القديس يوحنا الذهبى الفم :

+ أيتها التلال نوحى ، أيتها الجبال اندبى !

لندعو كا الخليقة لتشاركنا بالوجدان بسبب خطايانا ... لنلجأ إلى الملك الذى هو من فوق . لندعوه فيعيننا .

فإن كنا لا نطلب عونا من السماء لا تكون لنا تعزية نهائيا فيما نحن قد سقطنا فيه .



" بل اسمعن ايتها النساء كلمة الرب ولتقبل آذانكنّ كلمة فمه ،

وعلّمن بناتكنّ الرثاية والمرأة صاحبتها الندب.

لان الموت طلع الى كوانا ،

دخل قصورنا ،

ليقطع الاطفال من خارج ،

والشبان من الساحات " ع 20 ، 21 .

أما علة الرثاء فهو إدراكنا أن الموت قد دخل إلى أعماقنا من خلال كوى الحواس ، النظر ، السمع ، التذوق ، الشم ، اللمس .... ليحطم قصورنا الداخلية المقامة لملكوت السموات .

يدخل الموت إلى قلوبنا ، يقتل الأطفال الذين يلعبون فى الخارج ، أى يبيد الأشواق المقدسة للشركة مع إلهنا ، أو البدايات الطيبة للحياة الفاضلة فى الرب التى لم تتأصل بعد فينا ، كما يقتل الشبان من الساحات ، أى يهلك حتى الأقوياء الذين كان يلزمهم أن يحاربوا روحيا فى الساحات .



( 4 ) الله واهب الحكمة والمعرفة

لئلا يظن الإنسان أن التوبة هى عمله الذاتى أو أنه بحكمته ومعرفته ينمو روحيا أكد الرب :

" لا يفتخرنّ الحكيم بحكمته ،

ولا يفتخر الجبار بجبروته ،

ولا يفتخر الغني بغناه ،

بل بهذا ليفتخرنّ المفتخر :

بانه يفهم ويعرفني اني انا الرب ،

الصانع رحمة وقضاء وعدلا في الارض " ع 23 ، 24 .

جاء هذا الحديث إجابة على التساؤل الذى وجه ضد كلمات إرميا النبى : ماذا ينقصنا ونحن نقتنى الحكمة والقوة والغنى ؟

هذه التسبحة تمجد حكمة الله وفهمه ومعرفته ، الأمور التى يحسبها غير الروحيين غباوة وجهالة ، متكلين على حكمتهم البشرية وخبرتهم الشخصية ومعرفتهم العقلية البحتة خارج دائرة الإيمان والأعلان الإلهى .



( 5 ) الدينونة بلا محاباة
الله خالق الكل يدين الجميع بغير محاباة ، إذ قيل :

" ها ايام تأتي يقول الرب واعاقب كل مختون واغلف.

مصر ويهوذا وادوم وبني عمون وموآب ،

وكل مقصوصي الشعر مستديرا الساكنين في البرية ،

لان كل الامم غلف وكل بيت اسرائيل غلف القلوب " ع 25 ، 26 .

الخلفية وراء هذا النص هى العقيدة التى فى ذهن اليهود أن ختان الجسد يفصل بين من ينتسب للحق ومن ينتسب للباطل .

الآن الكل بحاجة إلى المخلص .

+ + +

إرميا – الإصحاح العاشر

العودة إلى الله




إن كان فى الإصحاح السابع يتحدث عن تقديس البيت الداخلى ، وفى الثامن عن عدم الإتكال على حفظ الشريعة حرفيا ، وفى التاسع يقيم مرثاة على ما وصلوا إليه ، ففى العاشر يتحدث عن العودة إلى الله .



( 1 ) ترك الوثنية الباطلة
أول وسيلة للعودة إلى الله هو ترك الوثنية الباطلة ( ع 1 ، 2 ) ، رفض ما هو باطل وقبول الإله الحق ( ع 10 ) .

أبرز أن الله فريد ، وعظيم ، ومهوب ، سيد الطبيعة ، ورب التاريخ ، بينما عبادة الأوثان مجرد وهم ، حيث يرتعب عابدوها من ظواهر الكواكب السماوية كما من قطعة خشب من عمل أيديهم ، يقيمونها تمثالا يتعبدون له ، فى حقيقتها أشبه باللعين (خيال المقاتة ) التى يحركها الفلاح أينما أراد ليخيف الطيور ، وهى فى حقيقتها ليست إلا عصا جامدة ، يضع عليها الفلاح ملابس بشرية .

" هكذا قال الرب : لا تتعلموا طريق الامم ،

ومن آيات السموات لا ترتعبوا ،

لان الامم ترتعب منها. ..........

اما الرب الاله فحق ،

هو اله حيّ وملك ابدي.

من سخطه ترتعد الارض ولا تطيق الامم غضبه " ع 1 ، 10 .

جاءت كلمة " تتعلموا " فى العبرية بمعنى " تصيرون تلاميذا " ، وكأن العبادة فى الحقيقة هى تلمذة ، حيث يحمل التلميذ روح معلمه ، فمن يتتلمذ للباطل يحمل روح البطلان ، ومن يتتلمذ للسيد المسيح الحق ، يحمل روحه وحقه فيه .

عبادة الإنسان للأوثان تتمثل الآن فى التعبد للمال أو السلطة أو محبة المجد الباطل أو العلم أو حب الظهور ، متجاهلا احتياجات نفسه إلى التعرف على الله والألتصاق به ، يبحث بطريق أو آخر أن تشبع نفسه ، فيقيم فى هيكل الرب الداخلى آلهة غريبة عاجزة عن أن تشبع حياته وتنطلق بها إلى السموات .

لا وجه للمقارنة بين الله وبين الآلهة الأخرى ، إذ يقول : " ليس مثلك ! " ع 6

أ – " أما الرب الإله فحق " ع 10 ؛ من يلتصق به يصير حقا ولا يدخل إليه الباطل .

ب – " إله حى " ع 10 ؛ كائن نتعامل معه فى علاقة شخصية ، نجد فى الله الآب أبينا الذى يحملنا فى أحضانه ، ويتعامل معنا كبنين له ..

جـ - " ملك أبدى " ع 10 ، علاقتنا بالله ليست على مستوى زمنى مؤقت بل علاقة دائمة إلى الأبد . يملك فينا لا ليسيطر علينا وإنما ليقيمنا ملوكا ، يهبنا شركة سماته فنصير خالدين ونعيش معه فى مجده الملوكى إلى الأبد .

د – " اذا اعطى قولا تكون كثرة مياه في السموات ،

ويصعد السحاب من اقاصي الارض " ع 13 .

قوته ليست استعراضا لسلطانه ، وغنما لخير خليقته ، يهب النفس ( السماء ) والجسد ( الأرض ) كثرة مياة ، أى فيض روحه القدوس ( يو 7 : 37 – 39 ) ، ليحولنا فى مياة المعمودية من القفر إلى فردوس مثمر!

هـ - " صنع بروقا للمطر واخرج الريح من خزائنه " ع 13 .

أى قدم للإنسان كل احتياجاته المنظورة ( البروق والمطر ) وغير المنظورة ( الريح وخزائنه ) !

يبرق فينا فيهبنا روح الأستنارة ، ونكتشف أسرار حب الله وإمكانياته . ويهبنا عطية روحه القدوس كريح تهب حيث تشاء ، ولا نعرف من أين تبدأ ولا إلى أين تنتهى ( يو 3 : 18 ) .

يحدثنا مار يعقوب السروجى عن بروق الإستنارة قائلا :

[ المعمودية هى إبنة النهار ، فتحت أبوابها فهرب الليل الذى دخلت إليه الخليقة كلها !

المعمودية هى الطريق العظيم إلى بيت الملكوت ، يدخل الذى يسير فيه إلى بلد النور ! ] .

و – " من لا يخافك يا ملك الشعوب ؟! لأنه بك يليق " ع 7 .

إن كانت الشعوب قد قاومته وقبلت الأوثان آلهة عوضا عنه ، لكنه يبقى فى حقيقة الأمر " ملك الشعوب " .

هو " ملك العالم كله " ، أرادوا أو لم يريدوا ، نصرخ إليه كملك مفرح ، قائلين : " ليأت ملكوتك ! " ، أما المقاومون فيخشون ملكوته ويرتعبون من سلطانه ! .

ز – " من سخطه ترتعد الأرض ولا تطيق الأمم غضبه " ع 10 .

إن كان الله بالنسبة لمؤمنيه كله عذوبة ، يدخل معهم فى عهد أبوى ، ويقدم إمكانياته لخلاصهم وبنيانهم ، ففى عدله أيضا لا تستطيع الأرض أن تقف أمامه ، ولا تطيق الأمم غضبه !

لا يحتمل الأشرار الألتقاء معه ، لأنه كيف يمكن للظلمة أن تطيق النور ؟! أو للباطل أن يشترك مع الحق ؟!

حـ - الله هو المدافع عن شعبه بكونه " رب الجنود اسمه " ع 17 .

لذا يليق بشعبه كجنود تحت قيادته ألا يخافوا الآلهة الأخرى ، هذه التى " فى وقت عقابها تبيد " ع 15 .

ط – الله واهب القوة والحكمة والفهم لأولاده المقدسين فيه . للعلامة أوريجينوس تعليق جميل على العبارة : " صانع الأرض بقوته ، مؤسس المسكونة بحكمته ، وبفهمه بسط السموات " ع 12 .

يرى أن من بين سمات الله ثلاث : القوة والحكمة والفهم .

يهب القوة لجسدنا الترابى ( الأرض ) .

والحكمة لنفوسنا ( المسكونة التى يقطنها الثالوث القدوس ) .

والفهم لإنساننا الداخلى الذى على صورة آدم الثانى ( السموات ) .

ى – يهب الله نفوسنا أيضا من مياة الروح القدس ، إذ قيل " إذا أعطى قولا تكون كثرة مياة فى السموات " ع 13 ،

كأنه إذ يقيم ملكوته فى داخلنا يجعلنا سمواته التى تفيض بثمر الروح حتى على الآخرين



إن معرفة الله تقدم للنفس حكمة سماوية ، أما عدم التعرف عليه فيجعلها فى بلادة أو غباوة ، لذا يقول :

" بلد كل إنسان معرفته " ع 14 . يكاد كل الأنبياء يشيرون إلى هذه الخطية وهى عدم معرفة الشعب لله ( إش 1 : 3 ، هو 4 : 1 ، 6 ، ميخا 5 : 12 ، عا 3 : 12 ) . يقصد بالمعرفة هنا العلاقة الشخصية القوية والعميقة مع الله عقلانيا ، وعاطفيا ، وسلوكيا .

فى ختام مقارنته بين عبادة الله الحى وعبادة الأوثان يؤكد أن الله لا يغير على مجده كمن هو فى حاجة إلى من يتعبد له أو يمجده ، وإنما لأجلهم هم . فإن كانوا قد خانوه إنما خانوا أنفسهم ، لأنهم يحرمون أنفسهم من الله نصيبهم وأن يكونوا نصيبه ! إنهم فقدوا معرفة الله العملية فى حياتهم ففقدوا معرفتهم لأنفسهم كميراث الرب وجنوده . لهذا يوبخهم :

" ليس كهذه نصيب يعقوب، لانه مصور الجميع واسرائيل قضيب ميراثه، رب الجنود اسمه " ع 16 .



( 2 ) الخروج عن الأرضيات

يصور هذا القسم الهزيمة بواسطة العدو القادم بجيشه من الشمال كما لو حدث زلزال ( اضطراب ع 22 ) اهتزت له الأرض ، ويوضح تأثيره على الشعب ، والمفهوم اللاهوتى لهذه الهزيمة .

الرجوع إلى الله لا يكفى ترك الوثنية ، وإنما يتطلب انتزاع محبة الأرضيات من قلوبهم . الأرتباط بالأرض يحول الإنسان بكليته إلى أرض وتراب .

" اجمعى من الأرض حزمك أيتها الساكنة فى الحصار " ع 17 .

الإنسان الذى قبل بإرادته أن يكون أسيرا لمحبة العالم ، يخرج كما من العالم فى مذلة ، لا يحمل من كل ما اقتناه وتعبد له إلا القلة القليلة أو العدم ليخرج من العالم كأسير فى مذلة وعار !

" لانه هكذا قال الرب : هانذا رام من مقلاع سكان الارض هذه المرة ( فى هذا الوقت عينه ) ،

واضيق عليهم لكي يشعروا " ع 18 .

لقد انتهى وقت الإنذارات المتكررة ، وجاء وقت التأديب ، لهذا يلقى الله بشعبه فى السبى كمن يلقى بحجر من مقلاع ، كأنه بلا قيمة ، ويذهب بلا رجعة !

هذا هو حال كل نفس ترتبط بالأرض لا بخالقها ، يحملها الخالق كما بمقلاع ليلقى بها خارج الأرض التى أوجدها لأجلها ! من يتعبد للأرضيات عوض تقديم الشكر لواهبها يفقد حتى هذه الأرضيات !

تعاتب مملكة يهوذا المنهارة بنيها الذين حطموها وهربوا ، ورعاتها الذين صاروا فى بلادة ، قائلة :

" خيمتي خربت وكل اطنابي قطعت ،

بنيّ خرجوا عني وليسوا،

ليس من يبسط بعد خيمتي ويقيم شققي " ع 20 .

أخشى أن ينطبق علينا قول إرميا النبى ( ع 20 ) ، بعدما نصير فى الرب خيمة مقدسة نعود فنخربها ، ونقطع ربطها ، فيتحول البنون العاملون لحساب الخيمة إلى طاقات للهدم .



( 3 ) قبول تأديبات الرب
" عرفت يا رب انه ليس للانسان طريقه ،

ليس لانسان يمشي ان يهدي خطواته ،

ادبني يا رب ، ولكن بالحق لا بغضبك لئلا تفنيني " ع 23 ، 24 .

كان إرميا النبى مقتنعا بأن الشعب كان يمكنه – إن أراد – أن يصحح خطأه ، لكنه لم يرد ذلك ، فصار خطأه بلا علاج .

يليق بنا أن نؤمن أن ذاك الذى خلق العالم لأجلنا من حقه أن يوجهنا ، ويملك علينا ، لا ليتسلط علينا ، وإنما لكى يشكلنا ، فنحمل صورته ، ونصير على مثاله ، ونتأهل أن نكون أولادا له ، نرث ملكوته ونشترك فى أمجاده الأبدية .

إنه يحزن على الإنسان الذى يرفض أن يقبل الله ميراثا له ، ويقدم حياته نصيبا للرب ، إنما يطلب غير الله نصيبا . إنه يعاتبه ، قائلا : " ليس كهذه نصيب يعقوب ، لأنه مصور الجميع ، وإسرائيل قضيب ميراثه ، رب الجنود اسمه " ع 16 .

كأن الله يؤكد أنه حتى فى تأديباته لا يطلب ما لنفسه بل ما لبنيان شعبه ومجده .

هذا وتستحق كل الأمم غير المؤمنة العقوبة كما تستحق مملكة يهوذا أيضا ذات العقوبة لأنها :



أ – لا تعرف الرب ... عرفت مملكة يهوذا الرب بفكرها لا بحياتها .

ب – لم تدع باسمه ... صارت مملكة يهوذا أيضا تدعو الحجارة والخشب آلهة لها .

جـ - تأكل أولاده ويفنوهم ويخربوهم ، إذ ثارت مملكة يهوذا على رجال الله واضطهدتهم + + +
إرميا – الإصحاح الحادى عشر

العهد المكسور



فى الإصحاحات [ إرميا 11 – 20 ] تحتوى على منطوقات نبوية تكشف عن الرسالة الخاصة بهزيمة الجيش وما يلحق البلاد من دمار . غالبا نطق بها فى أيام الملك يهوياقين ( 605 – 598 ق . م . ) .

فى الإصحاحين 11 ، 12 يوضح الله سر غضبه على خطاياهم ألا وهو نقضهم للعهد معه . فهو يريد أن تكون معاملاته مع شعبه على مستوى الأب مع بنيه ، والعريس مع عروسه المحبوبة لديه ، الساكنة معه فى بيته ( ع 15 ) ، وليس كسيد آمر ناه .

يعتبر هذا الإصحاح مقدمة لهذا القسم ، فيه يعلن أن الله وشعبه قد التزما بعهد ، فيه يقدم الله نفسه إلها لهم ، يحميهم ويغنيهم ، لكن ليس بدون التزام من جانبهم .



( 1 ) كسر العهد الإلهى

إذ قارن فى الإصحاح السابق بين عبادة الله الحى والعبادة الوثنية عاد بذاكرتهم إلى العهد الإلهى الذى قطعه الرب مع شعبه ، حين دخل موسى فى شركة مع الله لمدة أربعين يوما ، وقد التحف بسحابة القداسة السماوية وهو على قمة جبل سيناء .

الآن بعد أن تمت المواعيد الإلهية ، وعاش الشعب فى أرض الموعد زمانا هذه مدته ، صدر عليهم الحكم الإلهى بتأديبهم ، وطردهم من الأرض ليعيشوا تحت السبى فى مذلة وعار ، لأنهم فضلوا عنه عبادة البعل . لقد أعطاهم فرصا كثيرة لعلهم يتوبون فلا يستوجبون السقوط تحت التأديب . أما وقد أصروا على عدم التوبة فحتما يؤدبون ، وإن صرخوا لا يسمع لهم ، لأن صراخهم غير صادر عن شعور بالخطأ ، ولا لطلب التوبة ، وإنما لمجرد إنقاذهم من التأديب . لقد أرضوا ضمائرهم وبطونهم بتقديم ذبائح لله ، لا للمصالحة معه وتجديد العهد معه ، ولا لإعلان حبهم له .

بعد قرون طويلة تكرر الأمر فى كنيسة كورنثوس حينما أساء الشعب استخدام الإفخارستيا وما يليها من وجبات الأغابى ، إذ قيل : " فحين تجتمعون معا ليس هو لأكل عشاء الرب ، لأن كل واحد يسبق فيأخذ عشاء نفسه فى الأكل ، فالواحد يجوع والآخر يسكر ، أفليس لكم بيوت لتأكلوا فيها وتشربوا ؟! أم تستهينون بكنيسة الله وتخجلون الذين ليس لهم ؟! 1 كو 11 : 20 – 22 .

" الكلام الذي صار الى ارميا النبي من قبل الرب قائلا :

اسمعوا كلام هذا العهد :

وكلموا رجال يهوذا وسكان اورشليم " ع 1 ، 2 .

يرى البعض أن النبى يشير هنا إلى الملك يوشيا والشيوخ الذين أكدوا ولاءهم للعهد المقام بين الله وشعبه على جبل حوريب بسيناء ، العهد الذى سجل فى درج ( كتاب ) ، ووجد فى الهيكل أثناء الإصلاح ، وقد ارتبطوا به وتعهدوا أن يتمموا كلماته المكتوبة ( 2 مل 23 : 3 ) . فالحديث هنا موجه إلى مندوبين من قبل الملك .

ما المقصود بـ " الكلام " هنا إلا " الكلمة " الذى كان عند الله منذ البدء ؟ - التى قال عنها يوحنا الإنجيلى : " فى البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله " .

رجال يهوذا هم نحن ، لأننا مسيحيون ، وجاء المسيح من سبط يهوذا . إذا كنت قد أوضحت من خلال الكتاب المقدس أن كلمة يهوذا يقصد بها السيد المسيح ، فإن رجال يهوذا فى هذه الحالة لن يكونوا اليهود الذين لا يؤمنون بالسيد المسيح ، وإنما نحن كلنا الذين نؤمن به .

يخاطب الكلمة " رجال يهوذا " و " سكان أورشليم " .

يتعلق الأمر هنا بالكنيسة ، لأن الكنيسة هى مدينة الله ، ومدينة السلام ، وفيها يتراءى ويعظم سلام الله المعطى لنا ، إذا كنا نحن أيضا أبناء سلام .

" اسمعوا كلام هذا العهد :

وكلموا رجال يهوذا وسكان اورشليم ، فتقول لهم هكذا قال الرب اله اسرائيل.

ملعون الانسان الذي لا يسمع كلام هذا العهد الذي أمرت به آباءكم "

من الذى يسمع أفضل لكلام العهد الذى أمر الله به الآباء ؟ هل الذين يؤمنون به ، أم الذين – بحسب الأدلة الموجودة عندنا – لا يؤمنون حتى بموسى حيث أنهم لم يؤمنوا بالرب ؟ يقول لهم المخلص : " لو كنتم آمنتم بموسى لآمنتم بى أنا أيضا ، لأنه تكلم عنى فى كتبه ، ولكن إن كنتم لا تؤمنون بكتاباته ، فكيف تؤمنون بكلامى ؟ " إذا لم يؤمن هؤلاء الناس بموسى ، أما نحن ، فبإيماننا بالسيد المسيح ، نؤمن أيضا بالعهد الذى " أقيم بواسطة موسى ، أى " العهد الذى أمرت به آباءكم " .

" ملعون الإنسان الذى لا يسمع كلام هذا العهد " ع 3 .

هزيمة الشعب ( أو إنهيار أورشليم ) لا تعنى أن الله قد نقض العهد ، وإنما هى إعلان إلهى عن عدم وفاء الشعب بشروط العهد ، فسقطوا تحت اللعنة .

إن كانوا قد سقطوا فى اللعنة بسبب عدم الطاعة للعهد ، فإن العيب ليس فى الناموس بل فى عدم ختان آذانهم ، أما العهد فليس ثقيلا ، والوصية ليست مستحيلة ، العهد ممكن وعذب ، يحمل الملامح التالية :



أولا : عهد حرية
يقول : " يوم أخرجتهم من أرض مصر " ع 4 . أخرجتهم من العبودية ليعيدوا بفرح وبهجة قلب ( خر 5 : 1 ) . هو عهد خروج إلى حياة الحرية والفرح ، فلماذا يكسرونه ؟

ثانيا : عهد راحة

غاية هذا العهد أن يخرجهم كما من كور مصر ، من وسط النيران ليدخل بهم إلى ندى راحته . عتقهم من المسخرين العنفاء ، لا ليعيشوا فى رخاوة بلا عمل ، إنما لينالوا بركة العمل . بمعنى آخر خرجوا من كور المسخرين ليقبلوا العمل لحساب الله حسب إرادته ، لا كثقل يلتزمون به كرها ، بل بركة من قبل الله . إذ يقول : " واعملوا به حسب كل ما آمرتكم به " ع 4 ... يستبدل عمل السخرة المر بالعمل لحساب الله الممتع !

" يقول كلام هذا العهد الذى أمرت به آباءكم يوم أخرجتهم من أرض مصر من كور الحديد ، قائلا : اسمعوا صوتى " ع 4 ، 5 .

كور الحديد هى فرن ترتفع فيها الحرارة جدا لصهر الحديد ، الأمر الذى لا تحتاج إليه كثير من المعادن .

استخدم حزقيال النبى ذات التشبيه قائلا : " من حيث أنكم كلكم صرتم زغلا ، فلذلك هأنذا أجمعكم فى وسط أورشليم ؛ جمع فضة ونحاس وحديد ورصاص وقصدير إلى وسط كور لنفخ النار عليها لسكبها كذلك أجمعكم بغضبى وسخطى وأطرحكم واسبككم ، فأجمعكم وانفخ عليكم فى نار غضبى فتسبكون فى وسطها " حز 22 : 19 – 21 .

يشبه خروجهم من مصر كمن يخرج من النار ، من كور الحديد ، لا ليعيرهم بأنه خلصهم من النار ، وإنما بعد إخراجهم يطلب الدخول معهم فى العهد . كأن الله لا يستغل ضيقتهم ليأمر وينهى ، وإنما ليدخل معهم خلال الحوار الودى فى عهد أبوى مملوء حبا . فى هذا العهد يقدم نفسه إلها منسوبا لأولاده :

" فتكونوا لى شعبا ، وأنا أكون لهم إلها " ع 4 .



ثالثا : عهد يلتزم به الله بقسم
لم يأت هذا العهد مصادفة ، ولا يمثل أمرا ثانويا ، لكنه موضوع يهم الله نفسه ، فيقيم نفسه شاهدا على العهد بقسم . لم يقم خليقة سماوية أو أرضية للشهادة ، ولا ائتمنهم على ذلك ، بل أقسم بذاته أن يحقق وعوده ، قائلا :

" لأقيم الحلف الذى حلفت لآبائكم .... " ع 5 ، ليبث فيهم روح الثقة أنه يحقق لهم وعوده الصادقة والأمينة .



رابعا : عهد مبادرة بالحب
يقول : " مبكرا " ع 7 ، وكأن الله هو المبادر بالحب ، وهو الذى يبكر لتوقيع الميثاق ، إنه لا يتأخر فى تحقيق مواعيده . إن يتأخر فلأجل إعطائنا فرصة لرجوعنا إلى نفوسنا ، ومراجعتنا لحساباتنا . وعودتنا إليه حتى لا نهلك .

أمام هذا العهد الإلهى العجيب المملوء حبا وحنوا انحنى إرميا برأسه ، بل وبكل كيانه ليردد مع آبائه " آمين يارب " ع 5 . هذا ما نطق به الشعب حين سمع بركات الطاعة للوصية وقبول العهد ، ولعنات العصيان وكسر العهد ( تث 27 ) فى خضوع انحنى إرميا ليقبل من يد الله تأديباته لشعبه حتى إن بدت قاسية .

" فاجبت وقلت : آمين يارب " ع 5 .

لا نعجب إن رأينا الكنيسة المنتصرة قد اقتنت نفس الروح ، هذه التى تدربت على دروس الحب ، بل اقتنت فى داخلها مسيحها كلى الحب ، فإنه إذ دان الله الزانية العظيمة التى أفسدت الأرض بزناها وانتقم لدم عبيده من يدها ودخانها يصعد إلى أبد الآبدين ، صرخت قائلة : " آمين هلليلويا " رؤ 9 : 1 – 3 .

ما معنى كلمة آمين يارب ؟ أى : " آمين يارب أن الذى لا يسمع كلام هذا العهد يصير ملعونا " .

" فقال الرب لي.ناد بكل هذا الكلام في مدن يهوذا وفي شوارع اورشليم قائلا.اسمعوا كلام هذا العهد واعملوا به " ع 6

إننا ننادى بكلام الرب حتى للذين هم فى الخارج لندعوهم إلى الخلاص .

" لاني اشهدت على آبائكم اشهادا يوم اصعدتهم من ارض مصر الى هذا اليوم مبكرا ومشهدا قائلا :

اسمعوا صوتي.

فلم يسمعوا ولم يميلوا اذنهم ، بل سلكوا كل واحد في عناد قلبه الشرير.

فجلبت عليهم كل كلام هذا العهد الذي أمرتهم ان يصنعوه ولم يصنعوه " ع 7 ، 8 .

يعود بذاكرتهم إلى بدء لٌقامة العهد ، حيث خانه الشعب منذ اللحظات الأولى ، حين نزل موسى من الجبل يحمل معه لوحى العهد اللذين كتبهما الله بأصبعه . عوض السحابة المقدسة السماوية التى عاش فيها موسى أربعين يوما نزل إلى جو فاسد حيث وجد الشعب يتعبد للعجل الذهبى ، يسجدون له ويذبحون ( خر 23 : 7 ، 8 ) . أرتجفت يداه " وطرح اللوحين من يديه وكسرهما فى أسفل الجبل " ( خر 32 : 19 ) . هكذا أعلن موسى النبى عن خيانتهم للعهد منذ اللحظات الأولى ، وها هو إرميا يشهد على أبنائهم أنهم سلكوا طريق آبائهم : خيانة العهد .

" وقال الرب لي : توجد فتنة بين رجال يهوذا وسكان اورشليم.

قد رجعوا الى آثام آبائهم الاولين الذين ابوا ان يسمعوا كلامي ،

وقد ذهبوا وراء آلهة اخرى ليعبدوها ،

قد نقض بيت اسرائيل وبيت يهوذا عهدي الذي قطعته مع آبائهم.

لذلك هكذا قال الرب.هانذا جالب عليهم شرا لا يستطيعون ان يخرجوا منه ويصرخون اليّ فلا اسمع لهم " ع 9 – 11 .

مع عجزهم عن الهروب من الضيقة التى سقطوا فيها صرخوا لله لا للرجوع إليه بالتوبة ، وإنما لمجرد مساندتهم .. تركهم يلجأون إلى الآلهة الغريبة ليدركوا عجزها ، لهذا لم يسمع لهم ، ولا سمح لإرميا النبى أن يشفع فيهم .

" وانت فلا تصل لاجل هذا الشعب ولا ترفع لاجلهم دعاء ولا صلاة لاني لا اسمع في وقت صراخهم اليّ من قبل بليتهم " ع 14 .

سبق فطلب منه ألا يصلى لأجلهم ولا يلح عليه ( إر 7 : 16 ) . وقد رأينا أن الله يسر بأن يرى قلب إرميا متسعا بالحب ، وألا يكف عن الصلاة بلجاجة من أجل شعب الله . لكنه يريد تأكيد أن الأمر قد صدر بتأديبهم ، وهو لخيرهم وخلاصهم ، فلا يطلب النبى رفع التأديب عنهم .



( 2 ) ما لحبيبتى فى بيتى ؟
رفض الأستماع للشعب كما للنبى فى أمر ما لا يعنى رفضه لشعبه ، فهم بالنسبة له " المحبوبة " التى يريدها أن تقيم فى بيته ، لا أن تدنسه وتخربه . فى وسط هذا المر يعاتبها مذكرا إياها بمركزها الذى نالته خلال العهد الذى تحطمه بإرادتها ، قائلا لها :

" ما لحبيبتي في بيتي ؟

قد عملت فظائع كثيرة ،

واللحم المقدس قد عبر عنك.

اذا صنعت الشر حينئذ تبتهجين " ع 15 .

إن كنت تعتزين بالهيكل المقدس أنه فى أورشليم ، فإنك وأنت المحبوبة لى قد عملت فظائع كثيرة ، من ٌقامة مذابح للأوثان وأصنام ، وممارسة الرجاسات ، وتقديم الأطفال محرقات للأوثان . هذا من جانب ، ومن جانب آخر عوض تقديم الذبائح قدمتى لحما . إذ يقصد باللحم المقدس الذبائح التى تقدم فى الهيكل ، فإنها ليست فى عينيه ذبائح للمصالحة أو محرقات حب ، بل هى لحم للأكل ، كما سبق فقال : " ضموا محرقاتكم إلى ذبائحكم وكلوا لحما " إر 7 : 21 . وعوض التوبة عن هذه الشرور تبتهجين وتفتخرين بالشر !

يكمل عتابه لمحبوبته ، قائلا :

" زيتونة خضراء ذات ثمر جميل الصورة دعا الرب اسمك.

بصوت ضجة عظيمة اوقد نارا عليها فانكسرت اغصانها ،

ورب الجنود غارسك قد تكلم عليك شرا من اجل شر بيت اسرائيل وبيت يهوذا الذي صنعوه ضد انفسهم ليغيظوني بتبخيرهم للبعل " ع 16 ، 17 .

الضجة العظيمة هنا هى ضجة الجيوش المعادية المجتازة البلاد . إنه فى مرارة يؤدبها كما بنار .

كان تشبيه الشعب بزيتونة خضراء جميلة غرسها الله بنفسه مألوفا ، حيث كان شجر الزيتون مغروسا فى دائرة الهيكل . مصدر هذا التشبيه هو مزمور 52 : 10 ، وقد اقتبسه الرسول بولس فى رو 9 .

هذه التى غرسها الرب تحترق بنار لأنها اعتزلته ورفضت عمله فيها . وأرتكبت الشرور بعبادة البعل لإغاظة الرب .



( 3 ) اعترافات إرميا
يدعو البعض هذه المراثى الشخصية لإرميا ( 11 : 18 – 12 : 6 ) " اعترافات إرميا " وإن كان البعض يراها " شكاوى إرميا " .

ينفرد إرميا النبى بين الأنبياء فى حفظه مجموعة من الصلوات تقدم نظرة غير عادية عن حياة النبى الداخلية ، كما لم يقدم أى سفر نبوى مجموعة من الشكاوى مثل هذا السفر . حقا لقد عانى الأنبياء من الشعب ، لكنهم لم يقدموا تفاصيل مثل إرميا .

يرى بعض الدارسين أن اعترافات إرميا بصيغة الفرد نطق بها باسم الشعب كله ، تعبر عن مرارة نفوسهم وسط الآلام ، إذ كانوا يستخدمونها فى العبادة الجماعية .

ويبدا إرميا النبى اعترافاته ، قائلا :

" والرب عرفنى فعرفت .

حينئذ أريتنى أفعالهم " ع 18 .

كشف له الرب عن المؤامرة التى دبروها لهلاكه ، كشفها له ذاك الذى سبق فأكد له وهو بعد ولد : " لا تخف من وجوههم لأنى أنا معك لأنقذك يقول الرب " 1 : 8 .

الله هو الفاحص القلوب والكلى ( ع 20 ) ، كأنه يقول إن كانوا فى خداع قد خططوا سرا لقتلى ، لكن فى الواقع الأمر خدعوا أنفسهم لأنهم لم يدركوا أن الله فضح خطتهم لى ، وما فعلوه ليس لهلاكى بل لهلاكهم .

لم يعرف إرميا أعمالهم فقط ، وإنما ما هو أعظم عرف مركزه الجديد ، أنه صار رمزا لحمل الله الذى يساق للذبح من أجل خلاص الغير ، فيترنم قائلا :

" وانا كخروف داجن يساق الى الذبح ،

ولم اعلم انهم فكروا عليّ افكارا ،

قائلين لنهلك الشجرة بثمرها ،

ونقطعه من ارض الاحياء فلا يذكر بعد اسمه " ع 19 .

كلمة " خروف " فى العبرية هنا استخدمت 116 مرة فى العهد القديم ، كلها فيما عدا خمس حالات استخدمت كذبيحة ، لذلك ترجم البعض كلمة " يساق إلى الذبح " أو " يساق كذبيحة " مع أن الكلمة العبرية تعنى الذبح العادى .

حسبوه حملا وديعا ، يقتلوه فلا يذكر بعد اسمه ، ولم يدركوا أنه رمز للسيد المسيح الذى بقتله يملك على القلوب ، ويمزق بصليبه الصك الذى كان علينا ويجرد الرياسات والسلاطين ويشهرهم جهارا ظافرا بهم فى صليبه ( كو 2 : 15 ) . صار رمزا للسيد المسيح الذى قيل عنه : " والرب وضع عليه إثم جميعنا ، ....... " إش 53 : 6 – 8

" ... ونقطعه من أرض الأحياء ، فلا يذكر بعد اسمه " ع 19 .

ظنوا أن بقتله يقطعونه ( السيد المسيح ) من أرض الأحياء ، فينساه العالم ، ولا يذكر اسمه بعد ، ولم يدركوا أنه القيامة واهب الحياة ، وأن بفعلهم هذا حول السيد أرضنا – وادى الموت – إلى أرض الأحياء .

رفع إرميا قلبه نحو الله ، قائلا :

" فيا رب الجنود القاضي العدل فاحص الكلى والقلب ،

دعني ارى انتقامك منهم ،

لاني لك كشفت دعواي " ع 20 .

يدعو الله " فاحص الكلى والقلوب " ع 20 ، أى يعرف شخصية الإنسان فى أعماقها ( الكلى ) ومشاعره ( القلب ) .

" لذلك هكذا قال الرب عن اهل عناثوث الذين يطلبون نفسك قائلين ،

لا تتنبأ باسم الرب فلا تموت بيدنا.

لذلك هكذا قال رب الجنود :

هانذا اعاقبهم.يموت الشبان بالسيف ويموت بنوهم وبناتهم بالجوع.

ولا تكون لهم بقية ،

لاني اجلب شرا على اهل عناثوث سنة عقابهم " ع 21 – 23 .

يحاول الأشرار منع أولاد الله من الشهادة للحق ، " قائلين : لا تتنبأ باسم الرب فلا تموت بيننا " ع 21 . وكما حدث مع القديسين بطرس ويوحنا إذ " دعوهما وأوصوهما أن لا ينطقا البتة ولا يعلما باسم يسوع ، فأجابهم بطرس ويوحنا وقالا : إن كان حقا أمام الله أن نسمع لكم أكثر من الله فأحكموا ، لأننا نحن لا يمكننا أن لا نتكلم بما رأينا وسمعنا " أع 4 : 18 – 20 ، هكذا حاول أقرباؤه – أهل عناثوث – منعه من الشهادة للحق ، وقد أصروا على قتله ، فإذا بهم يفقدون بنوهم وبناتهم بالسيف كما بالجوع !

+ + +
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://eng.roniajesus@yahoo.com
بحبك يا مارمينا
خادم المنتدى
avatar

انثى عدد الرسائل : 785
العمر : 29
المزاج : نشكرربناعلي كل حال
اعلام الدول :
المهنة :
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: *** موضوع متكامل لتفسير سفر ارميا كتابيا ***   الجمعة فبراير 12, 2010 11:35 pm

إرميا – الإصحاح الثانى عشر

أعداء فى الداخل



كانت جدران قلب إرميا توجعه من أجل شعبه الذى خان العهد الإلهى ، وطلب قتل إرميا نفسه حتى لا يسمعوا لصوت الله . كان يشتاق أن يرجعوا إلى الله بالتوبة فيخلصوا مما سيحل بهم ، لكنهم عوض الإستماع إليه قاومه حتى أهل بيته .



(1 ) لماذا تنجح طريق الأشرار ؟
" أبر انت يا رب من ان اخاصمك.

لكن اكلمك من جهة احكامك.

لماذا تنجح طريق الاشرار؟

اطمأن كل الغادرين غدرا.

غرستهم فاصّلوا ،

نموا واثمروا ثمرا " ع 1 ، 2 .

تشبه هذه الكلمات ما ورد فى المزمور 37 ، حيث تعجب داود النبى كيف ينجح الإنسان الشرير فى طريقه ، لكنه عاد فاكتشف أنه كعشب يظهر قليلا ثم يجف ، أما البار كالشجرة يبدو جافا فى الشتاء لكن يحل الربيع ويظهر الثمر المتكاثر ، إذ يقول :

" لا تغر من فاعلى الشر ... فإنهم مثل العشب سريعا يجفون ، ومثل بقول الخضرة عاجلا يسقطون " مز 37 : 1 ، 2 .

بينما يطمئن الغادرون ويظنون أنهم ناجحون ومثمرون ونامون بقدرتهم وحكمتهم وتخطيطهم البشرى ، إذا بالنبى يؤكد سلطان الله حتى على هؤلاء الغادرين ، فإنه ما كان يمكنهم أن ينالوا هذا النجاح المؤقت إلا بسماح إلهى ، إذ يقول :

" غرستهم فاصّلوا ،

نموا واثمروا ثمرا " ع 2 .

مقابل هؤلاء المرائين الذين ينطقون بغير ما يبطنون يقدم النبى نفسه كإنسان ينطق بما يبطن ، ويحمل فى مظهره ما فى أعماقه ، وأن الله نفسه الفاحص الكلى والقلوب يشهد بذلك ، إذ يقول : " وانت يا رب عرفتني رأيتني واختبرت قلبي من جهتك " ع 3 .

إذ عاش إرميا مع الله بروح الإخلاص بعيدا عن الرياء استحق أن يكون موضوع معرفة الله ورؤيته . بمعنى آخر يتمتع إرميا بأن يعرفه الله معرفة المحبوب لديه والصديق الملاصق له ، وأن ينعم بنظرات حبه واهبة السلام .

إذ كان إرميا النبى نقيا فى أعماقه ، مخلصا فى تصرفاته ، ما يتكلم به بلسانه يكشف عما فى أعماقه ، لذا كان نقيا حتى فى غضبه . إن غضب يشهد للحق الإلهى ويطلب توبة الساقطين ونموهم روحيا ، كيف يكون ذلك وهو يقول :

" افرزهم كغنم للذبح ،

وخصصهم ليوم القتل " ع 3 .

فى شرهم طلبوا قتله ، فصار كخروف داجن يساق إلى الذبح 11 : 8 .

صار ذبيحة حب لأجل الله ولأجل إخوته ، فتحول شرهم إلى خير ، وها هو يطلب لهم أن يفرزوا للذبح .

ربما يتساءل البعض : لماذا يطلب النبى إرميا ذلك لشعبه ؟ .

تكشف كلمة الله عن الضعف البشرى ، فمع ما حمله النبى من حب إلا أنه فى لحظات ضعفه لم يحتمل الضغط المستمر ومقاومة الشعب له على مستوى القيادات الدينية ، كما على مستوى رجل الشارع ، بل حتى أسرته وأهل قريته خططوا للخلاص منه . إنه إنسان له ضعفاته ، أما ربنا يسوع الذى غفر لصالبيه فى أمر لحظات الألم ، فوهب مؤمنيه إمكانية الحب للأعداء والصلاة للمسيئين إليهم كما فعل اسطفانوس .

أصيب النبى بحالة إحباط بسبب طول أناة الله على الأشرار :

" حتى متى تنوح الارض وييبس عشب كل الحقل ،

من شر الساكنين فيها فنيت البهائم والطيور ،

لانهم قالوا لا يرى آخرتنا " ع 4 .

لم يكن يتعجل التأديب لينتقم لنفسه ، إنما لأنه رأى الأرض نائحة ، وعشب كل الحقل قد يبس ، والبهائم والطيور فنت . بمعنى آخر إذ يتحول الجسد ( الأرض ) من اللذة بالخطية إلى فقدان الراحة والدخول إلى حالة غم شديدة ، ويفقد الإنسان كل ثمر روحى حتى وإن كان كعشب صغير ، وتهلك طاقاته الجسدية ( البهائم ) والروحية ( الطيور ) ... يصير فى حاجة إلى تأديب إلهى يرده إلى صوابه ويحثه على التوبة .



( 2 ) كبرياء الأردن
" ان جريت مع المشاة فاتعبوك فكيف تباري الخيل ؟!

وان كنت منبطحا في ارض السلام فكيف تعمل في كبرياء الاردن ؟!

لان اخوتك انفسهم وبيت ابيك قد غادروك هم ايضا.

هم ايضا نادوا وراءك بصوت عال ،

لا تأتمنهم إذا كلموك بالخير " ع 5 ، 6 .

يرى البعض أن العبارات السابقة هى إجابة الله لإرميا النبى على تساؤله :

" لماذا تنجح طريق الأشرار ؟ " .

كأن الله يعاتب إرميا النبى قائلا له : لماذا ضعفت أمام مقاومة الأشرار ؟

لقد دخلت المعركة المقدسة بقلب نقى ، لكنها فوق إدراكك ، لا تعرف أبعادها . انتظر لترى دورى ، ولا تتعجل النتائج فى حياتك ، وفى حياة الشعب الذى تراه الآن شريرا ومقاوما لك ولى . أنت الآن فى أرض السلام نسبيا ، إننى أسندك حينما تدخل فى الأحزان الشديدة التى تجتاح الأرض ككبرياء الأردن .



( 3 ) تدمير ميراث الله
فى هذا الإصحاح والإصحاح التالى توجد سبع مجموعات من النبوات ، ست منها عن إنهيار أورشليم ، وواحدة ( 11 : 14 – 17 ) عن جيران يهوذا ، قيلت غالبا فى أيام يهوياقيم ( 609 – 598 ق.م. ) .

جاءت النبوة الأولى تركز على إسرائيل بكونه الميراث الخاص لله ، فمنذ البداية قيل :

" إن قسم الرب هو شعبه ، يعقوب حبل نصيبه " تث 32 : 9 .

قدم الله لهم أرضه – أرض الموعد – نصيبا ، وقبلهم هم نصيبا له . لكنهم أفسدوا أرضه فصاروا مستحقين الطرد منها ، وفقدوا سمتهم كميراث للرب . هكذا ربط بين الشعب والأرض إذ يقول :

" قد تركت بيتي ، رفضت ميراثي ،

دفعت حبيبة نفسي ( نفسى الحبيبة ) ليد اعدائها.

..... رعاة كثيرون افسدوا كرمي .... خربت كل الارض " ع 7 ، 11 .

[ يرى العلامة أوريجينوس أن المتحدث هنا هو الكلمة المتجسد الذى نزل إلى أرضنا ليدفع حياته فى يد الأعداء ذبيحة لخلاصنا ، إذ يقول : " قد تركت بيتى .... " إر 12 : 7 . لاحظ إذا أن ذاك الذى هو فى " صورة الله " فيلبى 2 : 6 جالس فى السموات ، وانظر إلى بيته الذى يفوق السموات ، لو أردت أن ترى أيضا ما هو أعظم وأعلى من ذلك ، فإن بيته هو الله " لأنى فى الآب " يو 14 : 11 .

" لقد ترك أباه وأمه " مت 19 : 5 ، وترك أورشليم السمائية وجاء إلى الأرض ، قائلا : " قد تركت بيتى .. رفضت ميراثى " .

كان ميراثه فى الواقع فى الأماكن التى توجد فيها الملائكة والصفوف التى توجد فيها القوات المقدسة ] .



لقد قدم توضيحات كثيرة يكشف بها الله لإرميا أنه هو موضوع الإضطهاد وليس أرميا :

أ – الأسد الذى يزأر فى البرية لا ليجد فريسة وإنما ليخون إلهه :

" صار لى ميراث كأسد فى الوعر ،

نطق على بصوته ،

من أجل ذلك أبغضته " ع 8 .

كثيرا ما يشبه الله بالأسد الذى يدافع عن شعبه ( عا 1 : 2 ) ، ودعى السيد المسيح :

" الأسد الذى من سبط يهوذا " ( رؤ 5 : 5 ) ،

وقيل عنه وهو على الصليب : " ربض كأسد " تك 49 : 9 . يتقدم المعركة كأسد قادر على تحطيم عدو الخير الذى يجول كأسد زائر ليبتلعهم فريسة سهلة ( 1 بط 5 : 8 ) . ويود الله أن يقيم من كل مؤمن أسدا لا يخشى عدو الخير ، بل يحمل روح إلهه ، روح القوة . أما أن يسىء استخدام طاقاته ومواهبه فيوجهها ضد الله ، عندئذ يحسب كأسد يزأر ضد من وهبه القوة ، ضد خالقه ومخلصه ، فيلقى بنفسه فى دائرة غضب الله . هذا ما عبر عنه بقوله : " من أجل ذلك أبغضته " ع 8 .

ب – ضبعة نهمة على فريستها ، إذ يقول : " جارحة ضبع ميراثى لى " ع 9 . هجموا على ميراثى وافترسوه ! حسبوه جثة ميتة ! .

ج – طيور جارحة تجتمع حول الفريسة معا كما فى عيد مفرح !

" الجوارح حواليه عليه .

هلم أجمعوا كل حيوان الحقل ،

إيتوا بها للأكل " ع 9 .

فى التشبيهات الثلاثة يبرز الله كيف تحول شعبه الذى يدعوه " حبيبة نفسه " إلى طبيعة مفترسة نهمة تتهلل بالشراسة والأفتراس ، تحتقر ميراثه وتحسبه جثة ميتة لا تستحق إلا الأكل ! ما أبشع جحود الإنسان لله خالقه ومخلصه ، ولعطاياه الفائقة ! .

" زرعوا حنطة ، وحصدوا شوكا ،

أعيوا ولم ينتفعوا ،

بل خزوا من غلاتكم من حمو غضب الرب " ع 13 .

زرعوا حنطة ، لأن معهم شريعة الرب ، كلمة الله الحية ، لكنهم حصدوا شوكا لأنهم لم يقدموها بالمفهوم الروحى ، ولا عاشوا فيها ، بل تمسكوا بالحرف ، فعوض الحنطة حصدوا شوكا .

+ + +

إرميا – الإصحاح الثالث عشر

مثلا المنطقة والزق الممتلىء خمرا



طلب الله من إرميا النبى أن يمارس عملا ما كوسيلة إيضاح يقدم بها درسا للشعب كما لإرميا نفسه ، كما قدم له مثلا كان شائعا وسط اليهود ، من خلالهما يرد الله على تساؤل إرميا السابق : لماذا تنجح طريق الأشرار ؟ ( 12 : 1 ) ، وفى نفس الوقت يوضح أن ما سيحل بالشعب من تأديب علته شرورهم ، خاصة الكبرياء ، مؤكدا المبدأ الكتابى :

" قبل الكسر الكبرياء " .

استخدام العمل الرمزى لم يكن بالأمر الغريب بالنسبة لإرميا ، وقد اعتاد الشعب فى العهد القديم أن يسمع صوت الله خلال أعمال رمزية .

وجد إرميا متاعب وهو يجارى المشاة ، الان ها هو يبارى الخيل ( 5 : 12 ) ، يقف أمام الملك والملكة ويعلن مرثاة الرب عليهما ، متحدثا عن فقدان مملكة يهوذا مجدها .



( 1 ) منطقة من كتان

" هكذا قال الرب لي :

اذهب واشتر لنفسك منطقة من كتان وضعها على حقويك ،

ولا تدخلها في الماء.

فاشتريت المنطقة كقول الرب ووضعتها على حقوي.

فصار كلام الرب اليّ ثانية قائلا :

خذ المنطقة التي اشتريتها التي هي على حقويك ،

وقم انطلق الى الفرات واطمرها هناك في شق صخر.

فانطلقت وطمرتها عند الفرات.كما امرني الرب.

وكان بعد ايام كثيرة ان الرب قال لي :

قم انطلق الى الفرات وخذ من هناك المنطقة التي امرتك ان تطمرها هناك.

فانطلقت الى الفرات وحفرت واخذت المنطقة من الموضع الذي طمرتها فيه.

واذا بالمنطقة قد فسدت لا تصلح لشيء.

فصار كلام الرب اليّ قائلا :

هكذا قال الرب.هكذا افسد كبرياء يهوذا وكبرياء اورشليم العظيمة " ع 1 – 9 .

كيف أمكن للنبى أن يسافر من أورشليم أو عناثوث إلى نهر الفرات بالعراق ذهابا وغيابا مرتين حيث تبلغ المسافة بينهما حوالى 350 ميلا فى الشمال الشرقى من عناثوث ، أى تقطع الرحلتين معا حوالى 1400 ميلا ؟ خاصة وأنه لا توجد هناك صخور يخفى فيها المنطقة ، إنما يلزمه أن ينطلق إلى شمال كركميش ليجد صخورا .

يرى البعض أن كلمة هنا ربما يقصد بها ينبوعا فى وادى فرح يدعى " عين فرح " يبعد حوالى أربع كيلومترات شمال شرقى عناثوث ( يش 8 : 23 ) ، فإن نطق كلمة " فرح " والفرات متشابه . وحسب آخرون أن الحديث هنا رمزى لم يمارس عمليا ، أو أنه مجرد رؤيا .

يلاحظ فى هذا المثل الآتى :

أولا : يشبه الله شعبه بمنطقة جديدة مشتراه يلصقها النبى على حقويه دون أن يمسها ماء . وكما يقول الله نفسه :

" لانه كما تلتصق المنطقة بحقوي الانسان هكذا الصقت بنفسي كل بيت اسرائيل وكل بيت يهوذا يقول الرب ليكونوا لي شعبا واسما وفخرا ومجدا ولكنهم لم يسمعوا " ع 11 .

هكذا يقتنى الله لنفسه الكنيسة – إسرائيل الجديد – لتكون منطقة ملتصقة به أو ثوبه الذى يرتديه . هذا الثوب الذى صار أبيضا كالنور فى لحظات تجلى رب المجد ( مت 17 : 2 ) ، لأن بداخله شمس البر !

مسيحنا يود أن يسكن فينا كثوب له ، فينيرنا ويقدسنا ، نشهد لبهائه ومجده وقداسته !

ثانيا : يقول العلامة أوريجينوس :

[ حينما يضع النبى المنطقة على حقويه يمثل الله الذى يحمل شعبه ،، ( حزقيال 1 : 27 ) ] .

ثالثا : طلب الله من إرميا أن يشترى لنفسه منطقة جديدة من الكتان ، وأن ينطلق بها إلى الفرات ويطمرها .

ماذا كانت مشاعر إرميا حين وجدها قد فسدت ؟! بلا شك كانت نفسه مرة ، اشتراها بفضته ، وألصقها بحقويه إلى لحظات ، وتكلف مشقة السفر إلى الفرات أكثر من مرة . وأخيرا وجدها فاسدة لا تصلح لشىء ! إنها ثمينة فى عينيه ! فكم بالأكثر تكون النفس ثمينة فى عينى الله الذى اقتناها لنفسه بعد أن خلقها واوجد كل العالم لأجلها ، ولأجل خلاصها أرسل الناموس والأنبياء وأخيرا تجسد الكلمة الإلهى وقدم دمه الثمين ثمنا لتجديدها وخلاصها ؟! أدرك إرميا أنه ما كان ينبغى عليه أن يتساءل حتى فى داخل نفسه : لماذا تنجح طريق الأشرار ؟! إنها نفوس ثمينة هلكت ، يترقب الله خلاصها بكل وسيلة .

رابعا : إن كان الله قد جعل شعبه كمنطقة تلتصق به ، فإن المنطقة تضم بقية الملابس معا حول حقوى الشخص . وكأن الله يريد من أولاده الذين يلتصقون به أن يضموا الآخرين معا فى الرب . غاية الله من اختيار شعبه أن يجتذبوا كل الأمم ليصيروا ثيابا ملتصقة بالرب .

خامسا : طمر المنطقة الجديدة فى التراب يكشف عن افساد إمكانياتنا ومواهبنا بطمرها ، أى عدم استخدامها لحساب ملكوت الله .

اخفاء المنطقة فى صخرة يشير إلى حالة الرعب التى حلت بيهوذا ، فعوض الأشتياق نحو الألتقاء به كمخلص وعريس للنفس يهربون منه فى خوف ، طالبين الأختفاء فى شقوق الصخور .

العجيب أن السيد المسيح يقدم نفسه " الصخرة " التى فيها نختفى ونحتمى ، حيث فيه نتبرر ولا ندان ! نسمعه يقول :

" هوذا عندى مكان فتقف على الصخرة " خر 33 : 20 – 21 .

هناك نتمتع مع موسى النبى برؤية بهاء المجد الإلهى .

سادسا : ربما قصد نهر الفرات على وجه الخصوص ليشير إلى خطر الكلدانيين روحيا وماديا على شعب الله ، إنه يوضح كيف يفسد السبى البابلى هذا الشعب ويحطمه .

سابعا : أمره الله ألا يضع المنطقة فى الماء ، ليوضح رفض الشعب التطهير ، أو عدم قبولهم المعمودية التى يتمتعون بالموت والدفن مع المسيح ونوال الحياة الجديدة المقامة . إن كانت المنطقة من الكتان تشير إلى النقاوة ، لكن هذه النقاوة تفسد بدون الشركة مع المسيح المصلوب القائم من الأموات والتمتع بعمل الروح القدس النارى غافر الخطايا .



( 2 ) مثل الزقاق الممتلىء خمرا
" هكذا قال الرب اله اسرائيل :

كل زق يمتلئ خمرا " ع 12 .

رأينا فى تفسير إرميا 12 : 6 . أن الكل كانوا يسخرون بإرميا ، ينادون وراءه بصوت عال ( أو يسخرون به قائلين : يا ممتلىء سكرا ) . هذا هو منطق العالم أن كلمة الرب أو الوصية هى أفيون الشعوب ، كما أدعى الشيوعيون ...

لهذا حينما يقول الرب : " لا أشفق ولا أترآف ولا أرحم من إهلاكهم " ع 14 ، إنما يعنى أنه يسلمهم إلى شهوة قلوبهم ، ويتركهم لإرادتهم الشريرة فيتحطمون ، لأن الله يقدس الحرية الإنسانية ولا يلزم أحدا بالشركة معه .

الخمر هنا لا يشير إلى فرح الروح القدس ، وإنما إلى فاعلية الخطية فى حياة الجماعة كما فى قلب الإنسان . فكما يشار إلى السيد المسيح بالأسد الخارج من سبط يهوذا بكونه الملك الذى يخلص شعبه هكذا يشبه إبليس بالأسد من أجل شراسته وطبيعته المفترسة .

هكذا الخمر يشير إلى ثمر الروح القدس المفرح كما يشير إلى ثمر الخطايا المحطم .

" فتقول لهم هذه الكلمات ، هكذا قال الرب اله اسرائيل :

كل زق يمتلئ خمرا ،

فيقولون لك أما تعرف معرفة أن كل زق يمتلىء خمرا ؟! " ع 12

يرى البعض أن المثل الشعبى : " كل زق يمتلىء خمرا " ع 12 يعنى أن مملكة يهوذا كالزق لا عمل له إلا أن يمتلىء بخمر غضب الله ! هنا الخطورة ، حيث يفقد الإنسان كل رسالة إيجابية خيرة ليصير كأنه جاء إلى العالم ليحمل الغضب الإلهى ، وليحطم الواحد الآخر ! بمعنى آخر ليست الخطية أمرا عارضا فى حياته ، إنما هى أمر حيوى واساسى ، تشغل كل فكره وأحاسيسه وتملك على قلبه وكل أعضاء جسده ، وتسيطر على تصرفاته الخفية والظاهرة .

ماذا فى داخل الكأس ؟

" هانذا املأ كل سكان هذه الارض والملوك الجالسين لداود على كرسيه والكهنة والانبياء وكل سكان اورشليم سكرا.

واحطمهم الواحد على اخيه الآباء والابناء معا يقول الرب " ع 13 ، 14 .

صار الرؤساء والشعب كزقاق مملوء خمرا ، عوض أن يستخدم للفرح صار للسكر .

لعل أخطر ما فى الأمر أن صار الآباء يسقون أبناءهم مسكرا ، فيقدمون لهم السكر عوض التعقل ، ويفقد الآباء كرامتهم وتعقلهم حتى فى نظر أبناءهم . هذا بالنسبة للسكر بواسطة خمور هذا العالم ، فماذا إن أسكروهم بخمر غضب الله ؟!

كأس التأديب :

" لا أشفق ولا أترآف ولا أرحم من اهلاكهم " ع 14 .

تعثر البعض قائلين : كيف أن الله لا يشفق ولا يرحم ونقول عنه أنه رحوم ؟

[ يجيب العلامة أوريجينوس معلنا أهمية التأديب حتى وإن بدى قاسيا :

إننى آخذ هنا مثلا للقاضى الذى لا يشغل فكره إلا الصالح العام ، وبالتالى يطبق القانون دون إشفاق على المخطىء ، يعاقبه حتى يحمى باقى المجتمع ].



( 3 ) دعوة للتوبة
" اسمعوا واصغوا،

لا تتعظموا لان الرب تكلم " ع 15

إذ يتكلم الرب يليق بيهوذا أن يحمل الأذن المختونة ، فيسمع ويصغى لله بروح الطاعة ، لا أن يتجاهل صوت الرب فى كبرياء وعصيان .

لنرى ماذا يوصينا الله أن نفعل :

" اعطوا الرب الهكم مجدا قبل ان يجعل ظلاما وقبلما تعثر ارجلكم على جبال العتمة فتنتظرون نورا " ع 16

يريد أن من يعطى الرب مجدا ، يعطيه فى وجود النور ، لأن مجد الرب لا يمكن أن يعلن حينما يأتى الظلام ...

إذا أردنا أن نمجده فلنمجده بأعمالنا .

مجده بضبط النفس ،

مجده بعمل الخير ، بالحق ، بالشجاعة والصبر والأحتمال ،

مجد الله بالقداسة وكافة الفضائل الأخرى ..

الإنسان البار يمجد الله ، والشرير يهين الله
ما هى جبال العتمة التى تعثرت فيها أرجلهم ؟

لقد شبه الله الأشرار بمنطقة الكتان التى فسدت ، وبالزق الممتلىء خمرا ، وهنا يتحدث عنهم كجبال مظلمة .

فى سفر حزقيال يدعو الله شعبه " جبال إسرائيل " الجبال التى بلقائها مع الله استنارت به شعوب العالم ، والآن إذ تعظمت فى عينى نفسها صارت جبالا مظلمة ، لأنها اعتزلت عن سر استنارتها .

تتمثل الجبال المضيئة فى ملائكة الله والقديسين ، والأنبياء ، وموسى " الخادم " ورسل السيد المسيح ، كل هؤلاء الجبال مضيئة ، واعتقد أن هذه هى التى كتب عنها فى المزامير : " أساساته فى الجبال المقدسة " .

بكى إرميا النبى شعبه الذى اختار بكبريائه الظلمة طريقا له ، إذ يقول :

" اعطوا الرب الهكم مجدا قبل ان يجعل ظلاما،

وقبلما تعثر ارجلكم على جبال العتمة ،

فتنتظرون نورا

فيجعله ظل موت ويجعله ظلاما دامسا.

وان لم تسمعوا ذلك فان نفسي تبكي في اماكن مستترة من اجل الكبرياء ،

وتبكي عيني بكاء وتذرف الدموع ،

لانه قد سبي قطيع الرب " ع 16 ، 17 .

يقصد بظل الموت فى العهد القديم الظلام الشديد ، وتترجم أحيانا " الظل العميق " كما فى مز 23 : 4 .

يدخل إرميا إلى أماكن مستترة متضعة ليقدم الدموع من أجل قطيع الرب الساقط تحت سبى إبليس ... إن كان قلبهم قد أصيب بالعمى فلا يدركون أنهم ينحدرون إلى الظلمة ، إذا بقلب إرميا يتمزق حزنا عليهم .

ما هذه الأماكن المستترة إلا أحشاء السيد المسيح محب البشر ، ففيه إذ تدخل النفس لا تكف عن ذرف الدموع من أجل خلاص كل العالم !

أما وقد بكى إرميا بمرارة على قطيع الرب الذى يسقط تحت السبى ، فإنه يقدم مرثاة على الملك الشاب والملكة أمه ، فإنهما لن يخلصان من هذا المر ، ولا يهربان منه .

" قل للملك وللملكة :

اتضعا واجلسا لانه قد هبط عن راسيكما تاج مجدكما ،

اغلقت مدن الجنوب وليس من يفتح.

سبيت يهوذا كلها سبيت بالتمام " ع 18 ، 19 .

يشير العددان 18 ، 19 إلى سبى الملك الشاب يهوياقين إلى بابل عام 598 – 597 ق.م. جاء فى 2 مل 24 : 8 – 17 ومعه أمه الملكة نحوشتا ( 2 مل 24 : 8 ، 15 ) ، حيث عانت يهوذا المتكبرة من صفعة قوية ، وضاع رجاؤها .

جاءت هذه المرثاة قصيرة تناسب الملك الذى لم يدم ملكه سوى ثلاثة شهور . كان فى الثامنة عشرة من عمره عند موت والده يهوياقيم ، ولكن بعد ثلاثة شهور سبى إلى بابل . بعد سنوات ( سنة 562 ق.م. ) حرر لكن لم يسمح له بالعودة إلى بلاده ( 52 : 31 – 34 ، 2 مل 25 : 27 – 30 ) . سقط التاج عن رأسيهما وضاع من بين أيديهما الملك .

واضح هنا أنه كان للملكة الأم دور رئيسى فى إدارة المملكة فى يهوذا ، وكان لها سلطانها فى أيام الملك آسا حتى تخلص منها ( 1 مل 15 : 13 ) .



يصور النبى ما حل بأورشليم بواسطة بابل :

" ارفعوا اعينكم وانظروا المقبلين من الشمال.

اين القطيع الذي أعطي لك غنم مجدك ،

ماذا تقولين حين يعاقبك وقد علّمتهم على نفسك قواد للرياسة ؟

أما تاخذك الاوجاع كامرأة ماخض " ع 20 ، 21 .

بعد تقديمه مرثاة على ما حل بالملك وأمه الملكة بدأ يتحدث عن أورشليم كراعية وحارسة لقطيعها الممجد ، فقد صارت بلا قوة لتحمى شعبها ، قطيع الرب !

يطالبها أن ترفع عينيها لترى أين قطيعها ، فقد أقتيد إلى السبى ، وتركت أورشليم خرابا .

عوض الأهتمام بقطيع الرب أقامت بشرها من البابليين قوادا للرئاسة ، يفترسون حملانها ! صارت كإمرأة ماخض ، عوض أن تلد حملا تحتضنه تلد ذئبا يفترس بنيها !!



( 4 ) ثمار الشر
" وان قلت في قلبك :

لماذا اصابتني هذه ؟

لاجل عظمة اثمك هتك ذيلاك وانكشف عنفا عقباك " ع 22 .

الشر ليس من الله ولكن من إرادة الشعب الشرير ، أخطر ما وصل إليه الشعب هو الإصرار على الخطية ! فيشربون الإثم كالماء ، ولا يشعرون بما هم عليه .

بقوله " هتك ذيلاك " يعنى أنها صارت عارية ، وفى ذلك رمز للشهوات الجسدية فى إباحية وبعنف ، حيث تكشف عورتها للشر . كذلك كشف العقب بعنف يرمز إلى الرغبة الشهوانية الجامحة .

يرى البعض أن هذا التصوير يعنى به أن أورشليم صارت كإمرأة فاسدة ، عرت الخطية عورتها وكشفت جسدها فى غير حياء !

فى قولـه : " هل يغير الكوشي جلده او النمر رقطه ؟ ! " ع 23 . يعنى أن ممارسة الخطية إلى فترات طويلة وبصورة جماعية تمثل ضغطا شديدا على الإرادة فتسلبها حريتها ، وتفقدها قدرتها على الأختيار .

والحاجة إلى عون إلهى أو إلى نعمة إلهية لتقديس الإرادة وردها إلى الحرية الداخلية المسلوبة .



إذ بلغوا هذا الحد ، فامتزجت طبيعتهم بطبيعة الشر ، وصارتا كأنهما طبيعة واحدة ، جاء الثمر الطبيعى لذلك وهو : التحطيم !

" فابددهم كقش يعبر مع ريح البرية.

هذه قرعتك النصيب المكيل لك من عندي يقول الرب ،

لانك نسيتني واتكلت على الكذب.

فانا ايضا ارفع ذيليك على وجهك فيرى خزيك.

فسقك وصهيلك ، ورذالة زناك على الآكام ، في الحقل ،

قد رأيت مكرهاتك.

ويل لك يا اورشليم لا تطهرين.

حتى متى بعد " ع 24 – 27 .

يعود فيكرر الله لشعبه أن ما حل بهم ليس محض مصادفة ، ولا لقوة بابل العظيمة ، إنما لشر إرادتهم التى اختارت هذا النصيب .

أخيرا إذ رأى الغزو قد صار على الأبواب صرخ مترجيا توبتهم ، قائلا : " حتى متى بعد؟! " ع 27 .

+ + +

إرميا – الإصحاح الرابع عشر

التأديب بالقحط

والحاجة إلى مياة الروح

يتحدث النبى فى الإصحاحين 14 ، 15 عن قحط طويل الأمد سمح به الرب للتأديب ، مع سقوط تحت السيف والأوبئة والسبى كثمر طبيعى لعصيان الشعب الذى دخل مع الله فى ميثاق ولم يف بتعهده .



( 1 ) القحط ودعاء الشعب
" كلمة الرب التى صارت إلى إرميا من جهة القحط " ع 1 .

يتحدث النبى عن قحط يحل بيهوذا كتأديب إلهى ، ويتكرر الأمر فى الإصحاح 17 ، لذا يرى البعض أن النبى نطق بالنبوات الواردة فى هذه الإصحاحات الأربع ( 14 – 17 ) أثناء فترة القحط الذى حل فى أواخر أيام يهوياقيم وفى أيام خليفته .

يظهر من صيغة الجمع فى اللغة العبرية لكلمة " القحط " أن مدة القحط كانت طويلة الأمد كما حدث فى أيام إيليا النبى ( 1 مل 17 ، يع 5 : 17 ) .

جاء وصف القحط هنا يكشف عن حال النفس التى ترفض مياة الروح القدس التى أعلن عنها السيد المسيح : " إن عطش أحد فليقبل إلى ويشرب ، من آمن بى كما قال الكتاب تجرى من بطنه أنهار ماء حى " يو 7 : 37 ، 38 .

قيل هنا :

" ناحت ( جفت ) يهوذا ،

وابوابها ذبلت ،

حزنت الى الارض ( أسودت إلى الأرض ) ،

وصعد عويل اورشليم " ع 2 .

جاء هذا النص فى العبرية فى تسع كلمات قدمت لنا القحط فى أبشع صورة .

أ – الكلمة العبرية الأولى تحمل معنيين : " ناحت " و " وجفت " ، فتظهر مملكة يهوذا كسيدة تنوح بسبب ما حل بها ...

ب – أبوابها ذبلت : أو صارت هزيلة تئن من الضعف الشديد ، لأن شعبها خرج إلى بلاد أخرى يبحثون عن ماء يشربونه أو عن خبز يأكلونه . يقصد بالأبواب هنا مدن يهوذا .

هذا هو حال النفس وقد حرمت من الشبع بكلمة الله ، فهزلت جدا ، وفقدت تقديس حواسها " أبواب النفس والجسد " ، فصارت مفتوحة لكل فكر شرير ونظرة بطالة ، وإحساس فاسد .

جـ - " حزنت إلى الأرض " ، أو بحسب الترجمة الحرفية " أسودت الأرض " ، أى ارتدت ثياب الحداد السوداء الطويلة ( مرا 2 : 10 ) ، فصارت أبواب المدينة أشبه بأشباح خارجة من الجحيم ! صارت أبواب صهيون ، ليست أبواب ملكوت الله المفرح ، بل أبواب الجحيم ، حيث العويل غير المنقطع ..

هذا العويل هو مزيج من الصرخات المرة بسبب الحرمان من الشراب والطعام ، والصراخ إلى الله ليخلصهم من هذه الكارثة ، لكنها صرخات صلاة غير مقبولة ، لأنهم لا يهتمون بخلاص أنفسهم إنما يطلبون المطر .

" واشرافهم ارسلوا اصاغرهم للماء.

أتوا الى الاجباب فلم يجدوا ماء ،

رجعوا بآنيتهم فارغة ،

خزوا وخجلوا وغطوا رؤوسهم " ع 3 .

حل بهم العار ، الذين كانت مخازنهم لا تفرغ من الخيرات وآنيتهم من الخمر .. الآن لا يجدون كوب ماء !

يشعرون ان بركة الرب إلههم قد فارقتهم ، وأنه قد بدأت سلسلة من الكوارث لا يعرف نهايتها . ولعلهم صاروا فى خزى لأنهم شعروا بضرورة الإنسحاب من العالم الذى لم يعد يقدم لهم الحياة بل الموت جوعا وعطشا !

أما تغطية الرأس ( ع 3 ، 4 ) فعلامة على الرعب والحزن ، كما فعل داود حين هرب من وجه أبشالوم ( 2 صم 15 : 30 ) .

" من اجل ان الارض قد تشققت ،

لانه لم يكن مطر على الارض ،

خزي الفلاحون.غطوا رؤوسهم " ع 4 .

صارت أرض الموعد التى تفيض عسلا ولبنا جافة ومشققة ، تكشف عن رؤوس سكانها التى صارت جامدة كالنحاس والحديد ، إذ قيل " وتكون سماؤك التى فوق رأسك نحاسا ، والأرض التى تحتك حديدا " تث 28 : 23 . هكذا يتحول الإنسان بكليته كما إلى أرض حديدية لا تقدم ثمرا ، وبلا حياة !

إذ نشعر بالحاجة إلى المياة نتطلع إلى عمل الروح القدس خاصة فى مياة المعمودية ، لندرك كيف نخرج بها من حالة القفر إلى التمتع بالحياة الفردوسية .

يلاحظ أن كلمة " تشققت " فى العبرية تعنى " ارتعبت " ، وكأن الإنسان سيد الخليقة الأرضية صار فى خزى ، وفقدت الأرض التى يقف عليها اتزانها ، إذ صارت مرتعبة .

يوضح النبى كيف صارت الخليقة كلها تئن وتتوجع بسبب فساد قلب الإنسان وكبرياء قلبه ( رو 8 : 22 ) ، إذ يقول :

" حتى ان الايلة ايضا في الحقل ولدت وتركت ،

لانه لم يكن كلأ.

الفراء وقفت على الهضاب تستنشق الريح مثل بنات آوى.

كلت عيونها لانه ليس عشب " ع 5 ، 6 .

خرجت الحيوانات عن طبيعتها بسبب القحط ، وما حل بها من آلام .

الإيلة تركت الغابات موطن معيشتها ، وذهبت فى حقل مفتوح ، هناك تلد ، لكنها لا تستطيع أن تقدم لبنا لصغيرها ، لأنها لا تجد ما تأكله أو تشربه ... هناك تترك صغيرها فى غير مبالاة لتبحث عن طعام أو شراب .. لقد خرجت عن حنان الأمومة الغريزى .

الفراء أو الحمار الوحشى أيضا لا يعيش إلا فى البرارى ، لكنه الآن انطلق إلى الهضاب العالية لعله يجد هواء رطبا على المرتفعات .

أصاب عيونها الضعف الشديد ، هنا يعنى أن علامة الموت قد ظهرت حتى على العينين اللتين كلتا جدا لتفقدا البصيرة بغير رجعة !

ما أبشع الخطية فى حياة الإنسان المعتزل إلهه مصدر صلاحه وحياته واستنارته !

الآن يقدم النبى صلاة قصيرة أشبه بمرثاة ، من أجل كارثة خاصة بالأمة كلها ، قدمها كشفيع ونائب عن الشعب ، فيها يعترف بخطايا الشعب ، طالبا مراحم الله ، نصها الآتى :

" وان تكن آثامنا تشهد علينا يا رب ،

فاعمل لاجل اسمك.

لان معاصينا كثرت.

اليك اخطأنا.

يا رجاء اسرائيل مخلصه في زمان الضيق ،

لماذا تكون كغريب في الارض ؟!

وكمسافر يميل ليبيت ؟!

لماذا تكون كانسان قد تحير ؟!

كجبار لا يستطيع ان يخلّص ؟!

وانت في وسطنا يا رب ،

وقد دعينا باسمك.

لا تتركنا " ع 7 – 9 .

يعترف إرميا النبى عن خطايا الشعب كأنها خطاياه الشخصية .

بهذا حمل نبوة عن السيد المسيح الذى حمل خطايا العالم على الصليب ، حيث يقول : " إلهى ، إلهى ، لماذا تركتنى ؟! مت 27 : 46 .

هذه مشاعر الحب الحقيقى التى يليق بكل مؤمن أن يتمتع بها ، حيث يتألم مع آلام كل عضو ، مصليا لأجل الآخرين كما لأجل نفسه ، حاسبا سقوط الغير كانه سقوط له . وكما يقول القديس بولس : " أذكروا المقيدين كأنكم مقيدون معهم " عب 13 : 3 .

مرثاة رائعة ، لو أنها قدمت من الشعب لتغير التاريخ كله ، قدمها إرميا عن الشعب ، لكن لم تخرج من أعماق قلب الشعب ، ربما حفظها البعض وكرروها بلسانهم دون قلبهم ... لهذا لم يستجب الرب !

ما نفعها إذن ؟ انتفع بها إرميا نفسه ، وتزكى هو ومن حوله ، كما قدمها مثالا حيا للتوبة عبر الأجيال ينتفع بها الكثيرون .

يبدأ المرثاة بالأعتراف بالخطية ، فإنه إذا ما تمت محاكمة لا حاجة إلى شهود ، فإن آثامنا تشهد ضدنا : أفكارنا وكلماتنا وتصرفاتنا تقف كخصم ضدنا .

جاءت إجابة الرب على المرثاة التى قدمت باسم الشعب :

" هكذا احبوا ان يجولوا.

لم يمنعوا ارجلهم فالرب لم يقبلهم.

الآن يذكر اثمهم ويعاقب خطاياهم.

وقال الرب لي لا تصل لاجل هذا الشعب للخير " ع 10 ، 11 .

نجد حوارا مشابها بين الله والشعب فى الرؤيتين اللتين سجلهما عاموس النبى ( عاموس 7 : 1 – 6 ) ، غير أننا نجد فى عاموس الله يستجيب للصلاة وينزع التأديب ، أما هنا فالتأديب يحل بالشعب والحيوانات ، مع تأكيد حتمية التأديب على المعاصى المرتكبة ( ع 10 ) .

يقول الرب : " هذا الشعب " ، وليس " شعبى " ، إذ ينسحب الله من الإنتساب إليهم ، لأنهم خانوا العهد ، بهذا فقدوا سمتهم كشعب دخل مع الله فى ميثاق ، أى فقدوا حقهم فى الحوار المباشر معهم كطرف فى العهد الإلهى .

" يجولوا " أى يتحركون دون هدف ولا إتزان ، بعيدا عن الله . ظانين أن راحتهم خارج الحب الإلهى .

هنا يعود الله فيكرر طلبته لإرميا للمرة الثالثة ألا يصلى لأجل الشعب كى يرفع الله عنهم التأديب . تكرار الطلب يؤكد أن إرميا لم يكف عن الصلاة من أجل الشعب ، وكأن ما سأله إياه لم يكن أمرا عصاه النبى ، إنما هو إعلان عن عدم استجابة الصلاة فى هذا الأمر ( رفع التأديب ) بالذات .



( 2 ) مسئولية الأنبياء الكذبة
" حين يصومون لا اسمع صراخهم ،

وحين يصعدون محرقة وتقدمة لا اقبلهم ،

بل بالسيف والجوع والوبإ انا افنيهم " ع 12 .

ليس فقط يسأل إرميا ألا يصلى لأجلهم ، وإنما يرفض اصوامهم وذبائحهم وتقدماتهم ، لأنهم يقدمونها طلبا للعتق من التأديب ، وليس للألتصاق بالله .

إذ يتحدث إرميا على لسان الشعب يكمل حواره مع الله كمن يعطى عذرا للشعب أنهم خدعوا بواسطة الأنبياء الكذبة .

" فقلت آه ايها السيد الرب.

هوذا الانبياء يقولون لهم :

لا ترون سيفا ولا يكون لكم جوع ،

بل سلاما ثابتا اعطيكم في هذا الموضع.

فقال الرب لي.بالكذب يتنبأ الانبياء باسمي.

لم ارسلهم ولا امرتهم ولا كلمتهم.

برؤيا كاذبة وعرافة وباطل ومكر قلوبهم هم يتنبأون لكم " ع 13 ، 14 .

اتسم هؤلاء الأنبياء بالخداع والكذب ، يخدعون حتى أنفسهم ، فيظنون أفكارهم الخاصة بهم هى إرادة الله .

يتكلم الأنبياء الكذبة بالباطل ، إذ ينطقون بالناعمات لإراحة ضمائر الخطاة . الأول يتحدث بلسان الرب ويعلن بأمانة عن إرادته وخطته وتأديباته ، أما الآخرون فيتكلمون من عندياتهم .

" لذلك هكذا قال الرب عن الانبياء الذين يتنبأون باسمي وانا لم ارسلهم ،

وهم يقولون لا يكون سيف ولا جوع في هذه الارض ،

بالسيف والجوع يفنى اولئك الانبياء.

والشعب الذي يتنبأون له يكون مطروحا في شوارع اورشليم من جرى الجوع والسيف وليس من يدفنهم هم ونساؤهم وبنوهم وبناتهم ،

واسكب عليهم شرهم " ع 15 ، 16 .

أولا : أخطا الأنبياء الكذبة لأنهم يخدعون الآخرين ولو بكلمات معسولة لإراحة ضمائرهم .

ثانيا : يتنبأون باسم الله الذى لم يرسلهم ، فمن جانب يدعون كذبا أنهم مرسلون منه ، ومن جانب آخر ينسبون لله ما يقولونه كذبا .

ثالثا : كلماتهم المعسولة ليس فقط تعجز عن تقديم راحة صادقة للشعب ، وإنما هم أنفسهم أيضا يهلكون .

رابعا : إن كان المنتمون لهم مخدوعين لكنهم ليسوا أبرياء ، لأن الله أرسل لهم أنبياء يشهدون للحق الإلهى ، فهم بلا عذر . لقد قبلوا وهم عميان أن يقتادهم عميان ، فسقط الكل فى حفرة التأديب الإلهى .

خامسا : لا يقف التأديب عند الأنبياء الكذبة والشعب ، لكن حتى المدينة المقدسة تتنجس بجثث الموتى الملقاة فى شوارعها بلا دفن .

سادسا : الهلاك على مستوى أسرى ، فالتأديب يلحق بالرجل كما بالمرأة وبالوالدين كما بالأبناء .



( 3 ) حوار بين الله والنبى
فى الحوار بين الله والنبى إرميا بخصوص ما يحل بالشعب من تأديبات بسبب شرورهم نلاحظ الآتى :

أولا : ليس فقط الخليقة تئن بسبب القحط ، وإنما يشاركها إرميا النبى نفسه ، ليس حزنا على الخسائر المادية ، وإنما على ما بلغه الشعب من قحط روحى من جهة كلمة الله وقبول إرادته .

" وتقول لهم هذه الكلمة :

لتذرف عيناي دموعا ليلا ونهارا ولا تكفا ،

لان العذراء بنت شعبي سحقت سحقا عظيما بضربة موجعة جدا " ع 17 .

أمر الله إرميا أن يكف عن الصلاة من أجل الشعب بخصوص رفع التأديب عنهم ، لكننا لم نسمعه يأمره بالكف عن البكاء من أجلهم ، بل بالعكس نراه هنا يطلب من إرميا أن يكون بكاؤه علانية ، وأن يعلن للشعب أنه لن يتوقف عن البكاء ليلا ونهارا ، بكاء من يئن لأجل عذرائه الوحيدة المنسحقة جدا بضربة مرة للغاية . كأن الله يعتز بهذه الدموع ، لأنها تعبر عن المشاعر الإلهية خلال نبيه ، فهو وإن أدب لا يطلب لشعبه السحق العظيم بل الفرح المجيد بالتوبة والرجوع إليه .

لا يكفى أن نبكى أحباءنا ، بل أن نصلى حتى فى الخفاء بدموع عنهم ، هذا أعظم وأثمن فى عينى الله !

ثانيا : هلاك عام فى الحقول كما فى المدن ، بين الشعب كما بين الأنبياء الكذبة .

" اذا خرجت الى الحقل فاذا القتلى بالسيف ،

واذا دخلت المدينة فاذا المرضى بالجوع ،

لان النبي والكاهن كليهما يطوفان في الارض ولا يعرفان شيئا " ع 18 .

وكما جاء فى تث 28 : 6 : " ملعونا تكون فى المدينة ، وملعونا تكون فى الحقل " .

يرى البعض فى عبارة " النبى والكاهن كليهما يطوفان فى الأرض ولا يعرفان شيئا " أنها تحققت بسبى يهوذا حيث أقتيد الأنبياء والكهنة إلى أرض لا يعرفون عنها شيئا .

ثالثا : اكتشاف الرجاء الباطل الذى قدمه الأنبياء الكذبة بروح الخداع .

" هل رفضت يهوذا رفضا ؟!

او كرهت نفسك صهيون ؟!

لماذا ضربتنا ولا شفاء لنا ؟!

انتظرنا السلام فلم يكن خير ،

وزمان الشفاء فاذا رعب " ع 19 .

كنائب عن الشعب الذى أعماه الأنبياء الكذبة بخداعاتهم يحاور الله متعجبا كيف يرفض الله يهوذا ، وتكره نفسه صهيون ، ويضرب بلا شفاء ، ينزع السلام ويسمح لهم بالرعب . كانت فتاوى الأنبياء الكذبة تؤكد ليهوذا أنه ليس من ضربات بلا شفاء ! ولا من رعب ، بل صحة وسلام ! لأنها تضم السبط الملوكى وتحتضن أورشليم مدينة الله حيث الهيكل والعبادة القانونية ، وأن الضربات ستحل بإسراشيل ( العشرة أسباط ) فقط !

رابعا : يستدر إرميا النبى مراحم الله ، معترفا بخطاياهم وخطايا آبائهم كأنها خطاياه الشخصية ، إذ يقول :

" قد عرفنا يا رب شرنا اثم آبائنا لاننا قد اخطأنا اليك " ع 20 .

عندما يشير إلى آثام الآباء لا يعنى أن الإنسان يجنى ثمرة آثامهم ، إنما هنا تأكيد أن الخطية متأصلة فيهم عبر الأجيال ، وأنه توجد خطايا جماعية عاش الكل فيها جيلا بعد جيل .

يتوسل إرميا إلى الله ، ليس متكلا على بر ذاتى ، ولا على عبادة ما ، وإنما على الآتى :



أ – لأجل اسم الله القدوس

" لا ترفض لاجل اسمك " ع 21 .

حينما يذكر اسم الله يعنى به الله نفسه .

ب – لأجل كرسى مجده :

" لا تهن كرسي مجدك " ع 21 .

كرسى مجد الله هو السماء كما جاء فى إش 66 : 1 ، غير أن النبى يدرك أن الله يريد أن يقيم ملكوته فى صهيون الروحية ، فى وسط شعبه حين يتقدس ، فيقال : " الله جلس على كرسى قدسه " مز 47 : 8 . ويجلس الله فى النفس المقدسة كما فى عرشه .

جـ - من أجل الميثاق الذى أقامه الله مع شعبه :

" أذكر . لا تنقض عهدك معنا " ع 21 .

د – لأنه الخالق وحده :

" هل يوجد في اباطيل الامم من يمطر ؟!

او هل تعطي السموات وابلا ؟!

أما انت هو الرب الهنا ؟!

فنرجوك لانك انت صنعت كل هذه " ع 22 .

إن كان الله قد سمح بالجفاف فهو واهب المطر ، ليس من يقدر أن يخلصهم من القحط إلا الخالق نفسه .

وكما يقول زكريا النبى : " اطلبوا من الرب المطر فى أوان المطر المتأخر ، فيصنع الرب بروقا ويعطيهم مطر الوبل " زك 10 : 1 .

+ + +
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://eng.roniajesus@yahoo.com
بحبك يا مارمينا
خادم المنتدى
avatar

انثى عدد الرسائل : 785
العمر : 29
المزاج : نشكرربناعلي كل حال
اعلام الدول :
المهنة :
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: *** موضوع متكامل لتفسير سفر ارميا كتابيا ***   الجمعة فبراير 12, 2010 11:36 pm

إرميا – الإصحاح الخامس عشر

الشفاعة المرفوضة

يكمل هذا الإصحاح الحديث عن التأديب بالقحط ، حيث يؤكد الرب حتمية هذا التأديب بسبب إصرار الشعب مع القادة على الشر ، رافضا كل شفاعة عنهم ، حتى إن قدمها موسى وصموئيل النبيين .



( 1 ) الشفاعة المرفوضة
" ثم قال الرب لي وان وقف موسى وصموئيل امامي لا تكون نفسي نحو هذا الشعب.

اطرحهم من امامي فيخرجوا " ع 1 .

نحن نعلم أن شفاعة النبى لدى الله من أجل الشعب كانت عملا أساسيا فى حياته ، لذا أراد الله تأكيد صدق نبوة إرميا بالرغم من عدم قبول شفاعته فى أمر رفع التأديب ، لأنه وإن تشفع موسى وصموئيل النبيين لن تقبل شفاعتهما فى ذلك الحين ، ولن يسمح للشعب أن يقف أمامه . كأن عدم قبول شفاعة إرميا ليس علتها ضعف فى شخصه أو فى عمله ، وإنما فى إصرار الشعب على عدم التوبة .

ذكر المزمور 99 : 6 موسى وصموئيل كشفعاء عظماء يستجيب الله صلواتهم .

لم يكن هذان النبيان شفيعين فحسب ، بل كانا أيضا وسيطين فى إقامة عهد بين الله والشعب .

ذكر هذين النبيين له معنى خاص بالنسبة لإرميا النبى ، إذ كان ينظر إليهما كنموذجين حيين لخدمته ، حاسبا نفسه خلفا فى سلسلة الأنبياء .

الله الذى يسر بوحدتنا وصلاتنا لبعضنا البعض يرفض أحيانا حتى شفاعة قديسيه متى رأى فينا تهاونا بخلاصنا ، فإنه لا يستطيع إنسان ما أن يفدينا .



( 2 ) التأديب

" ويكون اذا قالوا لك الى اين نخرج ؟

انك تقول لهم :

هكذا قال الرب :

الذين للموت فالى الموت ،

والذين للسيف فالى السيف ،

والذين للجوع فالى الجوع ،

والذين للسبي فالى السبي " ع 2 .

يتساءل الشعب : " إلى أين نخرج ؟ " .... نوع من التذمر .

هذه الصور تكشف عن عمل الخطية



يتم التأديب فى إحدى الصور الأربع التالية :

الموت : " أجرة الخطية موت " ( رو 6 : 23 ، تك 2 : 17 ؛ يع 1 : 15 ) .

أو السيف : " نسقط تحت سيف كلمة الله " ( عب 4 : 12 ) .

أو القحط : بالخطية تدخل النفس فى مجاعة وقحط لا إلى الخبز المادى ، بل إلى كلمة الله ، فلا تجد شبعا فى الكلمة ولا عذوبة ، وكما قيل :

" هوذا أيام تأتى يقول السيد الرب أرسل جوعا فى الأرض ، لا جوعا للخبز ولا عطشا للماء ، بل لأستماع كلمات الرب .... " عا 8 : 11 – 13

أو السبى : أخيرا بالخطية نسقط تحت سبى إبليس ، نفقد حرية مجد أولاد الله .

" وأوكل عليهم اربعة انواع يقول الرب:

السيف للقتل ،

والكلاب للسحب ،

وطيور السماء ووحوش الارض للأكل والاهلاك.

وادفعهم للقلق في كل ممالك الارض " ع 3 ، 4 .

اختيار رقم 4 للتأديب يحمل معنى رمزيا ، إذ يشير إلى التراب أو إلى الأرض بكونها ذات أربع اتجاهات ، وكأن ثمر الخطية هو أن يصير الإنسان أرضا ، لا يقدر أن يختبر السمويات .

كأن الإنسان الذى يقبل الخطية فى حياته يصير فريسة لأربعة أمور :

فريسة للموت مع بشاعة الألم حيث تضربه الخطية كما بالسيف .

فريسة للمهانة والخزى ، حيث تسحبه الكلاب على التراب ..

فريسة لطيور السماء ، أى تفترسه الشياطين ، خاصة شيطان الكبرياء .

أخيرا فريسة لحيوانات البرية التى تشير إلى شهوات الجسد ، فتحطمه الشهوات ولا يقدر أن يقاومها .

ربما يتساءل البعض : لماذا يسلمهم الله للهلاك ؟ فيجيب :

" من اجل منسّى بن حزقيا ملك يهوذا ،

من اجل ما صنع في اورشليم " ع 4 .

كان حزقيا رجلا صالحا ، طهر الهيكل من الرجاسات الوثنية ، لكن تبوأ أبنه عرش يهوذا سنة 693 ق.م. وهو ابن اثنتى عشرة سنة ، واشتهر فى أول ملكه بنشر العبادة الوثنية والرجاسات مع العنف وسفك الدماء ، فصار الشعب أشر من الأمم ( 2 مل 21 : 2 – 9 ) . ذكر على وجه الخصوص لأنه كان أشر ملوكهم ، أو لأنه ملك أكثر من غيره ، فلم ينس بعد فى أيام إرميا ( 2 مل 21 : 10 – 15 ) .

هنا تظهر خطورة القائد ، متى تنجس قلبه أفسد المجتمع ، فتصير الصلوات ( بغير التوبة ) مرفوضة ، حتى إن قدمها موسى أو صموئيل أو إرميا . لقد حل غضب الله على الجماعة التى أفسدتها القيادة الشريرة .

" فمن يشفق عليك يا اورشليم ؟

ومن يعزيك ؟ ومن يميل ليسأل عن سلامتك ؟ " ع 5 .

هذا هو عمل الخطية الذى نراه واضحا فى حياة البشرية ، الشعور بالعزلة والوحدة . ليس من يقدر أن يشارك مشاعره الحقيقية ولا من يعزيه ، حتى وإن اجتمع حوله المئات أو الألوف وربما الملايين ، حتى وإن نال شهرة عالمية أو كرامة فائقة .. ففى أعماقه لا يجد من يعزيه ويسأل عن سلامته أو يحييه .

يتساءل إرميا النبى : " من يشفق عليك يا أورشليم ؟ " ع 5 .

إن كنت لا تشفقين على نفسك ؟

تأتى الإجابة كما فى أغلب الأسئلة الواردة فى هذا السفر : " المسيا المخلص ! " .

هو وحده يشفق على الخاطىء ، ويهتم به ويعزيه ، ويرد له سلامه بعمل صليبه . لم يعد أحد يشفق على أورشليم ، أعداؤها يشمتون فيها ، وأبناؤها يهلكون ، وأصدقاؤها يهربون أمام فادحة الخطر الذى لحق بها .



لا تنتظر يا عزيزى أحدا يشفق على أورشليمك الداخلية ، إلا الله الآب الذى أحبك وأسلم ابنه الوحيد للصليب لأجل خلاص نفسك ، فتترنم مع الرسول قائلا :

" الذى لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين ، كيف لا يهبنا أيضا معه كل شىء ؟! " رو 8 : 32 .

يعلق العلامة أوريجينوس على هذه العبارة قائلا :

[ نريد أن نفهم جميع تلك الكلمات المملوءة وعيدا لأورشليم :

" فمن يشفق عليك يا اورشليم ؟

ومن يعزيك ؟ ومن يميل ليسأل عن سلامتك ؟

انت تركتني يقول الرب.

الى الوراء سرت فامدّ يدي عليك واهلكك.

مللت من الندامة.

واذريهم بمذراة في ابواب الارض.

اثكل وابيد شعبي "

لقد وضعتنى هذه الكلمات فى مأزق ، وهو محاولة التوفيق بين صلاح الله ورفضه الرحمة لشعبه .

إذا كانت أورشليم بسبب خطاياها حكم الله عليها بذلك ؟ فمن من الملائكة يمكن أن يشفق عليها ؟

يجب علينا نحن أيضا ألا نشفق على أورشليم ومصائبها ، ولا نحزن على ما أصاب شعبها ، لأنه : " بزلتهم صار الخلاص للأمم ( لنا ) لإغارتهم " رو 11 : 11 . ]

لئلا يظن أحد أن الله يعاقب الشعب كله من أجل خطايا منسى الشخصية يوجه حديثه إليهم كعروس له ، قائلا : " أنت تركتينى " ع 6 . لقد تحالفتى مع منسى وشاركتيه شره .. وانتظرت عودتك لكنك تشبثتى بتركك إياى .

وصفها كعروس خائنة متراجعة أو كمن جعل من نفسه عدوا لله فتقهقر ، ومع ذلك يعمل الله لرجوعها ، قائلا :

" واذريهم بمذراة في ابواب الارض.

اثكل وابيد شعبي .

.لم يرجعوا عن طرقهم.

كثرت لي اراملهم اكثر من رمل البحار.

جلبت عليهم على ام الشبان ناهبا في الظهيرة.

اوقعت عليها بغتة رعدة ورعبات.

ذبلت والدة السبعة ،

اسلمت نفسها.

غربت شمسها اذ بعد نهار.

خزيت وخجلت ،

اما بقيتهم فللسيف ادفعها امام اعدائهم يقول الرب " ع 7 – 9 .

أ – يشبههم بالمحصول الذى ليس فيه حنطة بل كالقش ، متى قام المزارع بتذريتهم يحملهم الريح ويبددهم العاصف ، هكذا تبددوا إلى بابل فى السبى . لا يذريهم فى الحقول بل " فى أبواب الأرض " ، ماذا يعنى هذا ؟ من كان حنطة يستحق الدخول إلى أبواب صهيون الحقيقية ، ليكون فى بيت الرب ، أما من كان قشا فيدخل فى أبواب الهاوية ( إش 38 : 10 ) .

ب – يشبه مملكة يهوذا بسيدة رفضت أن تكون إبنة لله ، ففقدها وصار كمن هو محروم من إبنته . تفقد هى أيضا رجلها وبنيها وتحرم منهم ، فتصير أرملة وثكلى .

جـ - لا يحدث ذلك تدريجيا إنما دفعة واحدة فى وقت الظهيرة ، حتى تصير الأم التى لها سبعة شباب أرملة ، تفقدهم معا فتشتهى الموت ، تصير لها الظهيرة ظلاما ، وكأن النور يفارق عينيها .

جاء فى تسبحة حنة أم صموئيل : " حتى أن العاقر ولدت سبعة ، وكثيرة البنين ذبلت " 1 صم 2 : 5 . وكأن انجاب سبعة بنين يحمل علامات البركة ( را 4 : 15 ) ، وبالتالى فقدانهم فى وقت الظهيرة يحمل معنى اللعنة .

لعله يقصد فقدانهم فى وقت الظهيرة أى فقدانهم فى ظهيرة عمرهم .

بقولـه : " غربت شمسها إذ بعد نهار " ع 9 تشير إلى حالة الحداد ، فقد لبست النساء الملابس السوداء بعد قتل الرجال والأولاد ، حيث صار الكل أرامل .



( 3 ) انهيار نفسية إرميا إلى حين
شعر إرميا النبى بالضعف الشديد ، فمن جهة كانت كلمة الله كنار فى قلبه ، لم يحتمل برقة مشاعره ما سيحل بشعبه من قحط ودمار ، وحين التزم أن ينطق بها ظنه الشعب أنه قاسى القلب ، عنيف ، غير وطنى ، هنا اشتهى إرميا لو لم يولد .

" ويل لي يا امي ،

لانك ولدتني انسان خصام ،

وانسان نزاع لكل الارض.

لم اقرض ولا اقرضوني ،

وكل واحد يلعنني " ع 10 .

حديثه هنا لا يستلزم أن والدته كانت على قيد الحياة ، وأنه يخاطبها ، إنما يعلن بطريقة مجازية كيف أنه إن كان قد دعى للخدمة وهو بعد فى الأحشاء ( 1 : 5 ) ، رفض أيضا منذ البداية . إنها صرخة ليست موجهة إلى امه بل إلى الله الذى دعاه للخدمة .

" لكل الأرض " : لم يصر إرميا إنسان نزاع بالنسبة لكل الأرض ، إلا إذا قلنا أن " كل الأرض " يقصد بها كل أرض اليهودية فقط .

لكن أليس من الأفضل أن نطبق هذا الكلام على السيد المسيح بدلا من إرميا ؟ .

" لم أقرض ولا أقرضونى " : أراد السيد المسيح أن يقرض البشرية حياته ويقترض حياتهم ، يدخل معهم فى ميثاق حب ، يقبلونه ميراثا لهم ، ويقبلهم نصيبا له ، لكنهم رفضوا هذا الميثاق ، وعوض الحب صار " كل واحد يلعننى " ع 10 .



( 4 ) الله يسند نبيه
شدد الرب إرميا ، مؤكدا له أنه تكفيه نعمته ، ففى الضعف يتبين قوة الله .

" إن قال الرب اني احلّك للخير.

اني اجعل العدو يتضرع اليك في وقت الشر وفي وقت الضيق " ع 11 .

ربما يتساءل إرميا : إن كان شعبى قد دخل معى فى خصام ، فماذا يفعل بى العدو ( بابل ) ؟ جاءت الإجابة من قبل الرب أن العدو سيتضرع إليه وقت السبى ويعامله بكل لطف أثناء الضيق . هذا ما حدث إذ طلب نبوخذنصر من القائد أن يعامل النبى بكل لطف ، ويترك له حرية الأختيار إن كان يبقى فى بلده أو يذهب مع المسبيين .



( 5 ) سبى الشعب

" هل يكسر الحديد الحديد الذي من الشمال والنحاس ؟

ثروتك وخزائنك ادفعها للنهب ،

لا بثمن بل بكل خطاياك وفي كل تخومك.

واعبرك مع اعدائك في ارض لم تعرفها ،

لان نارا قد أشعلت بغضبي توقد عليكم " ع 12 – 14 .

كأنه يقول لمملكة يهوذا بكل قياداتها وشعبها : إن كنت تظنين إنك كالحديد ، لكنك لا تقدرين أن تقفى أمام بابل التى جعلتها كحديد قوى ونحاس . لا تستطيعين الوقوف أمام تأديبات الرب . لا تنفعك قوتك ولو كانت كالحديد ، ولا ثروتك أو خزائنك ، فإنها تنهب بيد العدو .. خطاياك تدفعك إلى يد العدو لتساقى إلى أرض السبى ، إلى أرض غريبة لم تعرفيها من قبل ... هذا كله لأنك إقتنيت نار غضبى عوض نار محبتى !

عمل الخطية هو أنه يسحبنا من أرضنا إلى أرض السبى ، ينتزعنا عن أرض الحق لندخل إلى مذلة العبودية التى لا تعرف إلا العنف والكذب والخداع .







( 6 ) تعزيات وسط الآلام
" انت يا رب عرفت.

اذكرني وتعهدني وانتقم لي من مضطهديّ.

بطول اناتك لا تأخذني.

اعرف احتمالي العار لاجلك.

وجد كلامك فأكلته ،

فكان كلامك لي للفرح ولبهجة قلبي ،

لاني دعيت باسمك يا رب اله الجنود " ع 15 ، 16 .

كان إرميا النبى فى حاجة إلى تعزيات سماوية وسط المر الذى يعيش فيه ، إذ كان محصورا بين تطلعه إلى شعبه وهو يسقط تحت تأديبات قاسية وربما إلى هلاك أبدى إن أصر على شره ، وبين مقاومة الكثيرين له .



أما تعزيات الله فمصدرها الآتى :

أ – أنه موضوع معرفة الرب : " أنت يارب عرفت " ع 15 .

فى وسط الضعف نشعر كأن الأمور تسير اعتباطا بلا خطة ، لكن إرميا أدرك بإيمانه أن الله يعرف كل شىء ، وليس شىء خفيا عنه . حياته وحياة البشرية كلها فى يد ضابط الكل ، الذى يعرف كيف يحول حتى المر إلى عذوبة .

ب – موضوع تذكر الله ورعايته " اذكرنى وتعهدنى وانتقم لى من مضطهدى " ع 15

كثيرا ما يشعر الإنسان بالعزلة ، وإهمال الكل له ، وعدم مشاركة أحد له ، لكن يكفيه أن يجد الله نفسه يذكره ويتعهده ويدافع عنه ضد مضطهديه .

جـ - طول أناة الله " بطول اناتك لا تأخذني " ، لا يحمل إرميا النبى كراهية ضد إنسان ، وإن طلب النقمة إنما يشتهى تأديب مقاومى الحق لأجل توبتهم ورجوعهم إلى الله ...

د – كلمة الله المفرحة

وسط الآلام المرة ، ومع إدراكه لكلمة الله التى تؤدب كان إرميا فى يقين أنها مصدر فرحه وبهجة قلبه ، إذ يقول : " وجد كلامك فأكلته ، فكان كلامك لي للفرح ولبهجة قلبي ، لاني دعيت باسمك يا رب اله الجنود " ع 16 .

كلمة الله تهب رجاء يفرح القلب .

أكل إرميا النبى كلام الرب ، إذ سبق فأعلن أن الله وضع كلامه فى فمه ( 1 : 9 ) . إشارة إلى قبول الدعوة للخدمة قبولا تاما .

هـ - الألتقاء مع الله

سر تعزية أنه أعتزل مجالس الأشرار المازحين ، الذين يطلبون الفرح الزمنى المملوء مزاحا ليجلس مع الله وحده ، يبكى على خطايا الشعب ويحزن ويغضب بسبب هلاكهم ، دون أن يفقد سلامه وبهجته . إذ يقول :

" لم اجلس في محفل المازحين مبتهجا.من اجل يدك جلست وحدي لانك قد ملأتني غضبا " ع 17 .

المزاح هو عدم الجدية فى اهتمام الإنسان بخلاص نفسه وخلاص الآخرين ، سواء فى عبادته الخاصة أو العامة أو خدمته للغير .

مجلس المازحين هم جماعة الأنبياء الكذبة الذين نطقوا بغير الحق ، وظنوا فى ذلك بهجة وسلاما ، أما إرميا الناطق بالحق فبقى وحده ، إذ تركه الجميع وحسبوه متشائما .. أدرك غضب الله على شعبه فامتلأ حزنا !

من أجل يد الله جلس إرميا وحده وامتلأ بغضب الله ، ويقصد بيد الله هنا الإعلان النبوى أو الكشف عن خطة الله ...

" لماذا كان وجعي دائما ؟!

وجرحي عديم الشفاء يأبى ان يشفى !

أتكون لي مثل ( جدول مياة ) كاذب مثل مياه غير دائمة " ع 18 .

كثيرا ما استخدم إرميا النبى اصطلاحات طبية ، فقد شعر بخطورة المرض الذى أصاب شعبه ، مظهرا تعاطفا شديدا معهم .

والآن يشعر بالجراحات قد أصابته هو ، ربما بسبب شدة اضطهادهم له ، فصار مريضا وجريحا ، جرحه عديم الشفاء . إنه لا يعاتب الشعب الذى اضطهده ، وإنما فى مرارة نفسه ودالة الحب يعاتب الله الذى أرسله للخدمة ، قائلا له : " لماذا ؟ " ربما فى جسارة يعاتبه : " أتكون لى مثل كاذب ، مثل مياة غير دائمة " ... فقد سخر به الكل ، وبدى كأنه قد هزم مع أن الله وعده بالنصرة والحماية الدائمة ... بقوله " مثل " يؤكد إرميا أن الله لم يخدعه ولن يكون كمجرى ماء كاذب ، لكن هكذا ظهر الله فى عينى أعداء إرميا الذين عيروه .



( 7 ) الله يشدد إرميا النبى
يجيب الله على إرميا بخصوص الأسئلة السابقة ، قائلا :

" لذلك هكذا قال الرب.ان رجعت ارجعك فتقف امامي ،

واذا اخرجت الثمين من المرذول فمثل فمي تكون.

هم يرجعون اليك وانت لا ترجع اليهم " ع 19 .

إن كان إرميا النبى قد شعر أن جرحه دائم وبلا شفاء ، فإن الله يقدم له الحل أو الدواء وهو : " إن رجعت أرجعك فتقف أمامى " ع 19 .

تمس هذه الإجابة حياة كل مؤمن تراجع عن الله فى ضعف أو بسبب خطيته ، لكن يبقى الله يدعوه للعودة إليه ، فإن له موضعه فى حضن الآب .

بلا شك لم يتراجع إرميا عن رسالته تماما ، فقد عاش مخلصا لها ، لكن ربما مرت به لحظات ضعف كإنسان .

إخراج الثمين من المرذول يعنى إخراج نفوس مقدسة مبررة كانت قبلا مرذولة بسبب خطاياها ، فإنه ليس أعظم من أن يهتم إنسان بخلاص إخوته ويحولهم من الإنحطاط بالخطية إلى التمتع ببر المسيح .

عندما يكون لسانك مثل لسان المسيح ، عندما يكون فمك مثل فم الآب ، عندما تصير هيكلا للروح القدس ، أى كرامة تعادل هذه الكرامة ؟!

" واجعلك لهذا الشعب سور نحاس حصينا ،

فيحاربونك ولا يقدرون عليك ،

لاني معك لاخلّصك وانقذك يقول الرب.

فانقذك من يد الاشرار ،

وافديك من كف العتاة " ع 20 ، 21 .

هنا يقدم الله لإرميا وعودا بتجديد قوته .

إن كان الله قد أقام إرميا النبى ليبكت الخطاة فليذكر إرميا أنه هو نفسه محتاج إلى الخلاص والفداء !

هذا ومن جانب آخر حين أعلن إرميا لله إيمانه أنه يذكره ويتعهده وينتقم له من مضطهديه ( ع 15 ) ، جاءت الإجابة الإلهية :

" فانقذك من يد الاشرار ، وافديك من كف العتاة " .

كأن الله يجيبه : لا تتطلع إلى إمكانياتك البشرية المجردة ، ولا تنظر على أعدائك ، بل إلى عملى معك وبك وفيك ... إنى أنقذك من يد الأشرار وأفديك من كف العتاة .
إرميا – الإصحاح السادس عشر

منعه من الزواج



إذ كانت الكارثة التى ستحل بالشعب مرة للغاية طلب منه ألا يتخذ لنفسه إمرأة ولا يكون له بنون ولا بنات ، لكى لا يقيم فى بيت خاص به ( ع 1 – 4 ) ، ولا يذهب إلى بيت حزن ( ع 5 –7 ) ، أو بيت وليمة ( ع 8 ، 9 ) ، بسبب السبى الذى يحل بالشعب . بهذا صارت حياة إرميا مرآة يرى من خلالها الشعب صورة عملية لما سيحل بهم من تأديبات إلهية وحرمان ! وكأن الله قدم إرميا نفسه وسيلة إيضاح ، يشهد بكلماته كما بسلوكه عن حكم الله عليهم .



( 1 ) حياة إرميا مرآة لحياة الشعب

" ثم صار اليّ كلام الرب قائلا :

لا تتخذ لنفسك امرأة ولا يكن لك بنون ولا بنات في هذا الموضع.

لانه هكذا قال الرب عن البنين وعن البنات المولودين في هذا الموضع ،

وعن امهاتهم اللواتي ولدنهم ،

وعن آبائهم الذين ولدوهم في هذه الارض :

ميتات امراض يموتون.

لا يندبون ولا يدفنون بل يكونون دمنة على وجه الارض ،

وبالسيف والجوع يفنون ،

وتكون جثثهم أكلا لطيور السماء ولوحوش الارض " ع 1 – 4 .

يرى البعض أن الآيات 1 – 9 تمثل قطعة شعرية ، فيها يتحدث الله مع إرميا بخصوص حياته وحياة الشعب .

امتنع كلا من إرميا النبى والرسول بولس عن الزواج ، لكن أهدافهما كانت مختلفة . امتنع إرميا النبى عن الزواج بأمر إلهى لكى لا تكون له زوجة وأبناء ، أما بولس الرسول فامتنع اختيارا لكى يكرس كل وقته وطاقاته للعبادة وخدمة الكلمة ( 1 كو 7 : 7 ، 26 ، 32 – 34 ) .

يظن البعض أن إرميا سبق أن تزوج وماتت زوجته بعدما أنجبت ، وقد منعه الله من الزواج الثانى ، بينما يرى آخرون أنه منعه من الزواج فى عناثوث فقط ، إذ قال له : " فى هذا الموضع " ع 1 . وسمح له بالزواج فى موضع آخر .

على أى الأحوال إذ سلم الأنبياء الحقيقيون حياتهم بين يدى الله تكلم بها على ألسنتهم وخلال حياتهم ، فكانوا يتنبأون بالعبارات النبوية والرؤى والأمثال كما بحياتهم ، نذكر على سبيل المثال :

زواج هوشع بزانية ( هو 1 – 3 ) يكشف عن خيانة الشعب لله وارتكابه الزنا الروحى بعبادة الأوثان وما يتبعها من رجاسات .

عدم مشاركة حزقيال فى جنازة زوجته ( حز 24 : 15 – 27 ) حيث لم يذرف عليها دمعة ولا نطق بكلمة حزن يعلن عن تدمير الشعب ، العروس المحبوبة لدى الله ، دون أن تجد من يبكيها .

بقولـه : " ميتات أمراض يموتون " ع 4 ، يعنى معاناتهم من أمراض كثيرة بسبب الحروب بوجه عام ، خاصة أثناء الحصار ، كما بسبب الجوع ، وأيضا معاناتهم من الآلام والمتاعب ، مع حالة من الرعب تؤدى بهم إلى الموت .

يعتبر عدم دفن الموتى وترك الجثث لكى تأكلها طيور السماء ووحوش البرية من ابشع أنواع اللعنات التى يسقط تحتها الإنسان ( تث 28 : 26 ) ، يزيدها لعنة أنهم لا يجدون من يندبونهم أو يبكون عليهم .

يمكن تصور المنظر هكذا أن الشوارع تمتلىء بالجثث بغير مبالاة ، فتترك طعاما للطيور الجارحة والحيوانات المفترسة ولا يوجد من يبكى الموتى ، لأنه لا يوجد من هو حى .

" لانه هكذا قال الرب :

لا تدخل بيت النوح ولا تمض للندب ولا تعزهم ،

لاني نزعت سلامي من هذا الشعب يقول الرب الاحسان والمراحم " ع 5 .

طلب منه ألا يدخل بيت النوح ، هذه الكلمة ظهرت مرة أخرى فى عا 6 : 7 فقط ، وهى تشير إلى اجتماع دينى لغرض جنائزى – يحدث فيه تصرفات منحلة .

انسحاب إرميا النبى عن المشاركة فى ولائم الجنازات يشير إلى انسحاب الله نفسه ورجاله عن حياة الشعب الذى أعطاه القفا لا الوجه . يسحب الله عنهم أربعة أمور :

أ – يسحب سلامه .

ب – يسحب انتسابه إليهم ..

جـ - يسحب عنهم إحسانه ....

د – ينزع عنهم مراحمه ..

بانسحاب إرميا عن الحياة العامة يعلن انسحاب الله نفسه بسلامه واحساناته ومراحمه فيسقطوا تحت اللعنة والحرمان والأمراض والخزى والموت !

" فيموت الكبار والصغار في هذه الارض، لا يدفنون ولا يندبونهم ،

ولا يخمشون ( يجرحون ) انفسهم ولا يجعلون قرعة من اجلهم " ع 6

هذه عادات وثنية تمنعها الشريعة لأنها مرتبطة بعبادة الإله الكنعانى البعل موت .. يبدو أن هذه العادات قد انتشرت فى إسرائيل على نطاق واسع .

" ولا يكسرون خبزا في المناحة ليعزوهم عن ميت ،

ولا يسقونهم كاس التعزية عن اب او ام " ع 7 .

هذه عادة أن يقدم المعزون الأكل والشراب ( القهوة ) لأسرة الميت ، لأنهم فى حالة حداد ، فى الطقس اليهودى المتأخر كان يقدم كأس تعزية ، وهو كأس خمر خاص يشربه رئيس الحزانى .

" ولا تدخل بيت الوليمة لتجلس معهم للأكل والشرب " ع 8 .

جاء " بيت الوليمة " هنا مقابل " بيت الحزن " كما جاء فى جا 7 : 22 ، غالبا ما يقصد به الأحتفال بالعرس .

الخلاصة أن الله يطالبنا ألا نجامل إنسانا على حساب الحق الإلهى وخلاص نفوسنا أو نفوس الآخرين .

" لانه هكذا قال رب الجنود اله اسرائيل.

هانذا مبطل من هذا الموضع امام اعينكم وفي ايامكم

صوت الطرب وصوت الفرح ،

صوت العريس وصوت العروس " ع 9 .

هنا نبلغ إلى جوهر القطعة الشعرية حيث يتحدث الله مع شعبه مباشرة .

تحولت البلاد التى رفضت الله الحى إلى أشبه بمقبرة لا يقام فيها ولائم مفرحة ، ولا يسمع فيها صوت طرب روحى ولا مراسيم زواج ، إنها حالة النفس التى يريد الرب أن يقيم فيها ملكوته ، ملكوت الفرح الحقيقى ، مملكة النور ، فإذا بها تصر أن تكون مملكة الظلمة والمرارة الفاقدة لكل بهجة قلب !

هنا يلزمنا ألا نتجاهل موقف إرميا النبى الذى يتقبل حكمة الرب بتسليم كامل دون تساؤل : إلى متى يكون هذا ؟!



( 2 ) اعتزال الحياة اليومية
" ويكون حين تخبر هذا الشعب بكل هذه الامور انهم يقولون لك :

لماذا تكلم الرب علينا بكل هذا الشر العظيم ؟

فما هو ذنبنا وما هي خطيتنا التي اخطاناها الى الرب الهنا ؟

فتقول لهم :

من اجل ان آباءكم قد تركوني يقول الرب ،

وذهبوا وراء آلهة اخرى وعبدوها وسجدوا لها ،

واياي تركوا وشريعتي لم يحفظوها.

وانتم اسأتم في عملكم اكثر من آبائكم ...

وها انتم ذاهبون كل واحد وراء عناد قلبه الشرير حتى لا تسمعوا لي.

فاطردكم من هذه الارض الى ارض لم تعرفوها انتم ولا آباؤكم ،

فتعبدون هناك آلهة اخرى نهارا وليلا حيث لا اعطيكم نعمة " ع 10 – 13 .

هذه العبارات ( ع 10 – 13 ) فى الواقع هى مرثاة صغيرة فى شكل أسئلة ( ع 10 ) يتبعها نطق بحكم على شعب يهوذا ( ع 11 – 13 ) .

من الجانب الأدبى تستخدم هذه الطريقة فى مواضع أخرى مثل تث 29 : 21 – 27 ، 1 مل 9 : 8 – 9 ، حيث تستخدم ثلاثة عناصر :

أ – سؤال بخصوص حكم يصدر .

ب – إجابة وتوضيح أن الحكم التأديبى بسبب جحود الشعب .

ج – تقرير عن الكارثة التى بسببها أثير التساؤل .

يجيب الله على سؤال الشعب هكذا :

أ – العقاب قادم لأن آباءكم تركوه .

ب – أم ما يفعلوه ليس بأفضل مما فعله آباؤهم ، بل أشر .

ج – لم ينتفعوا بخبرة آبائهم ومعاملات الله معهم .

هذا لا يعنى أن الله يدينهم من أجل آبائهم ، وأنهم بلا عذر ، إنما لأنهم سلكوا فى ذات الطريق فصارت الخطية تمثل خطية جماعية تجتاز عبر العصور .



( 3 ) خروج جديد
" لذلك ها ايام تأتي يقول الرب :

ولا يقال بعد حيّ هو الرب الذي اصعد بني اسرائيل من ارض مصر ،

بل حيّ هو الرب الذي اصعد بني اسرائيل من ارض الشمال ومن جميع الاراضي التي طردهم اليها ،

فارجعهم الى ارضهم التي اعطيت آباءهم اياها " ع 14 ، 15 .

تكرر هذا القول فى إر 23 : 7 – 8 مع اختلاف بسيط .

يعلن الله هنا أمرين :

أ – أن التأديب أو العبودية فى أرض السبى أكثر مرارة مما كان فى أرض مصر ..

ب – يقدم لهم أيضا رجاء أنهم سيعودون من السبى فى خروج جديد ، حتى متى سقطوا تحت قسوة التأديب لا ييأسوا ، ولا يظنوا أن السبى هو النهاية ، وإنما هناك عودة إلى أرض الموعد .

تعبير " حى هو الرب " هو قسم كان يمارسه اليهود يشيرون به إلى الله إله الخروج من مصر ، لكن إذ يختبروا خروجا جديدا يغيرون صيغة القسم .



( 4 ) الفرح بالخلاص المسيانى
بعد أن تحدث عن الفرح بالعودة من السبى ، دخل بنا إلى الفرح الحقيقى فى العهد الجديد حيث قدم لنا السيد المسيح كلمة الخلاص خلال تلاميذه ، ويكمل هذا الفرح بالأكثر عندما تحملنا الملائكة إلى اللقاء مع الرب فى اليوم الأخير ، إذ يقول :

" هانذا ارسل الى جزافين كثيرين يقول الرب فيصطادونهم ،

ثم بعد ذلك ارسل الى كثيرين من القانصين فيقتنصونهم عن كل جبل وعن كل اكمة ومن شقوق الصخور.

لان عينيّ على كل طرقهم.

لم تستتر عن وجهي ولم يختف اثمهم من امام عينيّ

واعاقب اولا اثمهم وخطيتهم ضعفين،

لانهم دنسوا ارضي وبجثث مكرهاتهم ورجاساتهم قد ملأوا ميراثي " ع 16 – 18 .

التشبيه الخاص بدعوة صيادى سمك للصيد بين شعب يهوذا شائع كما فى حز 12 : 13 ، 29 : 4 – 5 .

وأيضا صيادى الحيوانات الذين يصطادون حتى من شقوق الصخور كان معروفا ، كما جاء فى عا 9 : 1 – 4 .

يقصد بالتشبيهين أن عينى الله تنظران إلى كل شىء حتى ما يبدو مخفيا فى وسط البحار أو فى شقوق الصخور ، وأنه لا بد من المجازاة عن الشر أينما أرتكب .

يرى العلامة أوريجينوس أن الجازفون هم تلاميذ المسيح ، الذين اصطادوا النفوس ودخلوا بها إلى شبكة الكنيسة الملقاة فى بحر هذا العالم لتعيش كالسمك الصغير مع السمكة الكبيرة " المسيح نفسه " : " هلم ورائى فأجعلكما صيادين للناس " .

أما القانصون فهم الملائكة الذين يجتذبون المؤمنين الذين صاروا كالجبال والأكمة وتمتعوا بشقوق الصخور فصار لهم حق اللقاء مع عريسهم السماوى فى اليوم الأخير .

عندما تكون قد خرجت من البحر وأخذت فى شباك رسل السيد المسيح ، تغير فى نفسك وأترك البحر وامحه تماما من ذاكرتك ، ثم تعال إلى الجبال التى هى الأنبياء ، وعلى الأكمة التى هى الأبرار ، واقض هناك حياتك ، حتى متى جاء موعد رحيلك من هذه الحياة ، يرسل إليك صيادين من نوع جديد وهم الملائكة الذين يستلمون أرواح الأبرار ، فهم مكلفون باستلام الأرواح الموجودة على الآكام وليس الأرواح المائتة المطروحة إلى أسفل .

يقدم الرب تعليلا لتأديبهم ، قائلا : " لأنهم دنسوا أرضى " ع 18 .

ينسب الله القدوس لنفسه هذه الأرض التى وهبها لشعبه ، لذا لاق بهم أن يسلكوا فيها كما يليق بصاحبها القدوس ، فتكون أرضا مقدسة ، وتصير لهم أمانا .

يليق بكل ما ينسب للقدوس أن يكون مقدسا : ملائكته وكل الطغمات السمائية ، المؤمنون به ، هيكله ، الأوانى المستخدمة فيها ، المذبح ... الخ .

حتى الأرض التى يقدمها لشعبه ! ويحسب الله كل تدنيس أو افساد لقدسية هذه الأمور إهانة موجهة إليه شخصيا ! كل تدنيس لجسدك الذى هو هبته لك كهيكل لروحه القدوس ... إنما هى خطية موجهة ضد الله .

كثيرا ما يتساءل الشباب : لماذا يحسب الله الفكر الشهوانى خطية ؟ أو لماذا يعتبر الزنا خطية مادامت برضى الطرفين وليس من يصيبه ضررا فى المجتمع ؟ الأجابة أن فكرك كما جسدك وجسد الغير هو مركز ملكوت الله القدوس ، حتى الفكر الخفى الشرير إن قبلته بتهاون وتراخ فيه إساءة إلى مقدسات الله . عندما يمر بك فكر شرير قل لنفسك : " لا تدنس أرض الرب المقدسة ! " .

" يا رب عزي وحصني وملجإي في يوم الضيق ،

اليك تأتي الامم من اطراف الارض ويقولون :

انما ورث آباؤنا كذبا واباطيل وما لا منفعة فيه.

هل يصنع الانسان لنفسه آلهة وهي ليست آلهة.

لذلك هانذا اعرّفهم هذه المرة ،

اعرّفهم يدي وجبروتي فيعرفون ان اسمي يهوه " ع 19 – 21 .

يختتم هذا الإصحاح بقطعة شعرية رائعة تتحدث عن خلاص الشعب من السبى ، وفى نفس الوقت عن خلاص الأمم وقبولهم الإيمان فتكون لهم معرفة حية بالله مخلصهم .

يكشف إرميا النبى عن عظمة خلاص الله ، الأمر الذى يشد انتباه كل الأمم فيدركوا أن ما حدث لم يكن عن قوة بابل عندما سبت يهوذا ولا عن ضعفها عندما تحرر الشعب كله ( إسرائيل ويهوذا ) ، وإنما هى خطة الله ضابط التاريخ ، فى يده كل أمور البشرية .



يقول العلامة أوريجينوس : [ هلموا لنرى ماذا تقول النبوة عنا : " يا رب عزي وحصني وملجإي في يوم الضيق ، اليك تأتي الامم من اطراف الارض ويقولون : انما ورث آباؤنا كذبا واباطيل وما لا منفعة فيه" ع 19 .

جاءت الأمم من أطراف الأرض ، كيف " من أطراف الأرض " ؟ يوجد على الأرض أناس أولون ويوجد أيضا أناس آخرون ، حكماء هذا العالم وأغنياؤه هم الأولون وليسوا أولين على كل شىء .

ومن هم الآخرون ؟ : " واختار الله أدنياء العالم والمزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود " ( 1 كو 1 : 28 ) .

إذا " الامم من اطراف الارض " . كأنه يقول : إن تلك الأمم مكونة من الأدنياء والمزدرى بهم والجهال والناس الآخرين على الأرض .

" ويقولون : انما ورث آباؤنا كذبا واباطيل وما لا منفعة فيه " : ليس أن يوجد أصنام صادقة عكس الأصنام الكاذبة المذكورة فى الآية ، وإنما يقصد بها الأصنام عموما ، التى بطبيعتها كاذبة ولا يوجد فيها منفعة ] .

" هذه المرة " ماذا يقصد بـ " هذه المرة ؟ يقصد بها المجىء التالى للرب ، خاصة لأنه يضيف بعد ذلك : " فيعرفون أن اسمى يهوه " .

+ + +

إرميا – الإصحاح السابع عشر

خطايا يهوذا



بين الحين والآخر يكشف الله لنا لا عن خطورة الخطية وفاعليتها فحسب ، وإنما يعلن عنها فى تفاصيلها كما عن أثرها فى أعماق افنسان وطبيعته ، حتى نحذر منها فنهرب إليه ، بكونه الطبيب والدواء ، يستطيع وحده أن يجدد طبيعتنا ويهبها الشفاء !



( 1 ) الخطية المحتلة للقلب
قبل أن يحدثنا عن أهم الخطايا التى سقط فيها هذا الشعب ، والتى نسقط نحن فيها بصورة أو أخرى صور لنا خطورة هذه الخطايا بكونها تحتل القلب نفسه الذى كان يلزم أن يكون هيكلا لله ، وتنحت على قرون المذبح الداخلى ، فتفوح رائحة الدنس فينا عوض رائحة المسيح الذكية .

" خطية يهوذا مكتوبة بقلم من حديد ،

براس من الماس ،

منقوشة على لوح قلبهم وعلى قرون مذابحكم " ع 1

تنطبق هذه الخطية على الشعب اليهودى ... هذا تفسير سهل ..

وتنطبق على خطية يهوذا الأسخريوطى ...

ألا تنطبق هذه النبوة علينا نحن بالأكثر ؟

لقد أخطأنا وخطيتنا لم تكتب خارجا عنا ، إنما فى قلوبنا ، كتبت بقلم من حديد وبرأس من الماس .

" كذكر بنيهم مذابحهم وسواريهم عند اشجار خضر على آكام مرتفعة " ع 2

السارية هى عمود خشب مستقيم يثبت على الأرض بجوار المذبح ، وهو يمثل آلهة الخصوبة ، هذه التى من أجلها وبخ الله شعبه قائلا : " قائلين للعود أنت أبى " إر2 : 72 . كنوع من السخرية ، لأنها مؤنث ويخاطبونها كأب لا كأم ، أى فقدوا روح التمييز الطبيعى .

أما ثمر تلك النجاسات والرجاسات فهو :

" يا جبلي في الحقل ،

اجعل ثروتك كل خزائنك للنهب ومرتفعاتك للخطية في كل تخومك ،

وتتبرأ وبنفسك عن ميراثك الذي اعطيتك اياه ،

واجعلك تخدم اعداءك في ارض لم تعرفها ،

لانكم قد اضرمتم نارا بغضبي تتقد الى الابد " ع 3 ، 4 .

على ضوء ما سبق الإشارة إليه بخصوص ارتباط الوثنية بالرجاسات يرى بعض الدارسين أن الثروة والخزائن هنا إشارة إلى أعضاء الذكر بشىء من السخرية ، حيث كان معتقدهم هكذا . إذ عبدوها صار الجزاء من ذات النوع ، حيث خصى الأعداء رجالهم العظماء حتى لا ينجبوا أولادا يمكن أن يفكروا فى العودة إلى أرض الموعد كميراث لهم ، بل يبقى المخصيون عبيدا لسادتهم ، الأمر الذى يمس وجودهم ذاته . هكذا لم تهبهم عبادتهم قوة الإنجاب ومقاومة الموت بل انهيارا وتحطيما وموتا !



( 2 ) الإتكال على ذراع بشرى

أول خطية تهاجم الإنسان هى اعتزاله الله مصدر حياته متكئا على ذراعه البشرى أو الأذرع الأخرى .

" هكذا قال الرب :

ملعون الرجل الذي يتكل على الانسان ،

ويجعل البشر ذراعه وعن الرب يحيد قلبه.

ويكون مثل العرعر في البادية ولا يرى اذا جاء الخير بل يسكن الحرّة في البرية ارضا سبخة وغير مسكونة.

مبارك الرجل الذي يتكل على الرب وكان الرب متكله " ع 5 ، 7 .

لعله لهذا الهدف يسمح الله لنا بالضيقة حتى تتبدد أمامنا كل الأذرع البشرية ونجد الله هو الملجأ الوحيد لنا .

وكما يقول القديس جيروم :

[ أتريد أن يسمع لك الرب متحننا ؟ أدعوه وأنت فى الضيق فيجيبك مترفقا . فإنه لا يقدر الإنسان أن يدعو الرب لمعونته إلا وهو فى الضيق ، حيث يكون ذراع الإنسان بلا قيمة ] .

إذا كان إرميا النبى يتحدث عن التأديب بالقحط ، لذا أوضح أن من يتكل على ذراع بشرى يصير كنبات العرعر الذى يظهر فى منطقة العربة ، هذا الذى سرعان ما يصير كالقش الجاف . أما الذين يتكلون على الله فينالون ثمرا حتى فى فترة الجفاف أو القحط :

" ويكون ( المتكل على الجسد ) مثل العرعر في البادية ( الصحراء ) ،

ولا يرى اذا جاء الخير ،

بل يسكن الحرّة في البرية ارضا سبخة وغير مسكونة.

مبارك الرجل الذي يتكل على الرب ، وكان الرب متكله ،

فانه يكون كشجرة مغروسة على مياه وعلى نهر ،

تمد اصولها ولا ترى اذا جاء الحرّ ،

ويكون ورقها اخضر ،

وفي سنة القحط لا تخاف ولا تكف عن الاثمار " ع 6 – 8 .



( 3 ) القلب نجيس !
" القلب اخدع من كل شيء وهو نجيس من يعرفه.

انا الرب فاحص القلب مختبر الكلى ،

لاعطي كل واحد حسب طرقه حسب ثمر اعماله " ع 9 ، 10 .

نطق الرب بهذه الكلمات أولا لكى يعطى راحة لإرميا النبى الذى كان يئن بسبب سقوط الشعب تحت السبى .

كأن الله يقول له : تعال وانظر إلى أعماق القلب الذى أنا وحدى أعرفه ، إنه نجيس ! إنه مستحق للموت ! فالتأديب هو لصالحهم ، كى يطلبوننى فأنزع عنهم فساد قلوبهم !



( 4 ) الإرتباط بالأرضيات
إذ يتحدث فاحص القلوب عن قلب الإنسان معلنا أنه نجيس يكشف عن سر نجاسته وفساده ، ألا وهو ارتباطه بالأرضيات عوض انطلاقه نحو الأبديات . يطلب الغنى لا فيما يليق بالقلب كهيكل الله المقدس ، إنما بأمور العالم الزائلة وشهوات الجسد المؤقتة ، فيكون أشبه بالحجلة التى تحتضن بيضا ليس لها ، فتتعب فى الاحتضان وتضم ما ليس لها ، وفى النهاية تظهر أنها سلكت عمرها كله بحماقة .

" حجلة تحضن ما لم تبض ،

محصل الغنى بغير حق ،

في نصف ايامه يتركه ،

وفي آخرته يكون احمق " ع 11 .

غالبا ما كان هذا شائعا فى ذلك الحين ، يقصد به أنه إذ يظن الإنسان أنه يملك لكنه وهو يتعب ويشقى يخسر الكثير ويتركه الغنى وهو بعد فى العالم فى منتصف أيامه ، أما فى آخرته فيدرك أنه سلك بحماقة .

الحجلة هى طائر برى يسمى " المنادى " ، إنها صاحبة أصوات لكن بلا عمل حق ! هكذا الغنى فى جهاده المر من أجل التمتع بالغنى ماديا أو الشبع جسديا يكون كمن يعطى صوتا بلا عمل ، لأنه يترك كل شىء ويخرج عريانا من هذا العالم .

الحجلة التى تحتضن ما لم تبض هى إبليس الذى يبسط شباكه خلال الهراطقة فيقتنص فى أحضانه البسطاء ، هؤلاء هم الذين ليسوا من خليقته ولا مولودين منه ، إنه يقتنيهم بالخداع والدنس . لا يقدر إبليس أن يقول : " خرافى تسمع صوتى " يو 10 : 7 ، لأنها ليست خرافه بل هى خراف الله الناطقة التى يسحبها من مصدر حياتهم ويحسبها أولادا له . وللأسف فإن الحجلة قد اغتنت جدا ، لكنها تركتهم فى نصف أيامها حين جاء السيد المسيح إلى العالم وسحب المؤمنين من حضن إبليس ، وأما فى نهاية أيامها فتظهر بالأكثر حماقتها .

إن سر رجاء المؤمن : الأتحاد بالقدوس السماوى واهب الحياة .

يقول النبى :

" كرسي مجد مرتفع من الابتداء هو موضع مقدسنا.

ايها الرب رجاء اسرائيل ،

كل الذين يتركونك يخزون.

الحائدون عني في التراب ( الأرض ) يكتبون ،

لانهم تركوا الرب ينبوع المياه الحية " ع 12 ، 13 .

كرسى الله أو عرشه مرتفع ومجيد وفى نفس الوقت حال فينا ، ليس بعيدا عنا ، بل فى داخلنا . إن كانت الكلمة العبرية المقابلة " لمرتفع " تشير إلى السماء ، وكلمة " مقدسنا " تشير إلى هيكل أورشليم وملحقاته كما إلى المقادس السماوية ( مز 68 : 36 ) ، فإن الله المرتفع مجده فى السماء هو فينا ، ونحن به نصير مقدسا سماويا . إنه ليس ببعيد عنا ، بل نزل إلينا ، ونحن لسنا بعيدين عنه إذ يرفعنا إلى سمواته .



( 5 ) الله مخلصنا من الخطية
إذ تحدث عن الخطية بكونها احتلت القلب حيث كان يليق أن يكون ملكوتا لله ، مظهرا أهم خطايا يهوذا من اتكال على ذراع بشرى ونجاسات والتصاق بالتراب ، شعر النبى بأنه لا يستطيع أحد أن يخلص ما لم يتدخل الله نفسه ، لهذا صرخ قائلا :

" اشفني يا رب فاشفى.خلصني فاخلص لانك انت تسبيحتي " ع 14 .

يعلن إرميا النبى باسم الشعب أنه قد وجد الشفاء ، بل والخلاص حيث المجد ، بل والتسبيح أى الفرح مع السمائيين .... وجد هذا كله فى الله مخلصه .

يقول العلامة أوريجينوس تأتى بعد ذلك صلاة أخرى ، تقول كلماتها :

" اشفني يا رب فاشفى ،

خلصني فاخلص لانك انت تسبيحتي ،

ها هم يقولون لي اين هي كلمة الرب ؟ لتأت !

أما انا فلم اعتزل عن ان اكون راعيا وراءك ولا اشتهيت يوم البلية.

انت عرفت " ع 14 – 16 .

كل إنسان يريد أن يشفى من أمراض الروح والنفس عليه أن يطلب من الطبيب الأوحد الذى جاء خصيصا من أجل المرضى ، والذى قال : " لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى " بذلك يمكن للمريض أن يطلب فى ثقة ويقول : " اشفنى يارب فأشفى " .



" ها هم يقولون لي اين هي كلمة الرب ؟ لتأت ! " ع 15 .

يوجد فى كل عصر أشرار يستهينون بطول أناة الله ويسخرون بمواعيده ومحبته كما بتأديباته ظانين أنها مجرد كلمات أو أوهام لن تتحقق :

" قد طالت الأيام وخابت كل رؤيا " حز 12 : 22 .

لعل إرميا النبى قد أدرك أن المخلص هو " كلمة الرب " ، إذ يقول : " ها هم يقولون لي اين هي كلمة الرب ؟ لتأت !" ع 15 . إذ يطلبون الخلاص يسألون عن كلمة الرب لكى يأتى إليهم فيتبعونه . إنه وحده الذى يهبهم الراحة .

يقدم إرميا النبى صلاة لله ، طالبا حمايته من مقاومى الحق ، قائلا :

" لا تكن لي رعبا .

انت ملجإي في يوم الشر.

ليخز طارديّ ولا اخز انا ،

ليرتعبوا هم ولا ارتعب انا.

اجلب عليهم يوم الشر واسحقهم سحقا مضاعفا " ع 17 ، 18 .

من جهة وعود الله تشكك الأنبياء الكذبة وأتباعهم فيها ، بينما آمن بها إرميا النبى ... هذا سبب ضيقا ومقاومة منهم . وها هو يقف مختفيا فى الرب نفسه الذى يدعوه " ملجأى " ، وقد دعى الرب هكذا 11 مرة فى سفر الكزامير كما فى مزمور 46 : 2 .

هكذا لا يخاف المؤمن من الأشرار المقاومين له ، ولا حتى من عدو الخير إبليس ، مهما كانت قوته .



( 6 ) كسر السبت
طالب الله إرميا النبى أن يقف فى باب " بنى الشعب " ع 19 . يرى البعض أنه باب " بنيامين " ، وهو باب خاص بالمدينة ( 37 : 13 ، 38 : 7 ) ، وإن كان البعض يرى أنه يتحدث عن باب خاص بالهيكل كان يدخل منه ويخرج منه الشعب ، ليقف بعد ذلك فى كل أبواب أورشليم ( ع 19 ) .



طالبه أن يوجه حديثه إلى ملوك يهوذا:

" هكذا قال الرب لي.اذهب وقف في باب بني الشعب الذي يدخل منه ملوك يهوذا ويخرجون منه وفي كل ابواب اورشليم " ع 20 .

لماذا يقول " ملوك يهوذا " وليس " ملك يهوذا " ؟ يرى البعض أنه يقصد بالملوك هنا كل الشعب كمقابل للكهنة ، ربما لأن كل واحد صار كملك يريد أن يتسلط ويسيطر ، ليس من يقبل أن يسمع أو يطيع ! .

يطالبهم بحفظ السبت ( كباكورة لتقديس أيامنا فتصير كلها للرب ) .. لأجل حياتهم لأنها صارت فى خطر ، إذ يقول " تحفزوا بأنفسكم " ع 21 . فلا يحملوا فيه حملا ولا يمارسون عملا ( خر 20 : 10 ، تث 5 : 14 ) ، هذا من الجانب السلبى ، أما من الجانب الإيجابى فيقول : " قدسوا يوم السبت " ع 22 ، أى اسلكوا فى نقاوة قلب وقدسية حياة .

إذ يقدس الشعب يوم الرب تجتذب نفوس كثيرة من كل جانب كعابدين حقيقيين للرب يقدمون محرقات حب وذبائح شكر مع ذبائح وتقدمات عن الخطايا والضعفات ليتمتعوا بالمصالحة مع الله :

" ويأتون من مدن يهوذا ومن حوالي اورشليم ومن ارض بنيامين ومن السهل ومن الجبال ومن الجنوب يأتون بمحرقات وذبائح وتقدمات ولبان ويدخلون بذبائح شكر الى بيت الرب " ع 26 .

أما ثمرة العصيان وعدم تقديس السبت فهو :

" ولكن ان لم تسمعوا لي لتقدسوا يوم السبت لكي لا تحملوا حملا ولا تدخلوه في ابواب اورشليم يوم السبت فاني اشعل نارا في ابوابها فتأكل قصورها أورشليم ولا تنطفىء " ع 27 .

السبت هو فرصة لا للخمول والتوقف عن العمل ، بل للتمتع بالعبادة لله القدوس لينعم الكل بشركة الحياة الإلهية ( لا 23 : 3 ، عد 28 : 9 ، 10 ) . وكأن السبت كما يحدثنا عنه سفر اللاويين هو التقاء مع الله خلال العبادة المقدسة والذبيحة ، لا لنكرم الله بعبادتنا ، لكن ما هو أعظم لكى ننعم بعمل الله فينا واهبا إيانا الشركة معه لندخل به إلى قداسته .

+ + +

إرميا – الإصحاح الثامن عشر

مثل الفخارى

بأمر إلهى نزل إرميا النبى إلى واد منخفض ليلتقى هناك بفخارى ، لكى يعلن للشعب كيف أن حياتهم فى يد فخارى سماوى حكيم ، قادر أن يخرج من الطين إناء للكرامة ، حتى إن أدب إنما لكى يقبلوه من يده الخالقة إمكانية تجديدهم ، كما يعمل الفخارى بالطين فيظهر منه عجبا .

عوض التجاوب مع إرميا فكروا جديا فى الخلاص منه كى لا يسمعوا بعد كلمة توبيخ .



( 1 ) إرميا والفخارى المحب
تعتبر مصانع الفخار من الملامح الرئيسية فى العالم القديم ، إذ كانت الأوانى الفخارية أساسية فى الحياة اليومية ، لهذا نجد علماء الآثار مدينين للأوانى الفخارية المكتشفة بلا حصر فى التعرف على ثقافات المدن القديمة وتاريخها .

" الكلام الذي صار الى ارميا من قبل الرب قائلا :

قم انزل الى بيت الفخاري ،

وهناك اسمعك كلامي " ع 1 ، 2 .

قم انزل

بدأ حديثه بقوله : " قم انزل " هذا يحمل أن الأمر عاجل ويحتاج إلى سرعة : " قم " .

ومن الجانب الرمزى أو الروحى فإنه لا يستطيع إنسان ما أن يدرك معاملات الله مع البشر ، خاصة شعبه ، ما لم يختبر القيامة مع المسيح ، أو الحياة الجديدة المقامة .

" قم انزل " أما موسى النبى فقيل له : " اصعد إلى الجبل واستمع " ، لأن كل من يسمع كلمة الله ، يستمع إما إلى معلومات عن الأمور العليا السماوية وبالتالى يلزمه أن يرتفع بأفكاره إلى السماء ليتأمل فيها أو يستمع إلى تعليمات من الرب بخصوص أمور أرضية وبالتالى يلزمه أن ينزل بأفكاره إلى أسفل ليراها .

ما هو بيت الفخارى ؟
إنه كنيسة المسيح ، بيته المقدس ، المقام فى وادى هذا العالم ، لا كمحكمة تدين الخطاة ، وإنما كبيت فخارى يحول الطين إلى أوان مكرمة .



فى بيت الفخارى

يقول إرميا النبى :

" فنزلت الى بيت الفخاري ،

واذا هو يصنع عملا على الدولاب.

ففسد الوعاء الذي كان يصنعه من الطين بيد الفخاري ،

فعاد وعمله وعاء آخر كما حسن في عيني الفخاري ان يصنعه.

فصار اليّ كلام الرب قائلا :

أما استطيع ان اصنع بكم كهذا الفخاري يا بيت اسرائيل يقول الرب ؟

هوذا كالطين بيد الفخاري انتم هكذا بيدي يا بيت اسرائيل " ع 3 – 6 .

واضح هنا أن إرميا قد دعى ليقدم رسالة رجاء للشعب ، فيدركوا إمكانياتهم الحقيقية كطين فى يد خالق حكيم قدير . يؤكد الله لهم أنه موجود ومحب ، قادر أن يشكلهم من جديد ، إن أرادوا .

استرعى انتباه إرميا أن الفخارى لا يلهو بالطين أو يلعب به ، إنما يعمل فى جدية عملا هادفا . هكذا حياتنا فى يدى الله – الفخارى السماوى – موضع اهتمامه ، يعمل فى جدية خلال الأفراح والضيقات ، بالترفق تارة ، وبالضغط تارة أخرى ، ليقيم منا آنية مقدسة مكرمة .

" ففسد الوعاء الذى كان يصنعه من الطين بيد الفخارى ..... " ع 5

إنها مسئوليتنا الشخصية عن فسادنا .

احذر إذا لئلا تسقط وتفسد حينما تكون فى يدى الفخارى وهو يشكلك ، ويكون فسادك نتيجة لخطأك .

خلق الله الإنسان صالحا لكنه فسد خلال فساد إرادة الإنسان ، وصار الأمر يحتاج إلى تدخل الفخارى نفسه القادر وحده على إعادة تشكيل الإناء .



( 2 ) الفخارى المؤدب

بدأ أولا برسالة الرجاء ليعلن أننا وإن كنا كطينة بلا قيمة ، لكننا موضع سرور الفخارى القادر أن يحولنا إلى إناء المجد ، الآن يقدم الجانب الآخر ، وهو إن لم نقبل حبه وحنانه ونسلم حياتنا بين أصابعه يقوم بالتأديب لأجل خلاصنا أيضا . إنه يقدم دروسا قاسية لطينة عنيفة ، قائلا :

" تارة اتكلم على امة وعلى مملكة بالقلع والهدم والاهلاك ،

فترجع تلك الامة التي تكلمت عليها عن شرها ،

فاندم عن الشر الذي قصدت ان اصنعه بها.

وتارة اتكلم على امة وعلى مملكة بالبناء والغرس ،

فتفعل الشر في عينيّ فلا تسمع لصوتي ،

فاندم عن الخير الذي قلت اني احسن اليها به " ع 7 – 10 .

أمتان : واحدة تقتلع والأخرى تُغرس !
إن ما حدث فى بيت الفخارى لا يشير من الجانب الرمزى إلى أحداث فردية ( أى إلى قيامة الأفراد ) وإنما يقصد به أمتان أو مملكتان .

من هما هاتان الأمتان ؟

قام الرب بتهديد الأمة الأولى ، وظهر آثار هذا التهديد : فقد تم سبيهم وخربت مدينتهم ، وهدم الهيكل ، ودنس المذبح ، ولم يبق عندهم شيئا من المقدسات التى كانوا يملكونها ، لأن الرب قال لهذه الأمة : إرجعى إلى ، فلم ترجع .

ويتحدث الرب إلى الأمة الثانية عن بنائها وغرسها ، لكنه يرى أن تلك الأمة مكونة من أناس قابلين أيضا للسقوط والفساد ؛ لذلك يهددها ويقول لها : بالرغم من أننى تكلمت عليك فى البداية بالبناء والغرس ، إلا أنك إن أخطأت يحدث لك ما حدث مع غيرك حينما أخطأوا .

إذا : " هوذا لطف الله وصرامته ، أما الصرامة فعلى الذين سقطوا ، أى على الأمة اليهودية التى سقطت ، وأما اللطف فلنا نحن الأمة الأخرى ، إن ثبتنا فى اللطف ، وإلا فإننا أيضا سنقطع " رو 11 : 22 .



" فالآن كلم رجال يهوذا وسكان اورشليم قائلا :

هكذا قال الرب :

هانذا مصدر عليكم شرا وقاصد عليكم قصدا،

فارجعوا كل واحد عن طريقه الرديء واصلحوا طرقكم واعمالكم " ع 11 .

هذا هو نداء الرب عبر كل العصور ، فيه يبدو الله حازما ، يصدر علينا تأديبا نحسبه شرا ، أما غايته فهو رجوعنا عن طريقنا الردىء وإصلاح حياتنا حتى نحمل صورته ونشاركه سماته ، ولا نسقط فى الهلاك .

إن كان الله هو الفخارى الذى يشكل الطين فإنه يبدو أحيانا قاسيا لكى يقبل الطين أن تمتد يد الفخارى إليه وتعمل حسب مقاصده الإلهية من نحوه . فى ذهن الله خطة من نحونا نحن الطين ، لكنه لا يعمل بدون موافقتنا .

كانت إجابة الشعب على النداء الإلهى مملوءة استهتارا :

" فقالوا : باطل ،

لاننا نسعى وراء افكارنا ( شرورنا ) ،

وكل واحد يعمل حسب عناد قلبه الرديء " ع 12 .

ربما كان هذا تقرير قدمه إرميا النبى لله فى مرارة قلب ، فيه يشكو الشعب لأجل استهتارهم بتهديدات الرب الخاصة بالتأديب ، وإصرارهم على العناد ضد الله نفسه وضد خطته . جاءت إجابتهم على الله مملوءة عنفا وعنادا .

أمام هذا الأستهتار والأصرار على العناد قيل :

" لذلك هكذا قال الرب :

اسألوا بين الامم من سمع كهذه ؟

ما يقشعر منه جدا عملت عذراء اسرائيل.

هل يخلو صخر حقلي من ثلج لبنان ؟!

او هل تنشف المياه المنفجرة الباردة الجارية ؟!

لان شعبي قد نسيني .

بخروا للباطل وقد اعثروهم في طرقهم في السبل القديمة ليسلكوا في شعب في طريق غير مسهل " ع 13 – 15 .

تكررت عبارة : " هكذا قال الرب " 26 مرة فى سفر إرميا ، أما هنا فيضيف : " لذلك " ، وكأن ما يصدره من حكم هنا إنما يقدمه بعد تقديم حيثيات للحكم ...

جعل الله من شعبه عذراء ، مقدما لها كل إمكانيات لتمارس الحياة المقدسة ، فأساءت استخدام العطايا الإلهية . هذا بالنسبة لكنيسة العهد القديم ، فماذا بالنسبة لكنيسة العهد الجديد ، إذ يقول الرسول :

" لأن الذين استنيروا مرة ، وذاقوا الموهبة السماوية ، وصاروا شركاء الروح القدس ، وذاقوا كلمة الله الصالحة وقوات الدهر الآتى ، وسقطوا ، لا يمكن تجديدهم أيضا للتوبة ، إذ هم يصلبون لأنفسهم ابن الله ثانية ويشهرونه " عب 6 : 4 – 6 .

مما يحزن قلب الله أن مملكة يهوذا ليس فقط لم تستجب لنداء حبه ، ولا تجاوبت مع نعمته ، إنما سلكت أيضا ضد الطبيعة والمنطق ، الأمر الذى لا يحدث بذات الصورة حتى بين الأمم الوثنية . لقد استجابت نينوى لأول نداء قدم إليها بواسطة يونان النبى .

" هل يخلو صخر حقلي من ثلج لبنان ؟!

او هل تنشف المياه المنفجرة الباردة الجارية ؟!

إن كانت الصخور القاسية لا تخلو من تربة صالحة للزراعة ، ولبنان لا تخلو من ثلج ، وينابيع المياة لا تتوقف ، فلماذا جف شعب الله هكذا ولم يوجد بعد فيه تربة صالحة تقدم ثمرا روحيا ، أو نقاوة كالثلج ، أو مياة الروح القدس ؟! هكذا يحزن الله على شعبه الذى فقد كل صلاح من ثمر نافع وطهارة وعمل الروح .

إن كانت الصخرة هى ينابيع مياة السيد المسيح ، كذلك الثلج الذى هو مياة الآب لن يخلو من لبنان .

من أصبح عطشانا إلى ثدى الصخرة ، " والصخرة كانت المسيح " ؟

من أصبح عطشانا إلى الروح القدس فيقول : " كما يشتاق الإيل إلى جداول المياة هكذا تشتاق نفسى إليك يا الله ؟ .



إذ يصر الشعب على تجاهل الله إلهه ، بل تناساه تماما ، يسقطون تحت التأديب :

" لتجعل ارضهم خرابا وصفيرا ابديا.

كل مار فيها يدهش وينغض راسه.

كريح شرقية ابددهم امام العدو.

اريهم القفا لا الوجه في يوم مصيبتهم " ع 16 ، 17 .

الأرض التى احتضنت الفساد والجحود ونسيان الرب لا تثمر إلا خرابا ، هكذا أرض الإنسان أى جسده الذى يتلذذ بالخطية ، حاسبا أن سعادته فى ملذات الجسد يفقد حتى صحته وسلامته .

" لتجعل أرضهم .... صفيرا أبديا " ع 16 لقد فضلوا عدو الخير إبليس ، الحية القديمة ، عن خالقهم ومخلصهم ، لهذا تتحول أرضهم إلى مسكن دائم للحيات ، لا تسمع فيها إلا صفيرها .

" كل مار يدهش وينغص رأسه " ع 16 . نغص الرأس يشير إلى السخرية والأستهزاء على غباء هذا الشعب فى علاقته بالله ...

يصرخون إلى الله لكنه لا يستجيب لهم فى يوم مصيبتهم حتى يطلبون فى جدية الرجوع إليه ، لأنهم كسروا العهد معه . أعطوه القفا لا الوجه أى نبذوه ، لذا يعطيهم هو أيضا القفا لا الوجه ، لأنه بالكيل الذى به يكيلون يكال لهم ويزداد ، لكى يدركوا قيمة حرمانهم من الوجه الإلهى .

هذه هى أقصى عقوبة ، أن يدير الله وجهه عنا .



( 3 ) الرغبة فى الخلاص من إرميا

بدأ الأعداء يخططون ضده ، حاسبين أن ما يقوله إنما هى تهديدات لن تتم ، فستبقى الحياة كما هى ...

" فقالوا هلم فنفكر على ارميا افكارا ،

لان الشريعة لا تبيد عن الكاهن ،

ولا المشورة عن الحكيم ،

ولا الكلمة عن النبي.

هلم فنضربه باللسان ولكل كلامه لا نصغ " ع 18 .

ارادوا الأفتراء عليه باتهامات باطلة دون الإصغاء إليه بقصد قتله ( ع 23 ) لعلهم قصدوا بضربه باللسان هو اصطياد كلمات من فمه ، إنهم أرادوا أن يبكموا فمه فلا ينطق بكلمة الرب .

قدم إرميا صلاة مرة للغاية ، تكشف عن مدى تعب إرميا الشديد .. تعتبر أقسى صلاة للأنتقام من كل السفر .. رفع إرميا قلبه لله ملجأه كى يدافع عنه ضد الأنبياء الكذبة الذين يدفعون الشعب كله نحو الهلاك ، ويطلبون أيضا نفسه :

" اصغ لي يا رب واسمع صوت اخصامي.

هل يجازى عن خير بشر ؟!

لانهم حفروا حفرة لنفسي.

اذكر وقوفي امامك لأتكلم عنهم بالخير ،

لاردّ غضبك عنهم.

لذلك سلّم بنيهم للجوع ،

وادفعهم ليد السيف ،

فتصير نساؤهم ثكالى وارامل ،

وتصير رجالهم قتلى الموت ،

وشبانهم مضروبي السيف في الحرب.

ليسمع صياح من بيوتهم اذ تجلب عليهم جيشا بغتة.

لانهم حفروا حفرة ليمسكوني وطمروا فخاخا لرجليّ.

وانت يا رب عرفت كل مشورتهم عليّ للموت.

لا تصفح عن اثمهم ،

ولا تمح خطيتهم من امامك ،

بل ليكونوا متعثرين امامك.

في وقت غضبك عاملهم " ع 19 – 23 .

فى هذا ينطق إرميا بصلاة تقترب من تلك التى قدمها داود النبى :

" خاصم يارب مخاصمى ، قاتل مقاتلى .... " مز 35 .

هكذا كان إرميا النبى مثل داود النبى رجل آلام ، قاسى المتاعب بلا حصر ممن كان يجب أن يكونوا سندا له وعونا ، وأن ما يطلبه من انتقام يحمل نبوة عما يحل تحقيقا للعدل الإلهى لنفوس مصممة على تحطيم شعب الله فى خداع وبغير توبة !

+ + +
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://eng.roniajesus@yahoo.com
بحبك يا مارمينا
خادم المنتدى
avatar

انثى عدد الرسائل : 785
العمر : 29
المزاج : نشكرربناعلي كل حال
اعلام الدول :
المهنة :
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: *** موضوع متكامل لتفسير سفر ارميا كتابيا ***   الجمعة فبراير 12, 2010 11:37 pm

إرميا – الإصحاح التاسع عشر

مثل الإناء الخزفى

فى الإصحاح السابق قدم الله لنا نفسه بكونه الفخارى السماوى ، الذى يهتم بالإناء الذى يسقط بإرادته من يد الفخارى ، فيجمعه من جديد ويشكله ليجعل منه إناء للكرامة . هنا يقدم لنا الإناء الخزفى المصر على العناد ، والذى لا يستحق إلا كسره !

فى هذا الإصحاح يؤكد أن الدمار والسبى قادمان ولا مفر منهما ( ع 10 ) ، حيث تلقة الجثث كالخزف المكسور إلى قطع صغيرة ، لا تستحق إلا تركها خارجا فى الشوارع أو فى اماكن القمامة :



( 1 ) رسالة أمام شيوخ الشعب
" هكذا قال الرب :

اذهب واشتر ابريق فخاري من خزف ،

وخذ من شيوخ الشعب ومن شيوخ الكهنة .... " ع 1 .

بصفة عامة لم يقبله شيوخ الشعب ولا شيوخ الكهنة ، لكن بلا شك كانت هناك قلة تتطلع إليه كنبى مرسل من الله . فجاء بهذه القلة كشهود على كلماته أمام الشعب والكهنة مع بقية القيادات . جاء بمندوبين عن الشعب ( العلمانيين ) والكهنة .

البعض حضروا ليجدوا فرصة لجمع منطوقات من فمه تشهد ضده ( ع 18 ) .

هنا يميز القديس يوحنا الذهبى الفم بين الإناء الفخارى فى الإصحاح السابق الذى كان لا يزال طينا لم يدخل الفرن ويحتاج إلى إعادة تشكيله لأنه فسد ، وبين الإناء المذكور هنا الذى دخل الفرن وانكسر ... الأول يمثل النفس التى تعطى لها فرصة التوبة ، ولا يزال الله يترجى خلاصها ، أما الثانى فيمثل النفس التى صممت على عدم التوبة بإصرار ...

فى استطاعة الله ليس فقط أن يصلحنا خلال غسل التجديد ، حيث اننا خزف ، وإنما أيضا بعد أن استلمنا عمل الروح وانزلقنا ، يمكنه أن يردنا خلال التوبة الصادقة إلى حالنا السابق .



( 2 ) خروجه إلى وادى ابن هنوم
" واخرج الى وادي ابن هنوم ،

الذي عند مدخل باب الفخّار ،

وناد هناك بالكلمات التي اكلمك بها " ع 2 .

دعى للخروج إلى وادى ابن هنوم ليتحدث هناك مع الشعب عند باب الفخار . يقع هذا الوادى فى جنوب شرقى أورشليم ، هناك كانت تحرق القمامة ، وأيضا جثث المجرمين .



دعى إلى هناك للأسباب التالية :

1 – هناك ارتكبوا أبشع فظائع الأعمال الوثنية ، أى تقديم أطفالهم ذبائح بشرية ومحرقات للإله ملوك ، فأراد أن تشهد عليهم الأرض التى مارسوا فيها الخطية .

2 – هناك يلزمهم أن يسمعوا عن مرارة الكارثة التى تحل بهم بكونها المنخفض الذى تلقى الجثث كقطع الخزف التى فى موضع القمامة .

3 – فى هذا الوادى وقف إرميا النبى وسط هذه كسر الأوانى الخزفية التى ألقيت للتخلص منها ، عند مدخل باب الفخار . حسب الترجوم هو باب الدمن ( الروث ) نح 2 : 13 ، 3 : 13 ، 14 ، 12 : 31 ، منه يلقى بواقى الحيوانات وكسر الخزف والقمامة والنفايات فى الوادى .



( 3 ) رسالة صريحة عن خطاياهم
" وقل اسمعوا كلمة الرب يا ملوك يهوذا وسكان اورشليم " ع 3 .

لم يكن أحد يتوقع أن يقف إرميا عند باب الفخار حيث تلقى القمامة ليوجه الحديث إلى ملوك يهوذا مع سكان أورشليم ، حقا ما أصعب على نفس ملك يهوذا أن يأتيه الخبر بأن إرميا يوجه إليه رسالة عنيفة عند باب القاذورات وإلقاء القمامة ... لكن هكذا نزل الملك بنفسه إلى هذا المستوى بإشتراكه فى الرجاسات الوثنية وعنفها !

ما أصعب على أولاد الله الذين جعلهم الله ملوكا وكهنة ( رؤ 1 : 6 ) أن ينحدروا بأنفسهم ليسقطوا تحت الحكم مع أولاد إبليس الأشرار باشتراكهم معهم فى سلوكهم الشرير ، وينحطوا أحيانا إلى مستوى أدنى من الحيوانات !



" هكذا قال رب الجنود اله اسرائيل :

هانذا جالب على هذا الموضع شرا كل من سمع به تطن اذناه " ع 3 .



إذ يتحدث عن التأديب الذى يحل بهم من قبل الله يقول :

" رب الجنود إله إسرائيل " ع 3 .

بهذا يوبخهم ، فإنه إذ يصدر الحكم بسبيهم يسيئون إليه أمام الأمم ، فيبدو كضعيف غير قادر على الدفاع عن شعبه كإله إسرائيل مع أنه رب الجنود السماوية .. إذ يسلم شعبه كما فى ضعف لأجل خلاصهم الأبدى .

لعله استخدم هذا اللقب كلقب رسمى ، فقد صدر الأمر من قبل الملك السماوى ، رب الجنود ، والمسئول عن شعبه .

يعلن الله عن خطورة التأديب بقوله : " كل من سمع به تطن أذناه " ع 3 ، استخدم التعبير هذا ضد عالى الكاهن كما ضد منسى الملك [ راجع 1 صم 3 : 11 ، 2 مل 21 : 12 ] ، وهنا يستخدمه إرميا ضد الكهنة والملوك مع كل الشعب السالك وراءهم .

جاء الإتهام صريحا فى النقاط التالية :

أولا : الإرتداد عن الله .

" من أجل أنهم تركونى " ع 4 .

ثانيا : إفساد البركات التى قدمت إليهم .

حولوا أرض الموعد التى كان الله يعتز بها ، قائلا عنها " أرضى " ، إلى " أرض غريبة " ، إذ يقول : " وأنكروا هذا الموضع " ع 4 ..

ثالثا : محبون للتغيير فى العبادة :

" وبخروا فيه لآلهة اخرى لم يعرفوها هم ولا آباؤهم ولا ملوك يهوذا " ع 4 .

أليس هذا هو سمة هذا العصر أيضا ، حب التغيير لأجل التغيير فى حد ذاته ؟! هذا الذى هو علامة على الفراغ الداخلى وعدم الشبع ! تغيير فى كل شىء حتى وإن كان إلى الأردأ !

رابعا : سافكوا دماء الأبرياء

" وملأوا هذا الموضع من دم الأبرياء " ع 4 ، وقد أشير إلى هذه الخطية عند الحديث عن منسى الملك ( 2 مل 21 : 16 ، 24 : 4 ) ويهوياقيم ( 22 : 17 ) .

خامسا : تقديم أطفالهم ذبائح بشرية للأوثان

" وبنوا مرتفعات للبعل ليحرقوا اولادهم بالنار محرقات للبعل الذي لم اوص ولا تكلمت به ولا صعد على قلبي " ع 6 .

يرفض الله تقديم ذبائح بشرية نهائيا ( تك 22 : 1 – 19 ) ، حتى حينما طلب من إبراهيم إسحق إبنه ذبيحة كرمز لذبيحة المسيح لم يسمح بأن تتم عمليا ، إنما قدمت بنية الحب الباذل ، مع إيمان إبراهيم أن إسحق يرجع حيا ، إذ آمن بالله الذى يقيم من الأموات .



( 4 ) تأديبهم
أولا : تغيير اسم وادى هنوم إلى " وادى القتل " ع 6 . لأن كثيرين يسقطون فيه قتلى بالسيف ( ع 7 ) ، عندما يهاجمهم الأعداء ، أو عندما يحاولون الهروب فيلقى القبض عليهم ويقتلونهم .

أما قولـه : " واجعل جثثهم اكلا لطيور السماء ولوحوش الارض " ع 7 . كان ذلك علامة غضب الله وحلول اللعنة ، ليس فقط فى الشريعة الموسوية ( تث 28 : 26 ) وإنما بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط كلها فى ذلك الحين .

ثانيا : الذين لا يقتلهم السيف يهلكهم الجوع حتى يأكلون أولادهم وبناتهم وأعز أصدقائهم .

ثالثا : تتحول المدينة إلى خراب ، يصير الموضع المقدس موضع سخرية الأرض كلها ، لأن الخطية تجلب الخزى والعار .

رابعا : تفشل كل محاولة للخلاص أو الهرب من الضيق .

خامسا : يستمر رعب اللعنات ، إذ يفقد الإنسان آدميته تحت ضغط الحصار والضيق ، فيأكل الكبار الصغار ، ثم يعودوا فيأكل الكبار كل واحد لحم أخيه .

" واطعمهم لحم بنيهم ولحم بناتهم ،

فياكلون كل واحد لحم صاحبه في الحصار والضيق الذي يضايقهم به اعداؤهم وطالبو نفوسهم " ع 9 .

حدث ذلك أيضا سابقا ، [ راجع 2 مل 6 : 26 الخ .. ، مرا 2 : 20 ، 4 : 10 ] وعام 70 م عندما حاصر الرومان أورشليم .



( 5 ) كسر الإبريق الخزفى

" ثم تكسر الابريق امام اعين القوم الذين يسيرون معك ،

وتقول لهم :

هكذا قال رب الجنود :

هكذا اكسر هذا الشعب وهذه المدينة كما يكسر وعاء الفخاري بحيث لا يمكن جبره بعد وفي توفة يدفنون حتى لا يكون موضع للدفن " ع 10 ، 11 .

أولا : بهذا العمل قدم عنصر المفاجأة ، إذ لم يكن أحد يتوقع أن يلقى إرميا النبى بالإناء الذى اشتراه ليحطمه كطفل أمام شيوخ الشعب وشيوخ الكهنة .

ثانيا : أساء الشعب فهم طول أناة الله فحسبوه صانع خيرات وواهب العطايا فقط ، بهذا كانت نظرتهم إلى الله ومعاملاته مع الإنسان غير كاملة .

ثالثا : كانت عادة كسر الأوانى الفخارية قائمة عند تنصيب ملوك مصر ( الفراعنة ) ، إذ ينقشون أسماء أعدائهم على أوان فخارية ويقومون بكسرها علامة تحطيمهم تماما .

رابعا : ارتبط كسر الإبريق بالأعلان عن كلمات الرب بخصوص تأديب الشعب لئلا يظنوا أن ما يمارسه إرميا من قبيل ممارسة السحر . كما يفعل الأشوريون فى طقوسهم السحرية .

خامسا : ظن شعب يهوذا وأورشليم أنهم أقوياء كالنحاس ولم يدركوا أن قوتهم وعنفهم إنما جعل منهم إناء خزفيا هشا .

سادسا : تحل النجاسة بالمدينة كلها ، وذلك بامتلاء شوارعها بالجثث ، إذ يقول :

" هكذا اصنع لهذا الموضع يقول الرب ولسكانه ،

واجعل هذه المدينة مثل توفه.

وتكون بيوت اورشليم وبيوت ملوك يهوذا كموضع توفه نجسة ،

كل البيوت التي بخروا على سطوحها لكل جند السماء ،

وسكبوا سكائب لآلهة اخرى " ع 12 ، 13 .



( 6 ) وقوفه فى دار بيت الرب
ترك إرميا النبى وادى توفة وانطلق إلى الهيكل حيث وقف على تل فوق الوادى يؤكد ما قاله فى توفة . حسب الشعب ذلك مجرد تهديدات بالكلام ، لكن إرميا أوضح لهم أنهم يخدعون أنفسهم . كأنهم قد أضافوا إلى خطاياهم خطية الأستخفاف بالنبوات ، إذ قسوا قلوبهم ولم يسمعوا لصوت الرب على فم نبيه إرميا .

+ + +
إرميا – الإصحاح العشرون

مقاومة فحشور له

كان يليق بالكاهن فحشور أن يكرم إرميا ويحميه ككاهن زميل له ، ويستشيره كنبى ، لأنه ينطق بكلمة الرب ، لكنه عوض ذلك جعله فى المقطرة ، ليضيق عليه فلا ينطق بالحق ، لكن التهبت كلمة الرب بالأكثر فى قلب إرميا ، ولم يستطع الصمت ، تمتع بالمعية مع الله وشهد للحق .



( 1 ) إرميا فى المقطرة
" وسمع فشحور بن امّير الكاهن ،

وهو ناظر اول في بيت الرب ،

ارميا يتنبأ بهذه الكلمات.

فضرب فشحور ارميا النبي ،

وجعله في المقطرة التي في باب بنيامين الاعلى الذي عند بيت الرب " ع 1 ، 2 .

كان فحشور الكاهن هو الناظر الأول للهيكل لفترة مؤقتة ، فى سلطانه أن يسجن بتهمة الإخلال بالأمن العام . قام بضرب إرميا وجعله فى المقطرة وتركه يقضى ليلة فى السجن أو فى الجب السفلى .

غالبا لم يكن فحشور بين المستمعين لإرميا النبى فى توفة ، إنما وردت إليه أخباره هناك ، وعرف بما نطق به إرميا أمام بعض شيوخ الشعب وشيوخ الكهنة . وإذ رآه قادما نحو الهيكل توقع أنه يكرر ما قاله هناك أمام خدام الهيكل والشعب ، فيحل الرعب بالشعب ، وربما ينحاز البعض إليه فلا يقدر فشحور أن يتصرف بعد ذلك . لذلك أسرع بضربه ووضعه فى المقطرة علانية أمام الكل حتى متى تكلم لا يسمع له أحد . أراد أن يسخر به أمام الكل حتى لا يلتفتوا إلى كلماته .

بالنسبة لأسم " فشحور " ذكر إرميا فى الإصحاح التالى شخصا آخر يحمل ذات الإسم : " فشحور بن ملكيا " 21 : 1 .

ويرى البعض أن الأسم مصرى الأصل يعنى " ابن حورس " .

إنجيلنا ليس وسيلة للتمتع بالزمنيات ، إنما هو وسيلة للأرتفاع نحو السمويات ، على الجبال العالية يلتقى الله مع رجاله ، فعلى جبل سيناء التقى الرب مع نبيه موسى ، مقدما له شريعته المقدسة . وعلى جبل تابور التقى رب المجد مع موسى وإيليا وبطرس ويعقوب ويوحنا ، حيث تجلى أمام تلاميذه ، مظهرا لهم بهاء مجده .



يسوع يضرب فينا

يقول العلامة أوريجينوس :

[ " فضرب فشحور إرميا النبى " . يبدو أن فشحور كان ممسكا بعصا فى يده لأنه كان ساحرا . إذا رجعنا إلى سفر الخروج نجد أن سحرة مصر كان عندهم أيضا عصى ، أرادوا بها أن يظهروا أن عصا موسى ليست من الله ! لكن عصا الرب غلبت عصى السحرة وأكلتها .

" فضرب فشحور إرميا النبى " . أكد الكتاب صفة إرميا ورتبته : " النبى " . إذن الذى ضرب إرميا ضرب نبيا . ويذكر سفر أعمال الرسل أيضا أن واحدا ضرب بولس الرسول بأمر من حنانيا رئيس الكهنة ، لهذا قال له بولس الرسول : " سيضربك الله أيها الحائط المبيض " ، من الخارج له صورة رئيس كهنة عظيم ومن الداخل حائط مبيض ، مملوء عظام أموات وكل نجاسة .

لماذا نتكلم عن بولس وعن إرميا ؟ فإن ربى يسوع المسيح هو نفسه يقول : " أسلمت ظهرى للسياط وخدى أهملتهما للطم ، ولم أرد وجهى عن خزى البصاق " .

يظن بعض البسطاء أن ما حدث للسيد المسيح كان فى أيام بيلاطس فقط ، حينما أسلمه ليجلد وحينما اشتكى عليه اليهود ، أما أنا فأرى يسوع المسيح يسلم ليجلد فى كل يوم . ادخل إلى معابد اليهود اليوم وانظر كيف أن السيد المسيح يجلد منهم من خلال التجاديف ، كذلك انظر إلى أبناء الأمم الذين يجتمعون ليشتكوا على المسيحيين ، كيف يقبضون على يسوع المسيح الموجود فى كل مسيحى ويقومون بجلده . تأمل يسوع المسيح الإبن الكلمة كيف أنه مهان ومرذول ومحكوم عليه من غير المؤمنين .

انظر كيف أنه بعدما علمنا وأوصانا قائلا : " من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا " قام هو نفسه بتنفيذ هذه الوصية فأهمل خديه للطم . يوجد أناس كثيرون يجلدونه ويلطمونه أما هو فلا يفتح فاه . حنى يومنا هذا ، لا يرد يسوع المسيح وجهه عن خزى البصاق : لأن الذى يحتقر تعاليمه يكون كمن ينفض البصاق فى وجهه ] .



( 2 ) فشحور المرتعب
" وكان في الغد ان فشحور اخرج ارميا من المقطرة.

فقال له ارميا :

لم يدع الرب اسمك فشحور بل مجور مسّا بيب.

لانه هكذا قال الرب :

هانذا اجعلك خوفا لنفسك ولكل محبيك ،

فيسقطون بسيف اعدائهم ،

وعيناك تنظران .

وادفع كل يهوذا ليد ملك بابل فيسبيهم الى بابل ويضربهم بالسيف " ع 3 ، 4 .

تحول اسم " فشحور " الذى يعنى " مثمرا من كل جانب " إلى " مجور مسا بيب " يترجمها البعض " رعب من كل جانب " .

يرى البعض أن الإسم الجديد يعنى " رحيلا " ، وكأن فشحور لن ينعم بالأستقرار بل يرحل إلى بابل مسبيا ، هو ومحبوه ، عندئذ يرتعبوا .

كان الأمر الإلهى للبشرية : " اثمروا واكثروا " تك 1 : 28 .

أما الآن فنزع الله عن فشحور هذه البركة ليدعوه " ارتعب أنت ومحبوك من كل جانب "

أولاد الله يعيشون فى فرح داخلى حتى وسط آلامهم ، أما أولاد إبليس فيعيشون فى رعب ، حتى إن نالوا كل العالم فى أيديهم .



" وادفع كل ثروة هذه المدينة وكل تعبها وكل مثمناتها ،

وكل خزائن ملوك يهوذا ادفعها ليد اعدائهم ،

فيغنمونها وياخذونها ويحضرونها الى بابل " ع 5 .

هكذا تمتد الخسارة لا إلى المحبين فحسب بل وإلى كل المدينة بكل إمكانياتها وخزائنها .

" وانت يا فشحور وكل سكان بيتك تذهبون في السبي وتأتي الى بابل وهناك تموت وهناك تدفن انت وكل محبيك الذين تنبأت لهم بالكذب " ع 6 ...

كان ينظر إلى الدفن فى أرض غريبة إحدى علامات غضب الله على الإنسان ، وسقوطه تحت اللعنة .



( 3 ) نار محرقة فى قلب إرميا
فى لحظات ضعف بشرى وجد إرميا نفسه مضروبا ومهانا من كاهن زميل له ، وملقى فى المقطرة الليلة كلها ، وقد صار أضحوكة بين الكهنة والشعب .. كما شعر بفشل رسالته . ليس من يصغى إليه ، ولا من يهتم بكلمات الرب التى ينطق بها .

هذا كله أثار فى نفسه مشاعر مؤقتة ، سجلها لنا لكى ندرك أنه ليس أحد بلا ضعف ، مهما بلغت عظم رسالته .

فى مرارة مع صراحة تامة تحدث مع الله معاتبا إياه ، مقدما اعترافا :

" قد اقنعتني يا رب فاقتنعت ،

وألححت عليّ فغلبت.

صرت للضحك كل النهار كل واحد استهزأ بي " ع 7 .

حقا تكاليف الخدمة باهظة ، إذ يشعر الخادم فى بعض اللحظات كأن الوعود الإلهية لا تتحقق ، يرى من حوله يضحكون عليه ويستهزئون به .

شعر إرميا النبى أنه قد خدع !! أين وعود الله له : يحاربونك فلا يقدرون عليك ؟ 1 : 18 ، 19 .. هوذا الآن مهان ومضروب ومقيد ... ليس من يسمع له ، ولا من يصغى إليه !

لعله لم يدرك إرميا النبى أنه كان يليق به أن يحمل صورة مخلصه يسوع المسيح الذى صار أضحوكة كل النهار ، استهزأ به اللص ، وسخر منه الشعب كما الجند ، واجتمعت القيادات الدينية مع المدنية للخلاص منه ! .

هذه هى تكلفة الخدمة والتلمذة للسيد المسيح المصلوب ، القائل :

" ليس التلميذ أفضل من المعلم ، ولا العبد أفضل من سيده ... إن كانوا قد لقبوا رب البيت بعلزبول ، فكم بالحرى أهل بيته ؟! مت 10 : 24 ، 25 .

" لأنه إن كانوا بالعود الرطب يفعلون هذا ، فماذا يكون باليابس ؟! لو 23 : 31 .

كانت صرخات إرميا للقيادات كما للشعب هى : ظلم واغتصاب ( ع 8 ) ، كاشفا لهم عن ضعفاتهم ، وفاضحا أعماقهم .. فلم يحتملوا .

ربما تردد أحيانا ولو إلى لحظات، متساءلا :

لماذا أخسر الناس ؟

لماذا أذكر اسم الله الذى يثيرهم ؟

لماذا لا أصمت ؟

لأترك الخدمة لآخر غيرى !

لكن صوت الحق كان كنار فى قلبه لا يقدر أن يخمدها



" لاني كلما تكلمت صرخت.

ناديت ظلم واغتصاب ،

لان كلمة الرب صارت لي للعار وللسخرة كل النهار.

فقلت لا اذكره ولا انطق بعد باسمه.

فكان في قلبي كنار محرقة محصورة في عظامي ،

فمللت من الامساك ولم استطع " ع 8 – 9 .

كانت كلمة الله للتأديب نارا محرقة فى قلبه ، محصورة فى عظامه ، لكن بسبب أمانته لله وثقته فيه كمخلص لم يستطع أن يمسك عن الكلمة ، ولو كلفه الأمر حياته كلها .



( 4 ) مقاومة الناس ومساندة الرب
" لاني سمعت مذمة من كثيرين.

خوف من كل جانب.

يقولون اشتكوا فنشتكي عليه.

كل اصحابي يراقبون ظلعي قائلين :

لعله يطغى فنقدر عليه وننتقم منه " ع 10 .

يبدو أن إرميا النبى قد دخل فى حالة ارتباك شديد وسط الجو العاصف الذى حل به . رأى الله يخدعه ولم يقف معه ليسنده ضد مقاوميه ، كما صار الأعداء ( الأنبياء الكذبة ) أصحابه يسمعون له لكى يتصيدوا له الأخطاء . تارة يهاجمونه ويسبونه كى لا يصغى الشعب إليه ، وتارة أخرى يراقبونه باهتمام كمن يطلبون كلمة منه .

سمعهم يذمونه ويسخرون منه ، كلماتهم تحمل سخرية من الخارج مع اضطراب فى الداخل ، فقد حل بهم الخوف ، وحاولوا علاج ذلك ، لا بالأستماع إلى صوت الرب ، بل بالسخرية به ... إنهم يخدعون أنفسهم ! .

" ولكن الرب معي كجبار قدير.

من اجل ذلك يعثر مضطهديّ ولا يقدرون.

خزوا جدا لانهم لم ينجحوا خزيا ابديا لا ينسى " ع 11 .

هذه هى صورة السيد المسيح الذى نام على الصليب ، فظنه عدو الخير أنه لا يقوم ، لكنه صرخ بقوة كجبار ، محطما متاريس الهاوية ، وضرب عدو الخير بالصليب ودفع به إلى عار أبدى ! ظن عدو الخير أنه بالصليب يحطم رسالة المسيح ، ولم يدرك أنه بالصليب تمت الغلبة والنصرة لحساب كل مؤمنيه ، وأن السهام قد أرتدت على عدو الخير نفسه لتحطيمه تماما !



( 5 ) تسبحة وسط الآلام
إذ يدرك إرميا النبى معية الله وسط الآلام تتحول حياته من الضيق إلى الفرح ، مسبحا الله المنقذ نفس المسكين من يد الأشرار ، وذلك كما فعل المرنمون ، إذ غالبا ما تنتهى مزامير الرثاء بعبارات مفرحة تكشف عن الثقة فى الله كمخلص وسند للمتألمين .

" فيا رب الجنود مختبر الصدّيق ،

ناظر الكلى والقلب ،

دعني ارى نقمتك منهم لاني لك كشفت دعواي.

رنموا للرب سبحوا الرب ،

لانه قد انقذ نفس المسكين من يد الاشرار " ع 12 ، 13 .

كلمة الرب تسبب مرارة فى البداية لكن تتحول المرارة إلى عذوبة فتتحول حياة المؤمن كلها إلى تسبيح داخلى لا ينقطع .

جاءت التسبحة هنا مطابقة لتلك التى وردت فى إر 11 : 20 ، حينما وقف أهل عناثوث ضده . فمع كل ضيقة ينتهى إرميا إلى ممارسة حياة التسبيح والتمتع بفرح الله مخلصه .



( 6 ) لحظات ضعف بشرى
كانت نفسية إرميا تتمرر من وقت إلى آخر فى لحظات الضعف ، إذ كان يشعر بانسحاق لأعماقه من أجل ما سيحل بشعبه ، وفى نفس الوقت يجد مقاومة حتى الموت من القيادات الفاسدة التى أثرت حتى على الشعب ، حتى اشتهى لو لم يولد .

" ملعون اليوم الذي ولدت فيه.

اليوم الذي ولدتني فيه امي لا يكن مباركا.

ملعون الانسان الذي بشّر ابي قائلا :

قد ولد لك ابن مفرحا اياه فرحا.

وليكن ذلك الانسان كالمدن التي قلبها الرب ولم يندم ،

فيسمع صياحا في الصباح وجلبة في وقت الظهيرة.

لانه لم يقتلني من الرحم ،

فكانت لي امي قبري ورحمها حبلى الى الابد.

لماذا خرجت من الرحم لارى تعبا وحزنا فتفنى بالخزي ايامي ؟!" ع 14 – 18 .

كان يشتهى لو لم يولد ، وكان يود لو أن أحشاء أمه صارت مقبرة له .

صورة للضعف البشرى الذى يسقط فيه حتى الأنبياء والرسل ... كبشر يحتاجون إلى سند إلهى وسط آلامهم حتى لا ينهاروا .

منذ لحظات كان يسبح الله وسط آلامه ، إذ كان متأكدا أنه يخلص نفس المسكين من يد الأشرار ... لكن سرعان ما ضعف وشعر بالفشل مشتهيا لو أن الموت قد حل به فى لحظات ولادته . وقد سمح له الله بتسجيل هذه المشاعر لكى لا نيأس حين نضعف وسط آلامنا ، متطلعين إلى أن الأنبياء أنفسهم كانوا أحيانا يضعفون .

مع كل هذه الظروف القاسية ، ومع مرارة نفسه لم يهرب من الخدمة ... بل كان يهتم بخلاص الآخرين ، حتى المقاومين له .

+ + +
إرميا – الإصحاحات 21 – 33

نبوات ما قبل السقوط

ـــــــــــــــــــ
الإصحاح الواحد والعشرون

قيادة جاحدة

يرد فى هذا الإصحاح أمور خاصة بأواخر أعمال إرميا ، إذ أرسل صدقيا ، آخر ملوك يهوذا ، يسأل إرميا النبى إن كان يثور على ملك بابل ، وكان يأمل أن تأتى الإجابة حسب هواه ، وأن يسمع من إرميا كلمة تشجيع ، لكن إرميا تكلم بشجاعة حسب قضاء الرب ، ليس محاباة لبابل ، وإنما كواقع يجب أن يدركه الملك والشعب ، وهو أن التأديب الإلهى يحل بهم حتما ، لذا طالب الشعب بالخضوع لملك بابل ، وطالب الملك وأسرته بالتوبة .



( 1 ) الملك صدقيا يطلب مشورة إرميا

" الكلام الذي صار الى ارميا من قبل الرب حين ارسل اليه الملك صدقيا فشحور بن ملكيا وصفنيا بن معسيا الكاهن قائلا :

اسأل الرب من اجلنا ،

لان نبوخذراصر ملك بابل يحاربنا.

لعل الرب يصنع معنا حسب كل عجائبه فيصعد عنا " ع 1 ، 2 .

يرى يوسيفوس المؤرخ اليهودى أن صدقيا الملك حين سمع كلمات إرميا صدقها ، وشعر أن كل ما ينطق به هو حق وأنها لصالحه ، لكن أصدقاءه غيروا فكره وانحرفوا به عما نطق به إرميا وألزموه أن يفعل حسبما يسرهم .

على أى الأحوال تكشف هذه العلاقة بين الملك والنبى أيهما كان الأقوى وأيهما كان الأضعف ... فى الواقع كان الملك ( القوى ) مرتعبا غير مستقر ، محتاجا إلى كلمة من إرميا النبى ( موضع سخرية الجميع ) تعطيه طمأنينة وسلاما !

أرسل الملك كاهنين هما فشحور بن ملكيا وهو غير فشحور بن أمير ( 20 : 1 ) وصفنيا بن معسيا . كانا كاهنين وموظفين عند الملك . كان فشحور يكن كل كراهية لإرميا ويرجح أن والده ملكيا هو الذى ألقى إرميا فى الجب ( 38 : 6 ) .

طلب الملك معرفة إرادة الله لعل إجابة الله تتفق مع ما هم مصممون على عمله . إنهم يخدعون أنفسهم ، يطلبون صوتهم هم على لسان الرب .

( 2 ) إجابة إرميا : الله نفسه ضد يهوذا
إذ كان صدقيا مرتعبا بسبب العدو الخارجى الرابض خارج أسوار أورشليم وجه إرميا أنظاره إلى عدو داخل الأسوار هو فساد قلبه وقلوب من معه ، الذى حول الله إلى العداوة ضدهم .

" فقال لهما ارميا :

هكذا تقولان لصدقيا :

هكذا قال الرب اله اسرائيل :

هانذا ارد ادوات الحرب التي بيدكم التي انتم محاربون بها ملك بابل والكلدانيين الذين يحاصرونكم خارج السور ،

واجمعهم في وسط هذه المدينة " ع 3 ، 4

لم يذعن إرميا النبى لرغبة الملك ولم يسايره فى شىء بل كشف بشجاعة عما أعلنه الله له من جهة قضائه ، أى الهلاك لجميع الذين يقاومون بابل حتى الملك وأهل بيته . لا يعنى ذلك أن إرميا كان محبا لبابل ، بل أدرك أن بابل مع كل ظلمها وقساوتها يستخدمها الله – إلى حين – كأداة لتأديب شعبه العنيد والجاحد له .

موقف إرميا هذا خلق عداوة شديدة لكثيرين من مواطنيه ضده ، فاتهموه بالخيانة الوطنية

الله يؤكد لشعبه أن نتيجة المعركة لا تتوقف على كمية الأسلحة أو قدرتها ، وإنما على وجه الله الذى يديره نحو شعبه أو عنهم .

عندما نتصالح مع الله تصطلح الطبيعة معنا ، وتتحول كل الطاقات لبنياننا ، وعندما نقاوم الله تحمل كل الأمور عداوة ضدنا .

" وانا احاربكم بيد ممدودة وبذراع شديدة ،

وبغضب وحمو وغيظ عظيم.

واضرب سكان هذه المدينة ،

الناس والبهائم معا.بوبإ عظيم يموتون " ع 5 ، 6 .

النقطة الخطيرة أن الله نفسه هو الذى يحارب ضدهم ، مستخدما الكلدانيين كوسيلة خاصة به . يحول أسلحة يهوذا إلى هلاكهم ، كما يسمح بالوبأ والسيف والجوع أن يهلكهم هم وحيواناتهم ... مهيأ كل فرصة للعدو أن يغلبهم !

إن كان إرميا قد عجز عن تقديم المصالحة بين الله وشعبه ، فإننا قبلناها ببسط يده ، أى بالتجسد الإلهى .

( 3 ) نصيحة : الخضوع للتأديب الإلهى
" وتقول لهذا الشعب :

هكذا قال الرب.

هانذا اجعل امامكم طريق الحياة وطريق الموت.

الذي يقيم في هذه المدينة يموت بالسيف والجوع والوبإ.

والذي يخرج ويسقط الى الكلدانيين الذين يحاصرونكم يحيا وتصير نفسه له غنيمة. لاني قد جعلت وجهي على هذه المدينة للشر لا للخير يقول الرب.

ليد ملك بابل تدفع فيحرقها بالنار " ع 8 – 10 .

لم يعد أمام صدقيا ورجاله وكل الشعب إلا الأختيار بين أقل الأمرين مرارة : الأستسلام لبابل أو الموت . هذا ما فعلته الخطية بهم ، إصرارهم على الخطية زمانا طويلا أفقدهم إمكانية التمتع بالحرية .

كان إرميا النبى يتكلم كمنطق رجل الله – وليس كرجل سياسة – يوجه الكل نحو الخضوع للتأديب الإلهى كخطوة أولى نحو التجديد المقبل ، كأعتراف مبدئى بالخطأ والرغبة فى التوبة .

رأى البعض من الشعب موقف إرميا النبى خيانة وطنية ( 38 : 17 – 21 ) .



( 4 ) الحاجة إلى التوبة
" ولبيت ملك يهوذا تقول اسمعوا كلمة الرب.

يا بيت داود هكذا قال الرب :

اقضوا في الصباح عدلا ،

وانقذوا المغصوب من يد الظالم ،

لئلا يخرج كنار غضبي فيحرق وليس من يطفئ من اجل شر اعمالكم " ع 11 ، 12 .

جاء حديثه عن التوبة عمليا ، إذ بدأ بالملك بكونه القائد الأعلى للشعب والمسئول أمام الله عنهم ، مؤكدا أنه من بيت داود رجل الله ، لذا يليق به أن يسمع لصوت الرب ويمارس التوبة العملية .

يوضح الله للملك عمليا ما هى خطاياه ، لكى يقدم عنها توبة عملية ، وقد ركزها فى أمرين :

أولا : الظلم وتجاهل العدالة .

ثانيا : التأله والعجرفة .

" فى كل صباح باكر " لأن القضايا كانت تنظر فى الصباح الباكر عند باب المدينة .



فى تعليق للقديس هيبو ليتس على كلمات ربنا يسوع مع الأشرار فى اليوم الأخير ، يقول :

[ حينئذ يسألون : " يارب ، متى رأيناك جائعا أو عطشانا أو غريبا أو عريانا أو مريضا أو محبوسا ولم نخدمك ؟! مت 25 : 44 .

يارب ، أما تعرفنا ؟!

أنت هو الذى خلقتنا ، ووهبتنا الروح والنفس !

إننا آمنا بك ، ونلنا ختمك .

نلنا معموديتك ، واعترفنا بك إلها ... صنعنا آيات بإسمك ، وأخرجنا شياطين ! من أجلك أمتنا الجسد ، واحتملنا البتولية وسلكنا فى العفة !

من أجلك تغربنا على الأرض ، وأنت تقول : لا أعرفكم ، إذهبوا عنى ؟!

يجيب الرب قائلا :

لقد ختمتم بخاتم صليبى ، لكنكم طمستموه بقساوة قلوبكم !

نلتم معموديتى ، لكنكم لم تبالوا بوصاياى !

أخضعتم أجسادكم للبتولية ، لكنكم لم تصنعوا رحمة ، ولا أخرجتم البغضة نحو أخيكم من قلوبكم !

لأنه ليس من يقول يارب يارب يخلص ، بل الذى يصنع مشيئتى ] .



( 5 ) أورشليم تؤله نفسها
" هانذا ضدك يا ساكنة العمق ،

صخرة السهل يقول الرب.

الذين يقولون من ينزل علينا ومن يدخل الى منازلنا.

ولكنني اعاقبكم حسب ثمر اعمالكم يقول الرب.

واشعل نارا في وعره ( غابته ) فتاكل ما حواليها " ع 13 ، 14 .

ظنت أورشليم أنها بعيدة عن طائلة قانون الله وتأديبه .

لقد ألهت أورشليم نفسها ، فظنت أنه لن يقترب منها العدو ، ولا يلحق بها الله نفسه . إنها ملكة متربعة على الوادى ، وصخرة قوية ليس من يحطمها !

" ولكنني اعاقبكم حسب ثمر اعمالكم يقول الرب.

واشعل نارا في وعره فتاكل ما حواليها " ع 14 .

الحديث هنا موجه إلى سكان أورشليم ، ويرى البعض أنه موجه ضد القصر الملكى ، وذلك بسبب كثرة ما استخدموه من الأرز فى تأسيسه ..

نختم هذا الإصحاح بعبارات القديس أغسطينوس :

[ لا يخدع إنسان نفسه ظانا أنه لن يعاقب بمراحم الله ، إذ يوجد حكم .

ولا يخاف إنسان يتغير إلى الأفضل من حكم الرب ، متطلعا أن الرحمة تتقدم الحكم !

فإنه عندما يحكم البشر أحيانا إذ يريدون تنفيذ حكم صارم يفقدون الرحمة .

أما الله فلن يفقد حزم الحكم فى سخاء الرحمة ، ولا الحكم الحازم ينزع سخاء الرحمة ]

+ + +
إرميا – الإصحاح الثانى والعشرون

حاجةالملك إلى التوبة

إن كان الله قد أقام الملك على كرسى داود ، فإنه يليق به كقائد أمين فيما وهبه الله أن يمارس التوبة بروح العدل والرحمة والأتضاع عوض الظلم والكبرياء ، حتى لا يفشل ، ويصير كعقيم لا يجلس أحد من نسله على كرسى داود . يناقش هذا الإصحاح مصير ثلاثة ملوك طغاة ليهوذا ، هم أبناء الملك يوشيا الصالح : يهوآحاز ( شلوم ) ، ويهوياقيم ، ويهوياكين ( كنياهو ) ، ومصير مدينة أورشليم ومملكة يهوذا ، حيث لا يعود يقام ملك على كرسى داود بعد من نسلهم .



( 1 ) حديث صريح مع يهوآحاز
صدرت الأوامر الإلهية إلى أرميا النبى أن يكرز أمام الملك بحزم شديد وتهديد إلهى :

" هكذا قال الرب :

انزل الى بيت ملك يهوذا وتكلم هناك بهذه الكلمة ، وقل :

اسمع كلمة الرب يا ملك يهوذا الجالس على كرسي داود ،

انت وعبيدك وشعبك الداخلين في هذه الابواب " ع 1 ، 2 .

يبدو أن هذا الأمر الإلهى الخاص بحديث إرميا عند بيت الملك كان مبكرا ، فى بدء خدمته ، حيث حمل حديثه رجاء فى إفاء الشعب مع الكهنة ورجاله من السبى إن تاب الجميع ، قادة ورعية ، كما هو واضح من القول : " لانكم ان فعلتم هذا الامر يدخل في ابواب هذا البيت ملوك جالسون لداود على كرسيه راكبين في مركبات وعلى خيل.هو وعبيده وشعبه " ع 5 .

جاء هذا الحديث هكذا :

أولا : " انزل " ...لأن قصر الملك كان فى أحد الوديان محميا بالجبال المحيطة به . دعوة الرب لإرميا أن ينزل تحمل معنيين :

المعنى الأول : أنه لا يخشى الملك بكل سلطانه كأنه عال ومرتفع عنه ، إنما يتطلع إليه كمن ينزل النبى إليه . إن أرميا كرجل الله يجد له مسكنا فى قلب الله ، مرتفع فوق كل الأحداث الزمنية ... عندما يلتقى بالملك إنما ينزل إليه ليحدثه .

المعنى الثانى : أن النزول يحمل الحب نحو النفس الساقطة ، فليق بأولاد الله ألا يتحدثوا بروح التشامخ ، كأنهم جالسون على كراسى المعلمين المتشامخة ، بل ينزلوا إلى كل نفس ليلتقوا معها كشركاء معها فى الضعف ، فتجد فيهم أشخاصا يشاركونها آلامها وضعفها ، فتقبل كلمة الرب .

ثانيا : يذكره بأنه الجالس على كرسى داود ، الذى كان يحمل قلبا كقلب الله ، وقد نال من الله وعودا ، لذا يليق بنسله أن يحملوا روحه ، ويعيشوا كما يليق بأبناء داود البار ، ولا يكسروا العهد مع الله .

هكذا يمكننا القول بأن الحديث هنا موجه إلى كل مؤمن تمتع بالملوكية ، إذ صرنا خلال اتحادنا بالسيد المسيح إبن داود أو بملك الملوك ملوكا على يهوذا ، حيث صارت نفوسنا وأعماقنا أرض يهوذا المحبوبة لدى الله مخلصنا .

ثالثا : جاء النداء الأول للملك وعبيده أى رجاله وشعبه هو : " اسمع كلمة الرب يا ملك يهوذا ... أنت وعبيدك وشعبك الداخلين فى هذه الأبواب " ع 2 .

كلمة الرب هى وراء تقديس النفس والجسد ، لأنها حية وفعالة !

أما هذه الأبواب فهى ليست أبواب المدينة العامة ، وإنما أبواب القصر الملكى ، التى كان يدخلها رجال القصر والشعب الذين عوض طلب العدل استغلوا روح الظلم الذى ساد الملك ورجاله لحسابهم الخاص .



( 2 ) أجروا حقا وعدلا
" هكذا قال الرب :

اجروا حقا وعدلا ،

وانقذوا المغصوب من يد الظالم والغريب واليتيم والارملة ،

لا تضطهدوا ولا تظلموا ولا تسفكوا دما زكيا في هذا الموضع " ع 3 .

استغل الملك ورجاله الغير ، خاصة الضعفاء والمحتاجين ، على خلاف والده يوشيا الذى اهتم بتحقيق العدالة وإنصاف المظلومين .

كما أن الخطية تحطم بيوت الملوك والشعب ، هكذا العدل والبر يسندان الكل ويعطيان قوة وكرامة ومجدا .

" لانكم ان فعلتم هذا الامر يدخل في ابواب هذا البيت ملوك جالسون لداود على كرسيه راكبين في مركبات وعلى خيل.

هو وعبيده وشعبه.

وان لم تسمعوا لهذه الكلمات فقد اقسمت بنفسي يقول الرب ،

ان هذا البيت يكون خرابا " ع 4 ، 5 .

إن كان الله قد بارك يهوذا من أجل عبده داود ، لكن إن لم يسلك نسله على منواله فى علاقته بالله يفقدون هذه البركة . هذا مركز الفكر اللاهوتى السياسى عند إرميا .

يعتمد استمرار البيت الملوكى ، حتى إن نسب لداود ، على قبول الملك رسالة إرميا من كل القلب . بهذا فقط تبقى أبواب القصر الملوكى مفتوحة أمام الملك ورجاله وشعبه للدخول والخروج .

" لانه هكذا قال الرب عن بيت ملك يهوذا.

جلعاد انت لي ،

راس من لبنان ،

اني اجعلك برية ، مدنا غير مسكونة " ع 6 .

يشبه البيت الملكى وربما الملك نفسه بجلعاد ، أى الجبل العالى ، أو بقمة جبل من جبال لبنان الشامخة ، فإنه وإن ظن فى نفسه أنه ثابت ومملوء أمانا ليس من يقدر أن يهبط به من هذا العلو إلا أنه ينحدر ليصير كبرية قاحلة وكمدينة خربة لا يسكنها أحد .

لم يقل " إنى أجعلك ...مدينة غير مسكونة " بل " مدنا " ، لأن الخراب يشمل كل المملكة بمدنها ، وليس أورشليم وحدها .

" واقدّس عليك مهلكين كل واحد وآلاته ،

فيقطعون خيار ارزك ويلقونه في النار " ع 7 .

هنا كلمة " تقديس " تعنى " تكريس طاقاتها وإمكانياتها " أو تخصيصها . وكأن الله يضع فى قلب بابل أن تكرس كل إمكانياتها البشرية والعسكرية لتحطيم الشعب الذى عصى الرب .

بسبب فساد الملك تفقد أورشليم ، مدينة الله ، سمعتها ،بل وتكاد تفقد وجودها ، فتصير برية خربة بلا ساكن .

كل نمو روحى فى حياتك هو لبنيانك وبنيان أسرتك وأصدقائك وكنيستك ومدينتك ووطنك ، بل ولبنيان البشرية ، وكل انهيار أو انحراف عن الطريق الملوكى يحطمك ويحطم من حولك ، ويدفع بالعالم نحو الخراب !

لا تستهن بدورك ، كاهنا كنت أم من الشعب ، شيخا أو شابا أو طفلا ، رجلا أو إمرأة !



( 3 ) لا تبكوا ميتا
" لا تبكوا ميتا ولا تندبوه.

ابكوا ابكوا من يمضي ،

لانه لا يرجع بعد فيرى ارض ميلاده.

لانه هكذا قال الرب عن شلوم بن يوشيا ملك يهوذا المالك عوضا عن يوشيا ابيه الذي خرج من هذا الموضع لا يرجع اليه بعد ،

بل في الموضع الذي سبوه اليه يموت ،

وهذه الارض لا يراها بعد " ع 10 – 12 .

الميت المذكور هنا هو يوشيا الذى قتل فى معركة مجدو عام 609 ق.م. ( 2 مل 23 : 29 – 30 ) بعد حكم طويل وحياة صالحة ، مما يستوجب اشتداد الحزن والحداد .

ولكن إرميا يقول هنا أنه يجب أن يشتد البكاء على الملك الجديد الشاب يهو آحاز بن يوشيا ، الذى سبى بعد ثلاثة شهور وعشرة أيام بواسطة فرعون مصر نخو ولم يرجع منها فيما بعد .

لقد تولى الحكم ظلما بدلا من أخيه البكر ، الله يطلب من الشعب أن يبكوا يهوآحاز أكثر مما بكوا والده ، لأن يوشيا ذهب إلى القبر بسلام وبكرامة ، أما إبنه الشقى فتحسب حياته كموته بلا كرامة ، يعيش فى السبى فى مهانة .

يلزمنا أن نكرم موت الصديقين ونشتهيه ، بينما نشعر ببؤس حياة الأشرار .



( 4 ) الأعتداد بالذات ( يهوياقيم )

بعدما تحدث عن سبى يهوآحاز انتقل إلى الملك يهوياقيم الظالم والطماع والطاغية ، وقد قضى 11 عاما فى ملكه .

" ويل لمن يبني بيته بغير عدل ،

وعلاليه ( حجراته التى على السطح ) بغير حق ( بظلم ) ،

الذي يستخدم صاحبه مجانا ولا يعطيه اجرته.

القائل : أبني لنفسي بيتا وسيعا وعلالي فسيحة ،

ويشق لنفسه كوى ،

ويسقف بارز ،

ويدهن بمغرة " ع 13 – 14 .

لا نسمع عن علاقة إرميا النبى بيوشيا الملك وإبنه يهو آحاز ، لكننا نسمع كثيرا عن علاقته بالملك يهوياقيم الذى يتحدث عنه هنا ( ع 13 – 19 ) . فقد كان عدوا لإرميا منعه من قراءة نبواته ومزق السفر ( إر 36 ) . كان يهوياقيم الملك المستبد الدكتاتور ، رفض إصلاحات أبيه الملك يوشيا ، وكان منحازا لفرعون مصر ومتكلا عليه ، إذ أقامه نخو سلفا لأخيه يهوآحاز ( 2 مل 23 : 34 ) .

عنفه إرميا النبى على كبريائه وظلمه خلافا لأبيه يوشيا ، ورفضه للعدل والبر ( بغير حق ) . وقد جاء توبيخه للملك يتركز فى النقاط التالية :

أولا : شغفه بإنشاء أبنية ضخمة فاخرة .. مارس الحياة المترفة المدللة مع عجرفة وكبرياء .. شتان ما بين يهوياقيم ووالده يوشيا . الأول أقام بيتا صالحا ، بينما أقام الثانى بيتا فاخرا فسيحا ، الأول بالبر أقام بيته ، والثانى بغير عدل ولا حق ( بر ) أنشأه .



استخدم القديس غريغوريوس النزينزى هذه العبارات الخاصة بسكنى الملك يهوياقيم فى مبان فخمة فى حديثه ضد الأريويسيين الذين سطوا على الكنائس وتعقبوا رجال الله لقتلهم : [ هؤلاء الناس لهم بيوت ، أما نحن فلنا الساكن فى البيت ،

لهم معابد ، أما نحن فلنا الله ، وبجانب هذا نحن أنفسنا هياكل حية لله الحى ، محرقات عاقلة ، ذبائح كاملة ، نعم آلهة خلال العبادة للثالوث .

معهم البشر ، ونحن معنا الملائكة ،

يندفعون بتهور ، ونحن لنا الإيمان ،

يهددون ونحن نصلى ،

يشتمون ونحن نحتمل ،

لهم ذهب وفضة ونحن لنا الكلمة النقية ،

بنوا لأنفسهم بيتا وسيعا وعلالى فسيحة ، بيتا مسقوفا ، وشقوا كوى ( إر 22 : 14 ) ، لكن حتى هذه ليست أعلى من إيمانى ولا من السموات التى أحملها قدامى ] .

ثانيا : يقول " الذى يستخدم صاحبه ( الشعب ) مجانا ولا يعطيه أجرته " ليكشف عن أسلوبه الأستغلالى ، واتباعه نظام السخرة المخفية .

ثالثا : جاء الفعل " يشق " بمعنى " يمزق " . أى يوسع الكوى وكأنه يمزق حياته كثوب ، ويفقد الستر والكرامة ليصير كمن هو عريان وفى عار .

رابعا : معاملته القاسية ، وظلمه للفقراء والمساكين :

" هل تملك لانك انت تحاذي الارز ؟!

أما اكل ابوك وشرب واجرى حقا وعدلا.

حينئذ كان له خير.

قضى قضاء الفقير والمسكين ،

حينئذ كان خير.

أليس ذلك معرفتي يقول الرب ؟

لان عينيك وقلبك ليست الا على خطفك وعلى الدم الزكي لتسفكه ؟!

وعلى الاغتصاب والظلم لتعملهما ؟! " ع 15 – 17 .

كأنه يقول له :

ليست المبانى الفسيحة الفخمة هى التى تجعل منك ملكا ، ولا أخشاب الأرز الثمينة أو الزينة ...

فكر كيف عاش أبوك كملك مكرم . لقد أكل وشرب حسنا ، لكن هدفه هو الألتزام بمسئوليته الملوكية من تحقيق العدالة والبر فى حياته وحياة شعبه .



بأمانة كاملة تحدث إرميا النبى عن نهاية الملك يهوياقيم ، قائلا :

" لذلك هكذا قال الرب عن يهوياقيم بن يوشيا ملك يهوذا :

لا يندبونه قائلين آه يا اخي او آه يا اخت.

لا يندبونه قائلين آه يا سيد او آه يا جلاله.

يدفن دفن حمار مسحوبا ومطروحا بعيدا عن ابواب اورشليم " ع 18 ، 19 .

سبق فقال عنه " ويل لهذا الرجل " ( ع 13 ) .... وعلامة الويل الخارجية أنه بنى قصرا فخما بمال الظلم ، ولم يجد جثمانه قبرا يدفن فيه ، ولا من يبكيه . فكما لم يسمع لدموع المظلومين والمحتاجين ، لا يجد من يسكب دمعة واحدة عليه .

يدفن دفن حمار ، لا توجد له مقبرة لدفنه ، يقول المؤرخ اليهودى يوسيفوس بأن نبوخذنصر قتله فى أورشليم وترك جثمانه بلا دفن بعيدا خارج أبواب المدينة .

( 5 ) ثمرة العصيان
بعد أن تحدث عن الملك يهوياقيم الشرير ومصيره ، يوجه هنا خطابا لأورشليم العاصية عاصمة مملكته ، موضحا ثمرة هذا العصيان الذى نشأت عليه منذ صباها :

" اصعدي على لبنان واصرخي ،

وفي باشان اطلقي صوتك ،

واصرخي من عباريم ،

لانه قد سحق كل محبيك.

تكلمت اليك في راحتك.

قلت : لا اسمع.

هذا طريقك منذ صباك انك لا تسمعين لصوتي " ع 20 ، 21 .

الأماكن المذكورة هنا هى مرتفعات حول أورشليم ، يسمع منها الصوت جليا من بعيد حتى يعم الخبر .

المحبين الذين سقطوا .. ربما يقصد الأمم المحيطة بهم المتحالفة معهم ، وأيضا مصر فإنها عوض مساندتهم تنسحق هى وتتحطم .

" هذا طريقك منذ صباك انك لا تسمعين لصوتي " ع 21 يعنى أن حركة العصيان لم تحدث فجأة فى أورشليم ، لكنها صارت أشبه بطبيعتها الملازمة لها منذ صباها .

" كل رعاتك ترعاهم الريح ،

ومحبوك يذهبون الى السبي ،

فحينئذ تخزين وتخجلين لاجل كل شرك " ع 22 .

ربما قصد بـ " رعاتك " ملوك يهوذا ورجالهم الذين كان يجب أن يرعوا الشعب ، فصاروا فى حاجة إلى رعاية من الخارج .

" ايتها الساكنة ( المتربعة ) في لبنان ،

المعششة في الارز ،

كم يشفق عليك عند أتيان المخاض عليك الوجع كوالدة " ع 23 .

فى شىء من السخرية للمتربعة على عرش ، والمفتخرة بعلوها بعد أن صار الريح هو راعيها ، والسبى هو مسكن محبيها ، فقدت عرشها وانحدر عشها من قمة الأرز ، وصارت كإمرأة فى حالة ولادة ، ليس من يشفق عليها ، ولا من يعينها وسط آلامها ! .

( 6 ) تحطيم يهوياكين
" حيّ انا يقول الرب ولو كان كنياهو بن يهوياقيم ملك يهوذا خاتما على يدي اليمنى فاني من هناك انزعك " ع 24 .

بدأ الحديث عنه بقسم من جانب الله لتأكيد تأديبه يهوياكين لإصراره على الشر :

" حى أنا يقول الرب " .

حرم الملك من وكنه ومن شعبه ، فصار فى مذلة داخلية مهما قدم له من كرامة أو إمكانيات .

ينتزع الله يهوياكين من يده ليضعه فى يد العدو ، إذ يقول :

" واسلمك ليد طالبي نفسك ،

وليد الذين تخاف منهم وليد نبوخذراصر ملك بابل وليد الكلدانيين.

واطرحك وامك التي ولدتك الى ارض اخرى لم تولدا فيها وهناك تموتان.

اما الارض التي يشتاقان الى الرجوع اليها فلا يرجعان اليها " ع 25 – 27 .

عوض أن يكون مكانه فى يد الله حيث الحرية والمجد ، يصير موضعه هو وأمه فى السبى حيث العبودية والذل ( 2 مل 24 : 8 ، 15 ) .

لقد نادى الأنبياء الكذبة بأنه يرجع من السبى وذلك لكى يعطوا رجاء لرجال الدولة والشعب ويسرونهم ، فكان كثيرون يعتبرونه الملك الرسمى بالرغم من سبيه ، لكن إرميا النبى فى جرأة نطق بما تكلم به الرب .



" هل هذا الرجل كنياهو ( يهوياكين ) وعاء خزف مهان مكسور ؟!

او اناء ليست فيه مسرة ؟!

لماذا طرح هو ونسله وألقوا الى ارض لم يعرفوها ؟

يا ارض يا ارض يا ارض اسمعي كلمة الرب.

هكذا قال الرب :

اكتبوا هذا الرجل عقيما رجلا لا ينجح في ايامه ،

لانه لا ينجح من نسله احد جالسا على كرسي داود ،

وحاكما بعد في يهوذا " ع 28 – 30 .

بعد أن كان كخاتم فى يد الله ، له تقديره الثمين فى عينى الله وأمام السماء والأرض ، صار ملقيا كإناء مكسور ليس من يسر به .

وقد قيل عن مقاومى السيد المسيح :

" تحطمهم بقضيب من حديد ، مثل إناء خزاف تكسرهم " مز 2 : 9 ... هوذا الله المخلص يحطم بقضيب من حديد ذاك الملك المقاوم له .

+ + +
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://eng.roniajesus@yahoo.com
بحبك يا مارمينا
خادم المنتدى
avatar

انثى عدد الرسائل : 785
العمر : 29
المزاج : نشكرربناعلي كل حال
اعلام الدول :
المهنة :
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: *** موضوع متكامل لتفسير سفر ارميا كتابيا ***   الجمعة فبراير 12, 2010 11:37 pm

إرميا – الإصحاح الثالث والعشرون

الرب راعينا وبرنا

فى الإصحاح السابق تحدث إرميا النبى عن أبناء الملك يوشيا الأشرار : يهوآحاز ويهوياقيم ويهوياكين ، وجاء التأديب الإلهى أن يكون الأخير عقيما ، ليس من نسله من يجلس على كرسى داود ملكا ( 22 : 30 ) ، وكأن مملكة يهوذا تفقد رعاية الملوك .

أما فى هذا الإصحاح فإنه يوبخ الرعاة الأنانيين والأنبياء الكذبة وكل القيادات الفاسدة ، ليعلن أن الله يتسلم رعاية شعبه بنفسه . إنه لا يترك شعبه ، بل يقوم بالعمل الرعوى ، مقدما بره الإلهى برا لهم ، منطلقا بهم إلى خروج جديد فائق .



( 1 ) ويل للرعاة الأنانيين
يتحدث إرميا النبى بصفة عامة عن القيادات السياسية خاصة فى أيام صدقيا الملك التى أفسدت الشعب عوض رعايتهم والأهتمام بهم :

" ويل للرعاة الذين يهلكون ويبددون غنم رعيتي يقول الرب.

لذلك هكذا قال الرب اله اسرائيل عن الرعاة الذين يرعون شعبي:

انتم بددتم غنمي وطردتموها ولم تتعهدوها.

هانذا اعاقبكم على شر اعمالكم يقول الرب " ع 1 ، 2 .

تطلع إرميا النبى إلى الشعب بروح النبوة ، ونظرهم يقادون فى مذلة إلى السبى . لقد اشترك الشعب مع الملك ورجاله فى الشر ، لذلك استحقوا التأديب ، لكن الله يلقى باللوم أولا وقبل كل شىء على القيادات التى تحولت من موقف الرعاية إلى التبديد والطرد .

سمح الله بالسبى ، بل وقدس بابل بكل طاقاتها كالآت فى يده لأسر شعبه ، وفى نفس الوقت فتح باب الرجاء لشعبه ، وأعلن حنوه عليهم ، مكررا التعبير " غنم رعيتى " ، " شعبى " ، " غنمى " .



( 2 ) أنا أرعى غنمى
الله الذى سمح بالتأديب الحازم لشعبه يلاطف ويتحنن ، ويقيم رعاة من عنده يهتمون بهم

" وانا اجمع بقية غنمي من جميع الاراضي التي طردتها اليها ،

واردها الى مرابضها فتثمر وتكثر.

واقيم عليها رعاة يرعونها ،

فلا تخاف بعد ولا ترتعد ولا تفقد يقول الرب " ع 3 ، 4 .

بينما يلقى باللوم على الرعاة الأشرار ، خاصة الملوك ، بكونهم بددوا غنمه وطردوها ( 2 ) ، إذا به يقول هنا : " الأراضى التى طردتهم إليها " ع 3 .

فمن الذى قام بالطرد : الرعاة الأشرار أم الله ؟

لقد سمح الله بطردهم كثمرة طبيعية لشر الرعاة وفسادهم . علة الطرد هم " الرعاة " ، والذى قام بالطرد هو الرب كتأديب لازم لخلاصهم .

يؤكد الله هنا رعايته لشعبه بنفسه ، كما سبق فأعلن جدعون : " لا أتسلط أنا عليكم ، ولا يتسلط ابنى عليكم ، الرب يتسلط عليكم " قض 8 : 23 .

يقول الرب " فتثمر وتكثر " هذا هو مفتاح الإصحاح كله . فقد قدم هذا الوعد لآدم وحواء فى الفردوس ، كما قدم لإبراهيم ويعقوب اللذين من صلبهما جاء شعب الله ... ماذا يعنى هذا ؟

أعطى هذا الوعد الإلهى لآدم وحواء كثمرة ميثاق حب متبادل بين الله والإنسان ، وتأكد الوعد من جديد حين دخل إبراهيم كأب المؤمنين فى ميثاق جديد ، وهكذا يبقى هذا الوعد ساريا لكل من يقبل شروط الميثاق .

تعلق اليهود فى ذلك الحين بآلهة الوثنيين الخاصة بالخصوبة ، ظانين أن الأرتباط بها يفيض عليهم بالخصوبة بالنسبة للبشر والبهائم وأيضا النباتات ، فإذا بهم يفقدون كل بركة ، ويصدر الحكم " ( تكون ) عقيما " 22 : 20 .

الآن يرد لهم الإثمار والإكثار ؟ رعاية الله نفسه ، إذ يتقدم السيد المسيح كلمة الله ، بصليبه ليسجل عهدا جديدا يوقعه بدمه نائبا عنا ، فيه نحسب أبناء العهد ، لنا روح الطاعة للأب ... فننعم بالوعد الإلهى : " فتثمر وتكثر " .



( 3 ) الرب برنا
إذ وعد بإقامة رعاة من عنده يعلن عن رعايته الشخصية لشعبه التى تحققت بمجىء المسيا ، كلمة الله ، الراعى الصالح .

" ها ايام تأتي يقول الرب ،

واقيم لداود غصن بر ،

فيملك ملك وينجح ويجري حقا وعدلا في الارض.

في ايامه يخلص يهوذا ويسكن اسرائيل آمنا ،

وهذا هو اسمه الذي يدعونه به الرب برنا " ع 5 ، 6 .

يتحدث عن الملك الذى طالما ترقبه رجال الله فى العهد القديم ، المسيا ، ابن داود ! يتحدث إرميا النبى هنا عن شخص الملك وسماته ودوره واسمه .

قوله : " ها أيام تأتى " ع 5 ، 7 تعبير شائع لا يعنى تحديد زمن معين ، إنما هو تعبير يشد الإنتباه إلى اعلان له قدسيته وأهميته ...الخ .



أولا : يدعوه " غصن بر " ع 5 .

دعى السيد المسيح غصنا سبع مرات فى العهد القديم وقد قدمت هذه النصوص السيد المسيح كما قدمته الأناجيل الأربعة :

- المسيح الملك ( إنجيل متى ) : إش 11 : 1 ، إر 23 : 5 ، 33 : 15 .

- المسيح الخادم والعبد ( إنجيل مرقس ) : زك 3 : 8 .

- المسيح الصديق والإنسان ( إنجيل لوقا ) : إش 53 : 1 ، 2 ؛ زك 6 : 12 .

- المسيح ابن الله الممجد ( إنجيل يوحنا ) : إش 4 : 2 .

دعى السيد المسيح بالغصن للسببين التاليين :

أ – لأن الغصن مرتبط بالأصل ، فمع أنه رب داود لكنه من نسله ، مرتبط به حسب الجسد .

ب – صار بالحقيقة إنسانا ينمو كالغصن .

ثانيا : ملك ليخلص ، ملك الرب بالصليب ، لا ليسيطر ، بل ليهبنا غفرانا لخطايانا وشركة فى الميراث الأبدى ، على خلاف ملوك يهوذا فى ذلك الحين الذين كانوا يملكون ليبددوا ويهلكوا ، إذ يطلبون ما لنفسهم لا ما لشعبهم ، فخسروا أنفسهم وشعبهم معا !

بقوله : " يملك ملك ( بحكمة ) " ع 5 . يعلن أن المسيا القادم هو ملك حقيقى يملك على القلوب ، وليس كصدقيا الذى كان كدمية يحركها الأنبياء الكذبة .

ثالثا : ينجح ويجرى حقا وعدلا على الأرض .

رابعا : يخلص يهوذا ويسكن إسرائيل آمنا .

لقد وعدهم الأنبياء الكذبة بالسلام ، لكنهم هم أنفسهم فقدوا سلامهم ، أما الراعى الجديد ، فهو ملك السلام ، يدخل بنا إلى مملكته ، إسرائيل الجديد ، فنجد سلاما وأمانا فيه .

خامسا : يدعى اسمه : " الرب برنا " .

أقام البابليون صدقيا ملكا ، لكنه أظهر أنه غير مستحق لهذا الإسم ، لأن كلمة " صدقيا " تعنى " برى هو الله " . فكان لزاما أن يطرد من الملك ليقوم مكانه ملك جديد ، لا يقيمه البابليون ، ولا يأتى بذراع بشرى ، وإنما بخطة إلهية هيأ لها الله عبر الأجيال ، خلالها يقدم الملك المسيا بره الإلهى برا لنا .. نردد مع الرسول بولس :

" لكى لا يفتخر كل ذى جسد أمامه ، ومنه أنتم بالمسيح يسوع الذى صار لنا حكمة من الله وبرا وقداسة وفداء " 1 كو 1 : 29 ، 30 .



( 4 ) خروج جديد
" لذلك ها ايام تأتي يقول الرب :

ولا يقولون بعد حيّ هو الرب الذي اصعد بني اسرائيل من ارض مصر. بل حيّ هو الرب الذي اصعد وأتى بنسل بيت اسرائيل من ارض الشمال ومن جميع الاراضي التي طردتهم اليها فيسكنون في ارضهم " ع 7 ، 8 .

بعد أن تحدث عن السيد المسيح كراع يهبنا بره برا لنا ، قدم لنا عمله الخلاصى كخروج جديد ، لا من أرض مصر ، وإنما من الأراضى التى طردنا إليها .

هذا الخروج فى معناه الحرفى يشير إلى العودة من سبى بابل ، وفى معناه الروحى هو رجوع البشرية إلى حضن الآب ، موضع الراحة .



( 5 ) نبوات ضد الأنبياء الكذبة

بعد أن قدم ثلاث نبوات مملوءة رجاء من جهة إقامة صدقيا ( بر الله ) الجديد ، حيث يصير الله برنا ، فننعم برعاية الله الشخصية فى إبنه يسوع المسيح ، ينطق بخمس نبوات ضد الأنبياء الكذبة ، ربما كتبت فى أوقات مختلفة وجمعت معا لأنها تعالج موضوعا واحدا .

النبوة الأولى : 9 – 12 : إدانتهم بسبب زناهم .

النبوة الثانية : 13 – 15 : إدانتهم لأنهم كذبة .

النبوة الثالثة : 16 – 22 : ينسبون كلماتهم للرب .

النبوة الرابعة : 23 – 32 : يتكلون على أحلامهم .

النبوة الخامسة : 33 – 40 : يطلبون وحى الرب بأفواههم لا بقلوبهم .



النبوة الأولى : 9 – 12 : إدانتهم بسبب زناهم .

" في الانبياء-

انسحق قلبي في وسطي.

ارتخت كل عظامي.

صرت كانسان سكران ،

ومثل رجل غلبته الخمر من اجل الرب ومن اجل كلام قدسه.

لان الارض امتلأت من الفاسقين.

لانه من اجل اللعن ناحت الارض ،

جفت مراعي البرية وصار سعيهم للشر وجبروتهم للباطل " ع 9 ، 10 .

تظاهر الأنبياء الكذبة بالرقة واللطف ، فكانوا يقدمون طمأنينة مخادعة للملك ورجاله كما للجيش والشعب ، مصورين إرميا كرجل متشائم ومحطم لنفسية الشعب وخائن للوطن .. لكن فى الواقع كان إرميا يهتز بكل أعماقه :

القلب : مركز الفكر والإرادة ...

العظام : فتشير إلى الهيكل العام الذى به يقوم كيان الإنسان ..

انكسر قلب إرميا ، وصارت عظامه ترف ، ليس له موضع للراحة أو الأستقرار :

" صار كانسان سكران ، ومثل رجل غلبته الخمر " ع 9 ، وقد ارتبط السكر بالرعب والحزن كما فى حز 23 : 33 .

حقا قد يسعى الأشرار ويجاهدون كما بجبروت وقوة لكن " صار سعيهم للشر وجبروتهم للباطل " ع 10 .

" لان الانبياء والكهنة تنجسوا جميعا ،

بل في بيتي وجدت شرهم يقول الرب.

لذلك يكون طريقهم لهم كمزالق في ظلام دامس ،

فيطردون ويسقطون فيها ،

لاني اجلب عليهم شرا سنة عقابهم يقول الرب " ع 11 ، 12 .

جاء الفعل " تنجسوا " يشير إلى مقاومة المقدسات وليس مجرد " عدم التقوى " ، لهذا يستخدم بالنسبة لمرتكبى الزنا غير المخلصين للمقدسات الإلهية ، سواء للوصية الإلهية أو بيت الرب أو جسد الإنسان أو زوجته ( أو زوجها ) .

يرتبط هذا الإتهام بعبادة البعل ، حيث يمارس عابدو البعل طقوس جنسية للخصوبة كطريق الأمان والإنجاب والصحة .

لقد قدموا طريق الرجاسات للكهنة الذين صارت لهم كمزالق ينحدرون خلالها إلى ظلمة الفساد ، وها هو ذات الطريق يصير كمزالق للأنبياء الكذبة أنفسهم .

هذه المزالق المظلمة التى سقطت فيها القيادات الدينية فى ذلك الحين ، عوض أن يسندوا كل نفس للألتقاء مع الله ، دفعت بهم إلى مملكة الظلمة .

فى قول الرب : " في بيتي وجدت شرهم " ع 11 . استخدم الفعل بمعنى " اكتشفت " . اكتشف الله كحارس لبيته جريمة فدهش كيف تجاسر الكهنة والأنبياء على هذا الفعل الشرير فى مقدساته التى ائتمنهم عليها .

إنها كلمات عتاب مرة يكررها الله فى حديثه مع أولاده هؤلاء الذين نالوا نعمته المجانية وتحولوا إلى هيكله المقدس ، ليعودوا فيرتكبوا الرجاسات فيه . إنهم يدنسون لا أجسادهم بل هيكل الرب ، لأنها لم تعد ملكا لهم بل اشتريت بدم ثمين !



النبوة الثانية ( ع 13 – 15 ) : إدانتهم لأنهم كذبة

هنا يظهر الأنبياء ، خاصة الذين فى أورشليم ، أنهم قد تحالفوا مع الملك ورجاله ليبثوا روح الكذب والضلال وسط الشعب ، فأساءوا قيادة شعب الله ، وحولوهم إلى سدوم وعمورة ، يحملون روح النفاق .

" وقد رأيت في انبياء السامرة حماقة .

تنبأوا بالبعل واضلوا شعبي اسرائيل.

وفي انبياء اورشليم رأيت ما يقشعر منه .

.يفسقون ويسلكون بالكذب ،

ويشددون ايادي فاعلي الشر حتى لا يرجعوا الواحد عن شره.

صاروا لي كلهم كسدوم وسكانها كعمورة.

لذلك هكذا قال رب الجنود عن الانبياء :

هانذا اطعمهم افسنتينا ،

واسقيهم ماء العلقم ،

لانه من عند انبياء اورشليم خرج نفاق في كل الارض " ع 13 – 15 .

يقارن هنا بين أنبياء مملكة الشمال ( عاصمتها السامرة ) وأنبياء مملكة الجنوب ( عاصمتها أورشليم ) . الأولون جحدوا الإيمان ، وأضلوا إسرائيل حيث تنبأوا باسم البعل ، لكن ما فعلته أورشليم ليس بأقل مما فعلته السامرة .

إنها لم ترفض عبادة الله الحى لكنها خلطت هذه العبادة بالعبادة الوثنية ورجاساتها ، فكسرت العهد مع الله ، وصار حالها كحال السامرة ، بل ربما أشر فالمملكتان لم تسلكا بولاء لله ولعهده ، غير أن أنبياء أورشليم دنسوا الهيكل المقدس بزناهم وكذبهم . وهذا أخطر ، إذ يقول : " رأيت ما يقشعر منه " ع 14 . سقطوا فى عبادة البعل مثل السامرة ، وأضافوا إلى شرهم تدنيسهم للمقدسات الإلهية .

هنا يربط بين الرجاسات والكذب ، قائلا : " يفسقون ويسلكون بالكذب " ع 14 .



النبوة الثالثة ( ع 16 – 22 ) : إدانتهم لأنهم ينسبون كلماتهم للرب .

" هكذا قال رب الجنود :

لا تسمعوا لكلام الانبياء الذين يتنبأون لكم.

فانهم يجعلونكم باطلا.

يتكلمون برؤيا قلبهم لا عن فم الرب.

قائلين قولا لمحتقريّ :

قال الرب يكون لكم سلام .

ويقولون لكل من يسير في عناد قلبه لا يأتي عليكم شر.

لانه من وقف في مجلس الرب وراى وسمع كلمته ؟

من اصغى لكلمته وسمع ؟! " ع 16 – 18 .

يميز إرميا النبى بين الأنبياء الكذبة والنبى الحقيقى ، موضحا علامات النبى الحقيقى :

أ – يحمل النبى الحقيقى سلام الله الداخلى بينما يحرم الأنبياء الكذبة منه .

ب – بينما ينطق الأنبياء الكذبة برؤى قلوبهم يصير النبى الحقيقى فم الرب .

جـ - يقدم الأنبياء الكذبة رجاء كاذبا لمحتقرى الرب فى قلوبهم ، أما النبى الحقيقى فينطق بالحق ولو كان جارحا .

د – يتمتع النبى الحقيقى بالحضرة الإلهية : " من وقف فى مجلس الرب ؟! ع 18 . هذه الحضرة العجيبة تتحقق على الأرض وسط شعبه المقدس .

هـ - يتمتع النبى الحقيقى بالأستنارة الروحية ، إذ يقول : " ورأى " ع 18 .

و – له الأذن المختونة ليسمع ويطيع : " وسمع كلمته ؟ من اصغى لكلمته وسمع ؟! " ع 18 .

يرى إرميا النبى غضب الله كعاصفة نارية تهب على رؤوس الأشرار :

" ها زوبعة الرب .

غيظ يخرج ونوء هائج .

على رؤوس الأشرار يثور .

لا يرتد غضب الرب حتى يجرى ويقيم مقاصد قلبه .

فى آخر الأيام تفهمون فهما .

لم ارسل الانبياء بل هم جروا.

لم اتكلم معهم بل هم تنبأوا.

ولو وقفوا في مجلسي لأخبروا شعبي بكلامي ،

وردّوهم عن طريقهم الرديء ، وعن شر اعمالهم " ع 19 – 22 .

لا يقصد هنا بقوله " فى آخر الأيام " ع 20 معنى أخرويا ( إسخاتولوجيا ) وإنما قصد أنه " بعد ذلك " ، أو عندما تعبر هذه الأيام ويحل التأديب .

مرة أخرى يوضح النبوة الصادقة التى تقوم على إرساله الله نفسه ، وحديثه معه ، مع تمتع النبى بالحضرة الإلهية والوقوف أمامه . بمعنى آخر هناك حاجة إلى لقاء صادق مع الله ، وقبول إرسالية صادقة ، والنطق بكلمات الرب بصدق .

يقول الرب : " لم أرسل الأنبياء بل هم جروا " ع 21 .

ماذا يعنى بكلمة " جروا " ؟ كانوا مسرعين ، شغوفين نحو إعلان رسائلهم الخاصة ، وذلك كإلحاحهم " حلمت حلمت " ع 25 . إنهم يعملون بقوة وبسرعة وبلجاجة لكن عملهم باطل ، لأنه مملوء كذبا ، لا يدفع إلى التوبة بل إلى التهاون والأستهتار .



النبوة الرابعة : [ ع 23 – 32 ] : يتكلون على أحلامهم

بدأ الحديث بتوبيخ الأنبياء الكذبة الذين يدعون أن الله يتحدث معهم بالأحلام ، معلنا أن الله الساكن فى الأعالى يتطلع إليهم ويدرك كذبهم .

" ألعلي اله من قريب يقول الرب ولست الها من بعيد ؟ !

اذا اختبأ انسان في اماكن مستترة أفما اراه انا يقول الرب ؟!

أما املأ انا السموات والارض يقول الرب ؟! ع 23 – 24 .

لعله بهذا يوبخهم لأنهم يحسبون الله كالبعل ، محدود فى حجمه وفى موضع سكناه غير قادر على إدراك ما يحل بالأماكن المستترة .

يسكن الله فى السماء فى الأعالى ، وكأن الأرض كلها صغيرة بالنسبة له ، يراها بكل خطاياها ، ولا يقدر أحد ما أن يختفى عنه . وفى نفس الوقت يملأ السماء والأرض ، أينما هرب إنسان يجد الله حاضرا ... فهو بعيد ومنزه عن كل الخليقة وقريب جدا وملاصق لها .

بمعنى آخر يقول : الله منزه عن كل التصرفات التى يمارسها الكذبة ، هو فى الأعالى يعرف ويرى كل شىء ، وهو قريب يود أن يلتقى الكل به !

يكمل حديثه كاشفا كذب هؤلاء الأنبياء :

" قد سمعت ما قالته الانبياء الذين تنبأوا باسمي بالكذب قائلين :

حلمت حلمت.

حتى متى يوجد في قلب الانبياء المتنبئين بالكذب بل هم انبياء خداع قلبهم

الذين يفكرون ان ينسّوا شعبي اسمي باحلامهم التي يقصونها الرجل على صاحبه ،

كما نسي اباؤهم اسمي لاجل البعل " ع 25 – 27 .

يهاجم هنا ما يدعيه الأنبياء من رؤيتهم أحلاما يفسرونها على أنها رسائل سماوية للأسباب :

أولا : كذبهم ، إذ يقول كل منهم : " حلمت . حلمت "، ويتنبأون خلالها كذبا .

ثانيا : ينسبون ما يتنبأون به للرب ، وهذا أخطر ، لأنهم ليس فقط يكذبون ، لكنهم يتسترون تحت اسم الله وهم يكذبون .

ثالثا : شغل موضوع الأحلام أفكار الشعب حتى نسوا الله ووصاياه . نسى آباؤهم الله خلال عبادتهم البعل ، أما هؤلاء فنسوا الله خلال انشغالهم بالأحلام ، لا هم لكل شخص إلا أن يروى أحلاما أو يشتهى أن يسمع عن أحلام إخوته .

بماذا يقيم إرميا النبى هذه الأحلام ؟ يقارن الأحلام بكلمة الله ، كالتبن بجانب الحنطة ، يلزم فرز هذه عن تلك .

" النبي الذي معه حلم فليقص حلما ،

والذي معه كلمتي فليتكلم بكلمتي بالحق.

ما للتبن مع الحنطة يقول الرب.

أليست هكذا كلمتي كنار يقول الرب ؟!

وكمطرقة تحطم الصخر.

لذلك هانذا على الانبياء يقول الرب :

الذين يسرقون كلمتي بعضهم من بعض " ع 28 – 30 .

أحلام الأنبياء الكذبة كالقش يجب فرزها من كلام الرب ، أى من الحنطة .

ماذا يعنى بسرقة كلمة الرب ؟! إننا ننطق بكلمة الرب كأننا قد اختبرناها دون أن نسمع لها أو نمارسها فى حياتنا ، إنما نسرقها من أفواه الآخرين أو كتاباتهم . لهذا يليق بنا لكى لا نحسب لصوص الكلمة أن نمارس ما ننطق به ، أو نجاهد بإخلاص فى ممارستنا إياها .

يختم حديثه عن الأنبياء المدعين أنهم أصحاب أحلام إلهية أو عن سارقى الكلمة ، قائلا :

" هانذا على الانبياء يقول الرب ،

الذين ياخذون لسانهم ويقولون قال.

هانذا على الذين يتنبأون باحلام كاذبة يقول الرب الذين يقصونها ويضلون شعبي باكاذيبهم ومفاخراتهم ،

وانا لم ارسلهم ولا أمرتهم.

فلم يفيدوا هذا الشعب فائدة يقول الرب " ع 31 ، 32 .

بقوله : " يأخذون ( أو يستعملون ) لسانهم ويقولون : قال " ع 31 يعنى أنهم يستخدمون كلماتهم الشخصية فى شكل حديث إلهى ويقولون : " قال الرب .... " .

للمرة الثالثة يؤكد الرب : " هأنذا على ( ضد ) الأنبياء " الذين يبشرون بالأحلام الباطلة ( ع 30 ، 31 ، 32 ) . إنهم مخادعون ولا منفعة منهم ( ع 32 ) .



النبوة الخامسة ( ع 33 – 40 ) : يطلبون وحى الرب بأفواههم ، لا بقلوبهم

أخيرا يتظاهر هؤلاء الأنبياء أحيانا بالرغبة فى التعرف على وحى الرب بينما بقلوبهم يطلبون وحى أنفسهم . تسلل هذا الداء إلى الكهنة فى غير مبالاة ، فسقطوا فى خطية أخطر وهى الرياء والخداع حتى فى معاملاتهم مع الله ورجاله .

" واذا سألك هذا الشعب او نبي او كاهن قائلا ما وحي الرب ؟

فقل لهم اي وحي ؟

اني ارفضكم هو قول الرب.

فالنبي او الكاهن او الشعب الذي يقول وحي الرب اعاقب ذلك الرجل وبيته.

هكذا تقولون الرجل لصاحبه والرجل لاخيه :

بماذا اجاب الرب ؟

وماذا تكلم به الرب ؟

اما وحي الرب فلا تذكروه بعد ،

لان كلمة كل انسان تكون وحيه ،

اذ قد حرّفتم كلام الاله الحي رب الجنود الهنا.

هكذا تقول للنبي بماذا اجابك الرب وماذا تكلم به الرب.

واذا كنتم تقولون وحي الرب فلذلك هكذا قال الرب من اجل قولكم هذه الكلمة وحي الرب وقد ارسلت اليكم قائلا لا تقولوا وحي الرب .

لذلك هانذا انساكم نسيانا وارفضكم من امام وجهي انتم والمدينة التي اعطيتكم وآباءكم اياها.

واجعل عليكم عارا ابديا وخزيا ابديا لا ينسى " ع 33 – 40 .

جاء الحديث هنا يدور حول كلمة " وحى " التى تستخدم بمعان كثيرة ، وهى مقتبسة من فعل nasa ، معناها " يرفع أو يحمل " ، فيكون الإسم معناه " حمل " أو " ثقل " .

هنا يعنى الألتزام بثقل المسئولية القيادية أو الدينية ، أو السقوط تحت ثقل حكم الله ، لكن أحيانا تستخدم كتعاليم نبوية أو وحى نبوى . هنا يقصد بها الوحى .

الله يؤكد أن كلمته ليست ثقلا ، إنما كلمات الإنسان هى التى تحطمه كثقل على نفسه !

لقد نسوا صوت الرب حتى إن طلبوه بأفواههم ، لذلك يقول :

" هأنذا أنساكم نسيانا " ع 39 .

لم يطيقوا سماع صوت الرب ، لهذا جاءت الثمرة : " أرفضكم من أمام وجهى " ع 39

أهانوا الكلمة الإلهية واحتقروها ، لهذا يرفض الله المدينة التى حسبها قبلا مدينته المقدسة ، والتى وهبها لهم ولآبائهم ، ويسكب عارا وخزيا عليهم ( 40 ) .

+ + +
إرميا – الإصحاح الرابع والعشرون

سلتا التين

يقدم الرب لإرميا رؤيا تشرح موقف الفريقين من السبى : فريق الذين خضعوا للسبى وحسبوه تأديبا إلهيا ، وفريق للمقاومين للسبى .

تعتبر هذه الرؤيا ختاما لكل ما قد جمع عن النبوات ضد الملوك والأنبياء الكذبة ، ومقدمة لوعود الله الصادقة المسيانية . فإن كان التين الردىء جدا يشير إلى صدقيا الملك والذين بقوا فى أورشليم ، فإن الله يقيم عهده مع المسبيين ويجعلهم تينا جيدا جدا ... يهبهم قلبا جديدا ليدركوا أنه هو الله ( ع 7 ) .



( 1 ) رؤيا سلتى التين
" اراني الرب واذا سلّتا تين موضوعتان امام هيكل الرب بعدما سبى نبوخذراصر ملك بابل يكنيا بن يهوياقيم ملك يهوذا ورؤساء يهوذا والنجارين والحدادين من اورشليم وأتى بهم الى بابل " ع 1

أمام الحدث الواحد انقسم الكل إلى فريقين لا ثالث لهما ، أحد الفريقين تمثله سلة التين الجيد جدا ، والفريق الآخر تمثله سلة التين الردىء جدا ، وليس من حال وسط .

أولا : حدث واحد أمامه تجاوب كل إنسان ليكون نصيبه فى السلة الأولى أو الثانية . ليس من أنصاف للحلول : إما الإنتماء لمملكة الله أو مملكة إبليس . وكما كتب القديس جيروم فى رسالة شكر لأستوخيوم التى أرسلت له هدية تحوى كريزا :

[ ليتك تحتوين فواكه كتلك التى تنمو أمام هيكل الرب ،

هذه التى قيل عنها " ( التين ) الجيد جيد جدا " .

الله لا يحب شيئا نصف نصف ،

بينما يرحب بالحار ويتجنب البارد يقول فى سفر الرؤيا إنه يتقيأ الفاتر من فمه ( 3 : 15 ، 16 ) ] .

ثانيا : كانت سلتا التين موضوعتين أمام هيكل الرب ، حيث يقدم البشر إلى حضرة الرب ، وهو وحده فاحص القلوب قادر أن يفرز التين الصالح من الردىء . الذين قبلوه بإخلاص وخضعوا لإرادته يحسبون تينا صالحا ، أما الذين يحتقرون وصيته ويهينونه فيحسبون تينا رديا ليس فيه مسرة ولا يصلح قط للطعام .

ثالثا : لماذا اختار التين من بين الفواكه ؟

التين يشير إلى عذوبة الوحدة ( الكنيسة المجتمعة حول عريسها المسيح ) ، فالآف البذور الرفيعة جدا يحتضنها غلاف الوحدة والحب العذب ، ويعطيها قيمة . كل بذرة فى ذاتها لا تستحق إلا التخلص منها ، لكن مع زميلاتها تقدم عذوبة لآكليها وشبعا وصحة !

رابعا : ماذا يعنى بالتين الباكورى ؟

" في السلة الواحدة تين جيد جدا مثل التين الباكوري " ع 2 .

دعى التين الجيد " باكورة " ، وبحسب الشريعة تقدم البكور إلى هيكل الرب .

شجر التين فى فلسطين ينتج ثلاثة محايل فى السنة : المحصول الأول ويدعى الباكورة ، وهذا ما يشار إليه بالتين جيد جدا .



( 2 ) التين الجيد
" ثم صار كلام الرب اليّ قائلا :

هكذا قال الرب اله اسرائيل .

كهذا التين الجيد هكذا انظر الى سبي يهوذا الذي ارسلته من هذا الموضع الى ارض الكلدانيين للخير.

واجعل عيني عليهم للخير وارجعهم الى هذه الارض وابنيهم ولا اهدمهم واغرسهم ولا اقلعهم.

واعطيهم قلبا ليعرفوني اني انا الرب فيكونوا لي شعبا وانا اكون لهم الها لانهم يرجعون اليّ بكل قلبهم " ع 4 – 7 .

اقتيد إلى السبى يكنيا وهو إناء مكسور ومرذول ، ولكن معه الآلاف من العمال المهرة حملوا إلى بابل لخدمة الملك ولحرمان أورشليم من عملهم أثناء الحصار ( 2 مل 24 : 16 ) ، وكان أيضا أشراف يهوذا ، ولعله دعاهم بالتين الجيد لأنه وجد بينهم من كان صالحا مثل النبيين حزقيال ودانيال .

ما دامت السلتان قد وضعتا أمام هيكل الرب كان يليق أن يكون كل التين جيدا ، لأنه لا يقدم للرب إلا ما هو جيد ، فالسلة التى بها التين الجيد تشير إلى النفوس المقدسة التى تقدم للرب كبكور له ، أما السلة الثانية فتشير إلى النفوس التى تدنست وبقيت فى دنسها وهى تمارس العبادة لله ! أى تمزج عبادتها لله الحى بالفساد الذى تتمسك به .



( 3 ) التين الردىء
" وكالتين الرديء الذي لا يؤكل من رداءته.هكذا قال الرب.هكذا اجعل صدقيا ملك يهوذا ورؤساءه وبقية اورشليم الباقية في هذه الارض والساكنة في ارض مصر. واسلمهم للقلق والشر في جميع ممالك الارض عارا ومثلا وهزاة ولعنة في جميع المواضع التي اطردهم اليها.

وارسل عليهم السيف والجوع والوبأ حتى يفنوا عن وجه الارض التي اعطيتهم وآباءهم اياها " ع 8 – 10 .

السلة التى تحمل تينا جيدا تمثل أولاد الله الذين يقدمهم أبوهم للتأديب خلال الحب لأجل إصلاحهم ، أما السلة الثانية فتشير إلى الأبناء العصاة الذين يتركون لإرادتهم الذاتية فى عنادهم المهلك .

تعبر هذه الرؤيا عن مفهوم روحى عميق وهو أن صلاح الإنسان لا يقوم على موقع جغرافى معين وإنما على عطية الله ( القلب الجديد والفهم الجديد ع 7 ) ، التى توهب للمسبيين المشتاقين إلى حرية مجد أولاد الله .

الذين ارتبطت قلوبهم بأورشليم فى شكليات خارجية مع عصيان وإصرار على الفساد حسبوا تينا رديئا جدا ، أما الذين حرموا من أورشليم وفقدوا الهيكل بالجسد ، لكن أعماقهم مرتبطة به بالروح ، صاروا هم أنفسهم أورشليم الروحية وهيكل الرب المقدس ! .

+ + +

إرميا – الإصحاح الخامس والعشرون

كأس خمر السخط

يرى البعض أن هذا الإصحاح يمثل ختاما للدرج الذى أملاه إرميا على كاتبه باروخ عام 604 ق. م. وأن وضعه الأصلى بعد الإصحاحات العشرين الأولى .

ففى ذلك الحين أقام نبوخذنصر نفسه سيدا على منطقة الشرق الأوسط من مصر إلى مابين النهرين . وأدرك إرميا أنه قد هبت الريح القادمة من الشمال على يهوذا وأورشليم فعلا ، وهى تحرك الجيش البابلى .

فى هذا الإصحاح يقدم لنا النبى ملخصا لخدمته خلال الثلاث وعشرين عاما السابقة كنبيا للشعوب ، هذه الخدمة التى رفضها الجميع ، كما سبقوا فرفضوا خدمة الأنبياء السابقين له .



( 1 ) تاريخ النبوة
كل الأحاديث النبوية التى سبق فألقاها إرميا إما أنها لا تحمل تاريخا بالمرة أو تحمله بطريقة عامة كالقول : " فى أيام يوشيا " ( 3 : 6 ) ، أو " فى بدء حكم يهوياقيم " ( 26 : 1 ) .

" الكلام الذي صار الى ارميا عن كل شعب يهوذا في السنة الرابعة ليهوياقيم بن يوشيا ملك يهوذا.

هي السنة الاولى لنبوخذراصر ملك بابل .

الذي تكلم به ارميا النبي على كل شعب يهوذا ،

وعلى كل سكان اورشليم قائلا : " ع 1 ، 2

يرجع تاريخ الفقرة إلى عام 605 ق.م. فى السنة الرابعة لملك يهوياقيم التى دارت فيها معركة كركميش الفاصلة ، ونتيجة هذه المعركة تم طرد المصريين ، واستولت بابل على يهوذا لتصبح جزءا من إمبراطوريتها ( ملوك الثانى 24 : 1 ) .

وتعتبر هذه السنة نقطة تحول خطيرة فى تاريخ يهوذا بعد هزيمة فرعون نخو بواسطة البابليين .

" من السنة الثالثة عشر ليوشيا بن آمون ملك يهوذا الى هذا اليوم هذه الثلاث والعشرين سنة صارت كلمة الرب اليّ فكلمتكم مبكرا ومكلما فلم تسمعوا " ع 3

إذ يعتبر إرميا النبى أن خدمته بدأت فى السنة الثالثة عشرة من حكم يوشيا سنة 627 ق.م. يتساءل البعض إن كان هذا التاريخ هو بداية أول رسالة تسلمها من الله لإعلانها على الشعب ، أم أنه تاريخ ميلاده حيث دعى للخدمة وهو بعد فى بطن أمه . على أى الأحوال بدأ إرميا خدمته مبكرا جدا .

الفترة من السنة الثالثة عشرة ليوشيا حتى السنة الرابعة من يهوياقيم تضم 23 عاما ، منها 19 عاما فى أيام يوشيا و 4 أعوام فى أيام يهوياقيم ، بالإضافة إلى 3 شهور ملك يهوآحاز .



( 2 ) تأكيد الدمار
" وقد ارسل الرب اليكم كل عبيده الانبياء مبكرا ومرسلا فلم تسمعوا ولم تميلوا اذنكم للسمع.

قائلين ارجعوا كل واحد عن طريقه الرديء وعن شر اعمالكم واسكنوا في الارض التي اعطاكم الرب اياها وآباءكم من الازل والى الابد.

ولا تسلكوا وراء آلهة اخرى لتعبدوها وتسجدوا لها ولا تغيظوني بعمل ايديكم فلا اسيء اليكم.

فلم تسمعوا لي يقول الرب لتغيظوني بعمل ايديكم شرا لكم .

لذلك هكذا قال رب الجنود :

من اجل انكم لم تسمعوا لكلامي ،

هانذا ارسل فآخذ كل عشائر الشمال يقول الرب والى نبوخذراصر عبدي ملك بابل وآتي بهم على هذه الارض وعلى كل سكانها وعلى كل هذه الشعوب حواليها فاحرمهم واجعلهم دهشا وصفيرا وخربا ابدية.

وابيد منهم صوت الطرب وصوت الفرح صوت العريس وصوت العروس صوت الارحية ونور السراج " ع 4 – 10 .



يلاحظ فى العبارات السابقة الآتى :

أولا : هنا يوجه إرميا التماسه إلى عامة الشعب وليس للطبقة الحاكمة قط .

ثانيا : يؤكد إرميا النبى أن ما نادى به خلال الثلاث وعشرين سنة لم يكن بالأمر الجديد . فقد سبق وأرسل لهم الله أنبياء منذ وقت مبكر ينذرهم بذات الرسالة .

لقد سبقه إشعياء النبى وغيره ، فما هو عذرهم ؟ وعوض التوبة استهانوا بطول أناة الله ولطفه ، ظانين أن الله يهدد ولا يؤدب !

ثالثا : بقولـه : " عمل أيديكم " ع 6 . ربما يشير إلى صنع التماثيل أو الأوثان التى يصنعونها ثم يتعبدون لها ، وقد تشير إلى الشر الذى يرتكبوه ، وكأن شرهم قد تمثل فى عبادتهم للأوثان كما فى تصرفاتهم الشريرة وسلوكهم الردىء .

رابعا : يقدم الحكم على يهوذا باسم " رب الجنود " ع 8 الذى يستدعى كل عشائر الشمال وسكانها ضد يهوذا . هنا يقوم الرب كقائد جنود لا للدفاع عن شعبه بل لتأديبهم ، مستخدما نبوخذنصر عبدا له يتمم إرادته . إنه ليس عبدا له لأنه متعبد له ، وإنما بكونه أداة فى يد الرب ... يقيم به حربا مقدسة ضد شعبه !

خامسا : الإشارة لعشائر الشمال ( ع 9 ) هى إشارة للطبيعة المعقدة للأمبراطورية الأشورية وخليفتها الإمبراطورية البابلية .

سادسا : يؤدب يهوذا وكل الشعوب التى حواليها ، ربما لأنها اتكلت عليها وأخذت بمشورتها عوض الأتكال على الرب واستشارته . يجعلهم فى حالة رعب ( دهشا ) وخراب تام ، وينزع عنهم كل علامات الحياة ، من أفراح وزيجات وصوت طحن الغلة ( الأرحية ) والنور ، كأنهم يصيرون فى حالة موت .

يرى البابا أثناسيوس الرسولى أن النبوة هنا قد تحققت بالأكثر لا فى السبى البابلى بل فى سبيهم بجحد الإيمان بالسيد المسيح المحيى .

سابعا : يقول : " آتى بهم على هذه الأرض " .... ماذا يعنى هذا ؟

حين يرفض الشعب الألتصاق بالسماوى يتركهم ليلتصقوا بالأرض فيصيرون أرضا ، لا سماء . لهذا عندما جاء مسيحنا السماوى ليردنا من سبينا ، فتح بدم ذبيحته طريق السماء الملوكى ، لهذا يتحدث القديس يوحنا الذهبى الفم عن الأفخارستيا كرحلة إلى السماء قائلا :

[ + كأن الإنسان قد أخذ إلى السماء عينها ، يقف بجوار عرش المجد ، ويطير مع السيرافيم ويتغنى بالتسبحة المقدسة .

+ أهرق هذا الدم فاتحا طريق السماء !

+ ما دمنا قد صرنا سمائيين ، وحصلنا على ذبيحة كهذه ، فلنخف ! يليق بنا ألا نستمر فى زحفنا على الأرض ، ومن يريد منا ألا يكون بعد على الأرض ، فإنه يستطيع الآن ... إذ نقترب من الله نصير فى السماء ، بل ماذا أريد من السماء إن كنت أرى رب السماء وصرت أنا نفسى سماء ؟! ... أقصد لنتمثل ببولس الذى وهو على الأرض يقضى حياته فى السماء . ] .



( 3 ) مدة الدمار
" وتصير كل هذه الارض خرابا ودهشا وتخدم هذه الشعوب ملك بابل سبعين سنة ويكون عند تمام السبعين سنة اني اعاقب ملك بابل وتلك الامة يقول الرب على اثمهم وارض الكلدانيين واجعلها خربا ابدية.

واجلب على تلك الارض كل كلامي الذي تكلمت به عليها كل ما كتب في هذا السفر الذي تنبأ به ارميا على كل الشعوب.

لانه قد استعبدهم ايضا امم كثيرة وملوك عظام فاجازيهم حسب اعمالهم وحسب عمل اياديهم " ع 11 – 14 .

هذه هى المرة الأولى التى يشار فيها إلى مدة السبى البابلى بكونها سبعين عاما ، يحسبها البعض إما منذ بدأ النبى حديثه عن السبى سنة 604 ق . م . أو عندما تم ترحيل أول دفعة إلى السبى سنة 597 ق. م . ، أو عند ترحيل عدد ضخم سنة 587 ق . م .

مع دقة الرقم بحسب حسابات مفسرى الكتاب والمؤرخين ، يحمل رقم 70 معنى رمزيا وهو كمال العمل الإلهى فى حياتنا الزمنية . رقم 7 يشير إلى الكمال ، ورقم 10 يشير إلى الحياة الزمنية التى يجب أن تحكمها الوصايا العشرة ، لذلك فإننا وإن كنا كمن فى السبى ننتظر كمال المجد الأبدى لنصير بالحق الملكة السماوية شريكة المجد ... فإننا خلال أعوامنا السبعين ننعم بعمل الله الدائم ، حيث يهيئنا بروحه القدوس لنحمل صورته فنصير العروس الملكة الحرة .

أعوامنا على الأرض يرمز لها برقم 70 حيث نتلمس كمال عمل الله الخلاصى لأجلنا حتى ننطلق إلى سمواته .



( 4 ) ملخص النبوات ضد الأمم
الله ليس إله إسرائيل وحده ، بل إله كل الشعوب ، يهتم بالجميع ، وها هو يرسل إرميا نبيه " نبيا للشعوب " .. يبدأ هنا بتأديب شعبه بسبب إصرارهم على عدم التوبة ، بهذا تكون البداية لتسقط أمة وراء أمة تحت ذات التأديب ، مادام ليس هناك رجوع إلى الله بالتوبة .. وأخيرا يسقط العالم كله تحت التأديب حتى بابل اليد المستخدمة للتأديب ! هنا إعلان صارخ عن فساد الطبيعة البشرية والحاجة إلى تدخل إلهى لإقامة طبيعة جديدة تتجاوب مع خالقها !

" لانه هكذا قال لي الرب اله اسرائيل :

خذ كاس خمر هذا السخط من يدي واسق جميع الشعوب الذين ارسلك انا اليهم اياها. فيشربوا ويترنحوا ويتجننوا من اجل السيف الذي ارسله انا بينهم ،

فأخذت الكاس من يد الرب وسقيت كل الشعوب الذين ارسلني الرب اليهم.

اورشليم ومدن يهوذا وملوكها ورؤساءها لجعلها خرابا ودهشا وصفيرا ولعنة كهذا اليوم.

وفرعون ملك مصر وعبيده ورؤساءه وكل شعبه.

وكل اللفيف وكل ملوك ارض عوص وكل ملوك ارض فلسطين واشقلون وغزة وعقرون وبقية اشدود وادوم وموآب وبني عمون ،

وكل ملوك صور وكل ملوك صيدون وملوك الجزائر التي في عبر البحر ،

وددان وتيماء وبوز وكل مقصوصي الشعر مستديرا .

وكل ملوك العرب وكل ملوك اللفيف الساكنين في البرية ،

وكل ملوك زمري وكل ملوك عيلام وكل ملوك مادي ،

وكل ملوك الشمال القريبين والبعيدين كل واحد مع اخيه وكل ممالك الارض التي على وجه الارض.

وملك شيشك يشرب بعدهم.

وتقول لهم : هكذا قال رب الجنود اله اسرائيل.اشربوا واسكروا وتقيأوا واسقطوا ولا تقوموا من اجل السيف الذي ارسله انا بينكم.

ويكون اذا أبوا ان يأخذوا الكاس من يدك ليشربوا انك تقول لهم :

هكذا قال رب الجنود تشربون شربا.

لاني هانذا ابتدئ اسيء الى المدينة التي دعي اسمي عليها فهل تتبرأون انتم ؟!

لا تتبرأون لاني انا ادعو السيف على كل سكان الارض ،

يقول رب الجنود " ع 15 – 29

الكأس التى يقدمها هنا إرميا النبى للشعوب هو السيف الذى تضرب به هذه الشعوب فتترنح كالسكارى بلا وعى من هول الحدث ، يفقدون عقولهم ويصيرون كالمجانين . يتساءل البعض : كيف قدم إرميا للملوك كأس غضب الله ؟ هل قام برحلة لملوك وشعوب مختلفة ؟ أم قدم الكأس لسفرائهم فى أورشليم ؟

إنه كأس غير مادى يحمل غضبا لا تشربه الأجساد . العمل الذى قام به إرميا هو رسالة تؤكد حقيقة السخط الإلهى على الشر والأشرار المصرين على شرهم ، يعلنها النبى فى أورشليم أمام الملك والشعب ، وتبلغ إلى الملوك والشعوب المحيطة .

ددان : شعب كوشى فى جنوب العربية ..

" تيماء " قبيلة عربية تسكن فى المناطق الصحراوية وراء حاران ..

" بوز " قبيلة عربية من نسل ناحور أخو إبراهيم ( تك 22 : 21 ) تقطن على الطريق السياحى من دمشق إلى مكة ، ما بين تبوق ووادى القرى .

إن كان الله يستخدم بابل للتأديب ، فيعطيها أن تسيطر على العالم كله فى ذلك الحين فإنه يعود فيحاكمها على شرها بعد ذكره كل ممالك الأرض ، وقد دعيت هنا " شيشك " ع 26 وهو اسمها الشفرى ( 51 : 41 ) . ربما لكى لا يثير السلطات البابلية ضده .



( 5 ) قضاء الرب للمسكونة
" وانت فتنبأ عليهم بكل هذا الكلام وقل لهم :

الرب من العلاء يزمجر ومن مسكن قدسه يطلق صوته ، يزئر زئيرا على مسكنه بهتاف كالدائسين يصرخ ضد كل سكان الارض.

بلغ الضجيج الى اطراف الارض لان للرب خصومة مع الشعوب هو يحاكم كل ذي جسد.يدفع الاشرار للسيف يقول الرب.

هكذا قال رب الجنود :

هوذا الشر يخرج من امة الى امة وينهض نوء عظيم من اطراف الارض.

وتكون قتلى الرب في ذلك اليوم من اقصاء الارض الى اقصاء الارض.لا يندبون ولا يضمون ولا يدفنون.

يكونون دمنة على وجه الارض .

ولولوا ايها الرعاة واصرخوا وتمرغوا يا رؤساء الغنم لان ايامكم قد كملت للذبح وابددكم فتسقطون كاناء شهي.

ويبيد المناص عن الرعاة والنجاة عن رؤساء الغنم .

صوت صراخ الرعاة وولولة رؤساء الغنم.

لان الرب قد اهلك مرعاهم .

وبادت مراعي السلام من اجل حمو غضب الرب.

ترك كشبل عيصه ( عرينه ) لان ارضهم صارت خرابا من اجل الظالم ومن اجل حمو غضبه " ع 30 – 38 .



1 - فى اسلوب شعرى تتغير الصورة إلى منظر أسد مزمجر ( عا 1 : 2 ، هو 11 : 10 ) . هنا يختلف التشبيه عن النصوص الأخرى ، فإن صوت الزئير لا يخرج من صهيون ولا من أورشليم بل من الأعالى من مسكنه المقدس فى السموات ، لأن التأديب لا يصدر ضد الأمم الوثنية فحسب ، بل ضد شعبه أيضا ومدينته .

2 – يزأر الله ليؤدب البشرية المصرة على العصيان ، زئيره يشبه صياح المحاربين .

3 – يسمع زئيره وسط الرعود ( خروج 19 : 16 ) ، وفى العاصف ( 23 : 19 ، عا 1 : 2 ، يوئيل 4 : 16 ) .

يحذرهم الرب من التباطوء فالكارثة تنتشر بسرعة من أمة إلى أمة ، دون تحديد لأسماء الأمم ، كعاصفة قوية تهب من أقاصى الأرض إلى أقاصيها ( ع 32 ) .

4 – يصرخ كالدائسين العنب .

5 – أما الرعاة أو سادة القطيع فيطلب منهم أن يولولوا ويصرخوا ويتمرغوا فى التراب ( ع 34 ) ، فقد صاروا ككباش مشتهاة للذبح خلال التأديب والمرارة .

6 – يدخل الرب فى خصومة قانونية ليحاكم كل البشرية ( ع 31 ) . كأنه وهو الديان لا يحكم على الشعوب ، بل يسلمهم إلى القضاء ، لكى يعطيهم فرصة للدفاع أو التوبة .

7 – يحذرهم أيضا من السلام الكاذب ، إذ يظنون أنهم فى وسط مراعى السلام يمارسون سلطانهم كرعاة ورؤساء ، ولم يدركوا أن الأسد قادم ، ومراعيهم تتحول إلى خراب ، ويسقطون تحت السيف بسبب الغضب الإلهى .

+ + +
إرميا – الإصحاح السادس والعشرون

عظة الهيكل ونتائجها

تحوى الإصحاحات الأربعة ( 26 – 29 ) صورة حية عن حوار إرميا النبى مع الأنبياء الكذبة ، موجها إلى كل المستويات :

1 – على مستوى القيادات مع الشعب : عظة الهيكل ونتائجها ( إر 26 ) .

2 – على مستوى الملوك : نير بابل ( إر 27 ) .

3 – على مستوى الأنبياء الكذبة : إرميا يقف ضد حنانيا ( إر 28 ) .

4 – على مستوى القيادات والشعب فى السبى : رسالة إلى المسبيين ( إر 29 ) .



بناء على الأمر الإلهى وقف إرميا فى دار الهيكل يحذر الكل من خراب الهيكل والمدينة مالم يسمعوا لصوت الأنبياء ، مقدما لهم باب الرجاء خلال التوبة . اتفق الكهنة والأنبياء والشعب على قتل إرميا ، كما جاء الرؤساء من بيت الملك يتحالفون معهم إلى حين .

لم يخفهم إرميا بل حذرهم من سفك دمه البرىء ، فوقف الرؤساء مع الشعب ضد الكهنة والأنبياء قائلين إنه إنما يتكلم باسم الرب .



( 1 ) إرميا فى دار بيت الرب
يحوى هذا الإصحاح ملخصا لعظة إرميا النبى فى دار بيت الرب .

قدم إرميا للمحاكمة ، وقد ظهرت المجموعات التالية :

أ – إرميا كنبى يحذر الشعب ، وكمتهم ، وأيضا كمدافع عن نفسه .

ب – الكهنة والأنبياء الكذبة يتهمون إرميا .

جـ - القضاة .

د – الرؤساء : السلطات المدنية .

هـ - الشيوخ .

و – متهمون آخرون غير إرميا .

" في ابتداء ملك يهوياقيم بن يوشيا ملك يهوذا صار هذا الكلام من قبل الرب قائلا:

هكذا قال الرب :

قف في دار بيت الرب وتكلم على كل مدن يهوذا القادمة للسجود في بيت الرب بكل الكلام الذي اوصيتك ان تتكلم به اليهم.

لا تنقص كلمة.

لعلهم يسمعون ويرجعون كل واحد عن طريقه الشرير ،

فأندم عن الشر الذي قصدت ان اصنعه بهم من اجل شر اعمالهم.

وتقول لهم هكذا قال الرب :

ان لم تسمعوا لي لتسلكوا في شريعتي التي جعلتها امامكم ،

لتسمعوا لكلام عبيدي الانبياء الذين ارسلتهم انا اليكم مبكرا ومرسلا اياهم فلم تسمعوا. اجعل هذا البيت كشيلوه وهذه المدينة اجعلها لعنة لكل شعوب الارض.

وسمع الكهنة والانبياء وكل الشعب ارميا يتكلم بهذا الكلام في بيت الرب " ع 1 – 7 .

كان إرميا النبى فى نزاع مستمر مع الملك الشرير يهوياقيم ( 2 مل 23 : 36 ، 37 ) ، الذى وصفه يوسيفوس أنه لم يكن يخاف الله ولا يهاب إنسانا ، وكان لزوجته نحوشتا أثرها عليه ، هذه التى اشترك أبوها ألناثان فى جريمة قتل أوريا .

وقف إرميا فى دار بيت الرب يعلن محاكمة الله لشعبه مقدما لهم الرجاء الحى فى العفو إن أعلنوا توبتهم وذلك عوض النظرة التفاؤلية التى قدمها الأنبياء الكذبة فى رجاء باطل وخداع .

تعبير الله لإرميا " لا تنقض كلمة " ع 2 تعبير حى .

كأن الله يحذر إرميا ألا يهادن الشعب بل ينطق بكل كلمات الرب لهم مهما بدت قاسية ، وفى نفس الوقت فإن الله فى محبته يشتاق أن يوقف الحكم الصادر ضدهم بالتأديب ، إن قدموا توبة .

هنا يؤكد الله أنه يعلن عن إرادته لأنبيائه الحقيقيين وحدهم ، ويميز بين أنبيائه الحقيقيين والأنبياء الكذبة ، فينسب الأولين له ويدعوهم : " عبيدى " ع 5 ، لأنهم يسمعون له ويتممون إرادته .

ما أصعب أن يسمع الكل عن الهيكل ومدينة الله أن يصيروا كشيلوه هذه التى حطمها الفلسطينيون حوالى سنة 1050 ق . م . ( 1 صم 4 ) .

ما أصعب على آذان الكل أن يسمعوا كلمة " لعنة " ع 6 عن مدينة الله التى يرى الكل أنها سبب بركة للعالم كله !



( 2 ) القبض على إرميا ومحاكمته
" وكان لما فرغ ارميا من التكلم بكل ما اوصاه الرب ان يكلم كل الشعب به ان الكهنة والانبياء وكل الشعب امسكوه قائلين تموت موتا.

لماذا تنبأت باسم الرب قائلا مثل شيلوه يكون هذا البيت وهذه المدينة تكون خربة بلا ساكن ؟ !

واجتمع كل الشعب على ارميا في بيت الرب " ع 8 ، 9 .

لم يقف الأمر عند غضب الملك ، وإنما رأى الشعب فى مجاهرة إرميا بأن الله سيجعل مقدسه – الهيكل الذى يفتخرون به – خرابا ، كما فعل لشيلوه منذ حوالى 500 سنة ، إهانة لله كأنه عاجز عن حمايتهم ...

ألقى القبض على إرميا بالتهم التالية ، وهى ذات الإتهامات التى وجهت إلى السيد المسيح نفسه ( مت 26 : 60 ) ، فكان إرميا رمزا وظلا لمخلصه :

أ – النطق بكلمات ضد الهيكل والمدينة المقدسة فى داخل الهيكل .

ب – النطق بإسم يهوه باطلا ، معلنا أن الهيكل يصير كشيلوه ، وأورشليم تصير خرابا بلا ساكن .

جـ - كان إرميا فى نظر متهميه نبيا كاذبا ، إذ كانوا يظنون أن ما نطق به أمر مستحيل ، لن يصدر عن رجل الله !

د – أنه مجدف ، ينطق بإسم الله بما لا يليق بالله !

لا تزال الإتهامات موجهة ضد المسيح فى تلاميذه ومؤمنيه ، الذين يحسبون إلى اليوم مجدفين .



كلمة " اجتمع " تشير إلى تجمع دينى كما إلى تجمع للحرب ( 2 صم 20 : 14 ) ، وكأن الهيكل قد تحول من اجتماع دينى إلى معركة أو ثورة غضب شعبية ضد إرميا .



( 3 ) صعود الرؤساء إلى بيت الرب
" فلما سمع رؤساء يهوذا بهذه الأمور صعدوا من بيت الملك الى بيت الرب وجلسوا في مدخل باب الرب الجديد.

فتكلم الكهنة والانبياء مع الرؤساء وكل الشعب قائلين :

حق الموت على هذا الرجل ،

لانه قد تنبأ على هذه المدينة كما سمعتم بآذانكم " ع 10 ، 11 .

سمع رؤساء القضاة الرسميين ( رؤساء يهوذا ) بالأمر ، فاقاموا محاكمة حيث جلسوا فى مدخل " الباب الجديد " . هذه هى العادة أن تقام المحاكمة عند الأبواب ( تك 23 : 10 – 20 ، را 4 : 1 ، أم 31 : 23 ) .

لماذا تمت محاكمة إرميا النبى فى مدخل باب الرب الجديد ؟
يبدو أن الله قد سمح بمحاكمته فى مدخل باب لرب الجديد " خارج أورشليم " ليدرك أنه ليس طرفا فى هذه المحاكمة ، إنما كلمة الرب نفسه ! كان ظلا للسيد المسيح الذى ارتجت الأمم وقامت الملوك ضده ، وصدر الحكم عليه : موتا تموت ! وصلب على جبل الجلجثة خارج المحلة .



( 4 ) إرميا يحذرهم من سفك دمه
" فكلم ارميا كل الرؤساء وكل الشعب قائلا.

الرب ارسلني لاتنبأ على هذا البيت وعلى هذه المدينة بكل الكلام الذي سمعتموه.

فالآن اصلحوا طرقكم واعمالكم واسمعوا لصوت الرب الهكم فيندم الرب عن الشر الذي تكلم عليكم.

اما انا فهانذا بيدكم.

اصنعوا بي كما هو حسن ومستقيم في اعينكم.

لكن اعلموا علما انكم ان قتلتموني تجعلون دما زكيا على انفسكم وعلى هذه المدينة وعلى سكانها ،

لانه حقا ارسلني الرب اليكم لاتكلم في آذانكم بكل هذا الكلام " ع 12 – 15 .

جاء دفاع إرميا أن ما نطق به ليس من عنده بل من قبل الله ، وأنه نبى حقيقى ( ع 21 ) ، وأن قتله يعنى سفك دم برىء ، ينتقم له الرب نفسه . كما دعى الكل إلى التوبة لخلاصهم . إنه لا يبالى بقتله لكنه يخشى هلاكهم وضياع الشعب كله والمقدسات الإلهية .

لم يكن دفاع إرميا عن ضعف ولا عن خوف من الموت ، وإنما لأجل خلاص سامعيه . فإن محاكماتهم لن تفقده سلامه أو سعادته ، وكما يقول القديس يوحنا الذهبى الفم :

[ الإنسان الفاضل ، وإن كان عبدا أو سجينا ، فهو أكثر الناس سعادة .. ضعيفة هى الرذيلة وقوية هى الفضيلة ! ] .



( 5 ) الرؤساء والشعب ضد الكهنة والأنبياء
" فقالت الرؤساء وكل الشعب للكهنة والانبياء :

ليس على هذا الرجل حق الموت لانه انما كلمنا باسم الرب الهنا.

فقام اناس من شيوخ الارض وكلموا كل جماعة الشعب قائلين :

ان ميخا المورشتي تنبأ في ايام حزقيا ملك يهوذا وكلم كل شعب يهوذا قائلا :

هكذا قال رب الجنود ان صهيون تفلح كحقل وتصير اورشليم خربا وجبل البيت شوامخ وعر.

هل قتلا قتله حزقيا ملك يهوذا وكل يهوذا ؟!

ألم يخف الرب وطلب وجه الرب فندم الرب عن الشر الذي تكلم به عليهم ، فنحن عاملون شرا عظيما ضد انفسنا ؟!

وقد كان رجل ايضا يتنبأ باسم الرب اوريا بن شمعيا من قرية يعاريم فتنبأ على هذه المدينة وعلى هذه الارض بكل كلام ارميا.

ولما سمع الملك يهوياقيم وكل ابطاله وكل الرؤساء كلامه طلب الملك ان يقتله.

فلما سمع اوريا خاف وهرب واتى الى مصر.

فارسل الملك يهوياقيم اناسا الى مصر ألناثان بن عكبور ورجالا معه الى مصر ،

فاخرجوا اوريا من مصر واتوا به الى الملك يهوياقيم فضربه بالسيف وطرح جثته في قبور بني الشعب.

ولكن يد اخيقام بن شافان كانت مع ارميا ،

حتى لا يدفع ليد الشعب ليقتلوه " ع 16 – 24 .



تدخل الرؤساء القادمون من القصر ، ومنعوا قادة الثورة من قتل النبى ، وعقدوا ما هو أشبه بمحكمة دعى إليها الشعب والنبى معا .

أوضح الكهنة والأنبياء رغبة الشعب فى قتل إرميا ، ثم أداروا وجوههم من المحكمة إلى الشعب يطلبون موافقتهم . لكن وقف إرميا يعلن أنه لا يمكنه إلا أن ينطق بكلمات الرب ، مؤكدا نبوة ميخا النبى فى أيام حزقيا ، مسلما نفسه بين أيديهم ، مع تحذيرهم أن سفك دمه البرىء إنما يجلب عليهم النقمة الإلهية .

قبل الرؤساء دفاع إرميا ووقفوا ضد السلطات الدينية وطالبوا الشعب بعدم التسرع ، لأن إرميا ليس بمجدف على الله ومقدساته ، إنما هو نبى حقيقى .

عادوا بالكل إلى ذكريات أو حالة عبر عليها قرابة قرن من الزمان .

قدموا لهم حالة ميخا المورشتى ( ميخا 3 : 12 ) مثلا ، الذى نطق بكلمات مشابهة وقد سمع له الملك حزقيا ( 716 – 687 ق . م . ) والشعب ، ولم يزدروا بكلماته ، بل خافوا الرب وطلبوا وجهه ، فتمتعوا بالمراحم الإلهية . قام حزقيا بحركة اصلاح دينية ( 2 مل 18 : 14 ) ، متجنبا الشر .

قدموا مثالا آخر وهو النبى أوريا بن شمعيا ، الذى لاحقه الملك يهوياقيم وطارده وأرجعه من مصر وقتله .

وجد إرميا مساندة من صديقه أخيقام بن شافان ( ع 24 ) ، كان شافان كاتبا أو سكرتيرا ليوشيا المصلح ( 2 مل 22 : 3 – 14 ) .

كان إرميا غير مستحق للموت ، هكذا أيضا نطق بيلاطس البنطى بخصوص السيد المسيح ( لو 23 : 32 ) ، لكن إرميا لم يقتل إلى حين ! أما السيد المسيح فصلب ليتمم خلاصنا فمن أجل هذا قد جاء ! جاء يحمل آلامنا لكى يحملنا نحن فيه فنجد راحتنا .

+ + +
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://eng.roniajesus@yahoo.com
بحبك يا مارمينا
خادم المنتدى
avatar

انثى عدد الرسائل : 785
العمر : 29
المزاج : نشكرربناعلي كل حال
اعلام الدول :
المهنة :
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: *** موضوع متكامل لتفسير سفر ارميا كتابيا ***   الجمعة فبراير 12, 2010 11:38 pm

إرميا – الإصحاح السابع والعشرون

نير بابل

رأينا فى الإصحاح السبق إرميا النبى المجروح فى بيت أحبائه .. الآن نرى فى هذا الإصحاح الصورة تتكامل بكون إرميا ظلا للسيد المسيح المتألم . بينما كان الكهنة واللاويون يرتدون الثياب الفخمة ، والقيادات تتبختر فى مجدها الزمنى إذا بإرميا بأمر إلهى يحمل نيرا أو أنيارا وأربطة ...يحمل ما تئن منه الثيران !

كرمز للسيد المسيح كان يحمل النير ( الصليب ) ، فيقال عنه :

" لا صورة له ولا جمال فننظر إليه ، ولا منظر فنشتهيه ، محتقر ومخذول من الناس ، رجل أوجاع مختبر الحزن .. " إش 53 : 2 ، 3 .

كثيرون بلا شك كانوا يسخرون من منظره ، فقد جاءوا إلى بيت الرب بثياب فاخرة أما ثوبه فهو : نير الحب الباذل !

إرميا كنبى للشعوب ( إر 1 ) حذر الأمم الغريبة مع يهوذا مطالبا إياهم بالخضوع لنير بابل حتى يحيوا ... فلا تتعرض بلادهم للحرق بالنار وشعبهم للقتل بالسيف ، مع انتشار الجوع والوباء .



( 1 ) تحذير لرسل الملوك الغرباء
" في ابتداء ملك يهوياقيم بن يوشيا ملك يهوذا صار هذا الكلام الى ارميا من قبل الرب قائلا :

هكذا قال الرب لي :

اصنع لنفسك ربطا وانيارا واجعلها على عنقك.

وارسلها الى ملك ادوم والى ملك موآب والى ملك بني عمون والى ملك صور والى ملك صيدون بيد الرسل القادمين الى اورشليم الى صدقيا ملك يهوذا .

واوصهم الى سادتهم قائلا :

هكذا قال رب الجنود اله اسرائيل :

هكذا تقولون لسادتكم.

اني انا صنعت الارض والانسان والحيوان الذي على وجه الارض بقوتي العظيمة وبذراعي الممدودة واعطيتها لمن حسن في عينيّ.

والآن قد دفعت كل هذه الاراضي ليد نبوخذناصّر ملك بابل عبدي واعطيته ايضا حيوان الحقل ليخدمه.

فتخدمه كل الشعوب وابنه وابن ابنه حتى يأتي وقت ارضه ايضا فتستخدمه شعوب كثيرة وملوك عظام.

ويكون ان الامة او المملكة التي لا تخدم نبوخذناصّر ملك بابل والتي لا تجعل عنقها تحت نير ملك بابل اني اعاقب تلك الامة بالسيف والجوع والوبإ يقول الرب حتى افنيها بيده.

فلا تسمعوا انتم لانبيائكم وعرافيكم وحالميكم وعائفيكم وسحرتكم الذين يكلموكم قائلين لا تخدموا ملك بابل.

لانهم انما يتنبأون لكم بالكذب لكي يبعدوكم من ارضكم ولأطردكم فتهلكوا.

والامة التي تدخل عنقها تحت نير ملك بابل وتخدمه اجعلها تستقر في ارضها يقول الرب وتعملها وتسكن بها " ع 1 – 11 .

يرى البعض أن إرميا قد بدأ فى صنع الأنيار والأربطة فى عهد يهوياقيم ، وبعد ذلك أرسلها إلى الملوك المجاورين فى عهد صدقيا الملك .

بدأ حديث إرميا باعلان سلطان يهوه إله إسرائيل على الأرض كلها وشعوبها وكل الخليقة ، ليس بكونه الخالق فقط ، وإنما هو إله التاريخ وصانعه ، وأنه هو الذى أقام نبوخذنصر عبده لغرض إلهى .

تحدث إرميا بيقين ليس معتمدا على تكهنات سياسية ، وإنما باقتناع قوى أن الله رب الجنود هو قائد كل شئون العالم ، له خطته نحو البشر . حقا كان نبوخذنصر شريرا ، ومع ذلك أعطاه الله نصيبا وافرا من خيرات هذا العالم ، ولكن إلى حين .

هذا ما نلمسه كل يوم حين نجد أشرارا ناجحين ، فنصرخ مع المرتل ، قائلين : " لماذا تنجح طريق الأشرار ؟! " ... يستخدم الله أحيانا نجاحهم لتأديب أولاده مع نزع كل عذر للأشرار عن شرهم .



( 2 ) نصيحة لصدقيا الملك
" وكلمت صدقيا ملك يهوذا بكل هذا الكلام قائلا :

ادخلوا اعناقكم تحت نير ملك بابل واخدموه وشعبه واحيوا.

لماذا تموتون انت وشعبك بالسيف بالجوع والوبإ كما تكلم الرب عن الامة التي لا تخدم ملك بابل ؟!

فلا تسمعوا لكلام الانبياء الذين يكلمونكم قائلين لا تخدموا ملك بابل لانهم انما يتنبأون لكم بالكذب.

لاني لم ارسلهم يقول الرب بل هم يتنبأون باسمي بالكذب لكي اطردكم فتهلكوا انتم والانبياء الذين يتنبأون لكم " ع 12 – 15 .

يكرر إرميا ما قاله لرسل الملوك لصدقيا الملك ، حتى يبدو كمن هو عميل لبابل وخائن لبلده .

كان من الصعب على أى يهودى خاصة الملك أن يسمع تلك الكلمات : " ادخلوا أعناقكم تحت نير ملك بابل " ، فقد عرفوا أن الله إلههم هو المحرر من نير العبودية ( لا 26 : 13 ) ، فكيف يطلب منهم أن ينحنوا ليدخلوا أعناقهم تحت نير ملك وثنى ؟! إنها علامة غضب الله ؟!

كانت إحدى اللعنات التى يسقط تحتها الشعب فى عصيانه للوصية هى :

" تستعبد لأعدائك الذين يرسلهم الرب عليك .. فيجعل نير حديد على عنقك حتى يهلكك ، يجلب الرب عليك أمة من بعيد من أقصاء الأرض كما يطير النسر ، أمة لا تفهم لسانها ... " ( تث 28 : 48 الخ ) .

لم يسمع صدقيا له ، فكان مصيره السبى ( 587 ق . م . ) بعد قتل أولاده أمام عينيه ، وفقأت عيناه ( 2 مل 25 : 1 – 7 ) .

لماذا أمرهم الله بالخضوع لنير بابل ؟
أدرك إرميا بالاعلان الإلهى أن هذه هى إرادة الله وحكمته ولا يقدر الإنسان أن يقف أمامها .

لعل الله أمرهم بذلك لكى يكتشفوا خلال المذلة لنير بابل النير الداخلى الذى سقطوا تحته ، وهو نير الخطية .



( 3 ) حديث مع الكهنة والشعب
" وكلمت الكهنة وكل هذا الشعب قائلا :

هكذا قال الرب.

لا تسمعوا لكلام انبيائكم الذين يتنبأون لكم قائلين ها آنية بيت الرب سترد سريعا من بابل.لانهم انما يتنبأون لكم بالكذب.

لا تسمعوا لهم.

اخدموا ملك بابل واحيوا.

لماذا تصير هذه المدينة خربة ؟!

فان كانوا انبياء وان كانت كلمة الرب معهم فليتوسلوا الى رب الجنود لكي لا تذهب الى بابل الآنية الباقية في بيت الرب وبيت ملك يهوذا وفي اورشليم .

لانه هكذا قال رب الجنود عن الاعمدة وعن البحر وعن القواعد وعن سائر الآنية الباقية في هذه المدينة التي لم يأخذها نبوخذناصّر ملك بابل عند سبيه يكنيا بن يهوياقيم ملك يهوذا من اورشليم الى بابل وكل اشراف يهوذا واورشليم.

انه هكذا قال رب الجنود اله اسرائيل عن الآنية الباقية في بيت الرب وبيت ملك يهوذا وفي اورشليم .

يؤتى بها الى بابل وتكون هناك الى يوم افتقادي اياها يقول الرب فاصعدها واردها الى هذا الموضع " ع 16 – 22 .

يقصد بالأعمدة العمودين النحاسيين اللذين وضعهما سليمان فى رواق الهيكل فى المدخل ، طول العمود الواحد ثمانية عشر ذراعا ( 1 مل 7 : 15 – 22 ) . أما البحر فكان من النحاس دائرى الشكل قطره عشر أذرع ، يحوى ماء يستخدم فى غسلات مختلفة أثناء العبادة ، وكان قائما على أثنى عشر ثورا ، ربما هذه الثيران هى التى تدعى هنا بالقواعد ( 1 مل 7 : 22 – 25 ) .

إن كان الله يؤكد السبى البابلى والأستيلاء على بقية آنية الرب وآنية بيت الملك لكنه يفتح باب الرجاء أمامهم ، قائلا : " إلى يوم افتقادى إياها " ع 22 . وقد تحقق ذلك فى أيام كورش حيث حث الله قلبه أن يحقق هذه النبوة ( عز 1 : 7 ، 7 : 19 ) .

لم يكن إرميا النبى متشائما كما يظن البعض ، فإنه فى أحلك لحظات الظلمة لم يفقد ثقته فى وعود الله بالخلاص . هكذا يليق بالمؤمن أن تستنير نفسه بالمواعيد الإلهية ، فتتهلل أعماقه ، متأكدا أن خطة الله الخلاصية ستتم حتما ، بغض النظر عن الظروف القائمة أو ما سيحل فى المستقبل القريب .... لنتتظر الرب ، فإنه حتما سيخلص فى الوقت المعين !

هكذا عاشت الكنيسة الأولى وسط الأضطهاد المر مملوءة رجاء فى عمل الله معها عبر الأجيال وثقتها فى نعمة الله الغنية التى تتحدى الزمن !

+ + +

+ دفعت بشعبك تحت نير بابل القاسى ،

لعلهم يدركون بالحق نير الخطية الداخلى ،

يدركون مرارة عبوديتها ،

ويشعرون بقساوة عنفها ،

فيصرخون إليك أيها المخلص محرر النفوس !



+ نير تأديبك الإلهى يكشف عن نير الخطية المر .

لكنك وأنت القدوس بالحب حملته عنى !

أراك على الصليب حاملا نيرى !

يا لك من مخلص عجيب !



+ حملت نيرى ،

هب لى شرف حمل نيرك ،

نيرى نير الخطية القاتل ،

نيرك نير الحب الباذل واهب الحياة !

نيرى عار وخزى ،

ونيرك مجد وبهاء !



+ لأحمل نيرك فيحملنى هو !

لقبل آلام صليبك ، فيرفعنى صليبك إليك ،

ويدخل بى إلى حضن أبيك !



+ حقا نيرك هين وعذب !

به ألتقى بك أيها المصلوب !

به اتمتع ببهجة قيامتك ،

به أتعرف على أسرارك ،

به أنعم بالأحضان الأبوية ،

وشركة الأمجاد الإلهية .

+ + +
إرميا – الإصحاح الثامن والعشرون

إرميا يقف ضد حننيا

فى عام 594 ق . م . كان لإرميا النبى مقابلة مع حننيا بن عزوز أحد الأنبياء الكذبة ، هذا الذى نسب للــه كلاما باطلا حيث نادى بأن نير ملك بابل ينكسر فى خلال سنتين ، وسترد آنية بيت الرب ويرجع يكنيا الملك وكل المسبيين من يهوذا . كان يظن أنه بهذا يواسى الشعب ويرفع من روحه المعنوية ، كما يكسب شعبية على حساب الحق الإلهى .



( 1 ) كلمات حننيا الكاذبة
" وحدث في تلك السنة في ابتداء ملك صدقيا ملك يهوذا في السنة الرابعة في الشهر الخامس ان حننيا بن عزور النبي الذي من جبعون كلمني في بيت الرب امام الكهنة وكل الشعب قائلا :

هكذا تكلم رب الجنود اله اسرائيل قائلا :

قد كسرت نير ملك بابل .

في سنتين من الزمان ارد الى هذا الموضع كل آنية بيت الرب التي اخذها نبوخذناصّر ملك بابل من هذا الموضع وذهب بها الى بابل.

وارد الى هذا الموضع يكنيا بن يهوياقيم ملك يهوذا وكل سبي يهوذا الذين ذهبوا الى بابل يقول الرب لاني اكسر نير ملك بابل " ع 1 – 4 .

تم هذا الحدث حوالى عام 594 ق . م . بعد حوار إرميا مع رسل الملوك بمدة قصيرة . وكان إرميا لا يزال يضع النير على عنقه بأربطته حتى يذكر الكل بما تنبأ عنه ، الأمر الذى لم يحتمله الأنبياء الكذبة .

كلمة " حننيا " تعنى " يهوه حنان " أو " واهب نعمة " ، لكن حننيا أعلن حنان الله بطريقة خاطئة ، حيث قاوم نبوات إرميا الصادقة .

إذ حل السبى لم يعد ممكنا للأنبياء الكذبة إنكاره كما فعلوا قبلا فى مقاومتهم الأنبياء الحقيقيين ومن بينهم إرميا ، لذلك نادى حننيا بأنه وإن كان قد تم السبى لكنه لن يستمر أكثر من عامين فقط . بتحديده الرقم حاول الإيحاء بتأكيد نبواته ، إذ يتكلم كما بأرقام ثابتة ودقيقة كمن هو واثق من صدق رسالته . هذا بجانب استخدامه نفس تعبيرات إرميا النبى بقوله : " هكذا تكلم رب الجنود إله إسرائيل " ع 2 . بينما يتكلم بروح الكذب ، إذا به يتستر باسم الرب وروح الحق .

يلاحظ فى حديث حننيا أنه يعطى لآنية بيت الرب أولوية عن الملك وكل الشعب !

وكأن ما يشغله بالأكثر هى الآنية الثمينة ، حقا لهذه الآنية قدسيتها حتى فى عينى الله ، لكنه يقدسها من أجل شعبه ، فإن استهان الشعب بأن يكون مقدسا كهيكل حى للرب ، هل يهتم الله بالأوانى ؟! إنه يطلبنا نحن أولا بكوننا الآنية الفخارية التى تحمله فى داخلها ، كنزنا السماوى !



( 2 ) إرميا يعلق على كلماته
" فكلم ارميا النبي حننيا النبي امام الكهنة وامام كل الشعب الواقفين في بيت الرب .

وقال ارميا النبي : آمين.هكذا ليصنع الرب.ليقم الرب كلامك الذي تنبأت به فيرد آنية بيت الرب وكل السبي من بابل الى هذا الموضع.

ولكن اسمع هذه الكلمة التي اتكلم انا بها في اذنيك وفي آذان كل الشعب.

ان الانبياء الذين كانوا قبلي وقبلك منذ القديم وتنبأوا على اراض كثيرة وعلى ممالك عظيمة بالحرب والشر والوبإ .

النبي الذي تنبأ بالسلام فعند حصول كلمة النبي عرف ذلك النبي ،

ان الرب قد ارسله حقا " ع 5 – 9 .

أغلب الظن أن جواب إرميا تهكمى فيه استخفاف بما ينطق به النبى الكاذب .

مع أنه كان له بحق أن يضيف " آمين " إلى كلام حننيا ، لأنه كان يحب شعبه والهيكل ويتمنى لهما الخير ، إرميا النبى كمحب لشعبه ورجل وطنى كان يشتهى أن ما قاله حننيا يكون صادقا ، فعندما كان يقول : " آمين " يقصدها من كل قلبه ، لكنه كان يدرك أنها نبوة كاذبة تناقض الحق الإلهى ! لقد سبق فأعلن عن حبه لشعبه أمام الرب ، قائلا : " أما أنا فلم اعتزل عن أن أكون راعيا وراءك ولا اشتهيت يوم البلية . أنت عرفت ! ما خرج من شفتى كان مقابل وجهك " ( 17 : 16 ) .

لم يكن ممكنا للشعب أن يميز بين النبيين أيهما صادق وأيهما كاذب ، فقد تنبأ الإثنان باسم الرب .

قدم إرميا برهانين على صدق نبوته :

أولا : اعتمد على كلمات الأنبياء السابقين له ، موضحا أن ما قاله حننيا مناقض لنبواتهم . هؤلاء الأنبياء هم يوئيل وعاموس وهوشع وميخا وصفنيا وناحوم وحبقوق وغيرهم . هؤلاء جميعا أعلنوا أن شرا سيحل بالشعب الذى سلك فى الفساد ولم يتب .

ثانيا : أعلن أن الزمن وحده يكشف الحق من الباطل .

يرى إرميا النبى أن إسرائيل كشعب خاص منسب لله يلزمه الطاعة والحياة المقدسة مع الشعور بالمسئولية والإلتزام .



( 3 ) حننيا يكسر النير الخشبى
" ثم اخذ حننيا النبي النير عن عنق ارميا النبي وكسره.

وتكلم حننيا امام كل الشعب قائلا :

هكذا قال الرب :

هكذا اكسر نير نبوخذناصّر ملك بابل في سنتين من الزمان عن عنق كل الشعوب.

وانطلق ارميا النبي في سبيله " ع 10 – 11 .

كان حننيا واثقا فى نفسه لكنه كان غاضبا من كلمات إرميا ، وقد عبر عن رأيه بكسر النير الخشبى الذى وضعه إرميا على عنقه ( 27 : 2 ) .

لقد ظن حننيا أنه بحماسه الشخصى يغلب إرميا .



( 4 ) الله يقيم نيرا حديديا
" ثم صار كلام الرب إلى أرميا النبى بعد ما كسر حننيا النبى النير عن عنق إرميا النبى قائلا :

اذهب وكلم حننيا قائلا :

هكذا قال الرب :

قد كسرت انيار الخشب وعملت عوضا عنها انيارا من حديد.

لانه هكذا قال رب الجنود اله اسرائيل.

قد جعلت نيرا من حديد على عنق كل هؤلاء الشعوب ليخدموا نبوخذناصّر ملك بابل فيخدمونه وقد اعطيته ايضا حيوان الحقل " ع 12 – 14 .

لم يجب إرميا النبى على تصرفات حننيا بسرعة .

لم يكن النبى الحقيقى حالما ولا رجل سياسة لكنه استلم الإجابة من يهوه مباشرة ، وهى ذات الكلمة التى سبق فاستلمها . إن كان حننيا قد كسر النير الخشبى هوذا الله يقدم نيرا حديديا لا ينكسر ، يضعه على عنق جميع الأمم .

إن كانوا بالتمرد قد ألقوا عنهم النير الخشبى وكسروه لكنهم عوض التمتع بالراحة والحرية انحنوا لنير حديدى لا ينكسر !

يؤكد إرميا النبى أن الله يقيم نيرا حديديا ليس فقط على عنق يهوذا والأمم المحيطة بل وأيضا على عنق حيوانات الحقل ( ع 14 ) أو الوحوش .

بينما يتنبأ حننيا كذبا أنه خلال عامين ترد أوانى بيت الرب ويرجع الملك والشعب المسبى ، إذا بإرميا يؤكد أنه فى خلال سنة يعود نبوخذنصر ليستولى على بقية أوانى بيت الرب ويسبى البقية ، ولن يتم أى إصلاح إلا بعد سيعين عاما من السبى . هذا ولم يعش حننيا عامين ليرى النصرة كما ظن إنما مات بعد شهرين وانحدر بكذبه إلى الهلاك



( 5 ) إرميا يقف ضد حننيا
" فقال ارميا النبي لحننيا النبي اسمع يا حننيا.

ان الرب لم يرسلك وانت قد جعلت هذا الشعب يتكل على الكذب.

لذلك هكذا قال الرب :

هانذا طاردك عن وجه الارض.

هذه السنة تموت لانك تكلمت بعصيان على الرب.

فمات حننيا النبي في تلك السنة في الشهر السابع " ع 15 – 17 .

أكد إرميا عمليا أن الله لم يرسل حننيا ليتنبأ وسط شعبه إنما ها هو يرسله سريعا إلى الموت مطرودا حتى من وجه الأرض . إنه غير مشتحق لخدمة الكهنوت ، ولا حتى لممارسة الحياة اليومية كإنسان ، لأنه يقاوم الحق الإلهى باسم الله نفسه وبإدعاءات كاذبة . وقد مات فعلا بعد حوالى شهرين من الحوار ، فثبت صدق نبوة إرميا ، ولم يعد هناك عذر لمن سمع لحننيا .

لماذا صدر الحكم : " هأنذا طاردك عن وجه الأرض ؟ " قال أحد آباء البرية :

" من لا يصلح لموضع فالموضع نفسه يطرده " .

+ + +

إرميا – الإصحاح التاسع والعشرون

رسالة إلى المسبيين

لم يقف عمل إرميا النبى عند حدود يهوذا ، إذ كان يمثل الصوت الإلهى الموجه إلى الملك ورجاله وكل القيادات الدينية والمدنية وأيضا إلى الشعب المسبى ، أغنيائه وفقرائه . لم يذهب إليهم بشخصه ويعمل بينهم فى أرض عبوديتهم فقد أقام الله حزقيال النبى لهذه الخدمة ( حز 1 : 1 ) أما إرميا فكان يبعث إليهم رسائله .

حملت رسائل إرميا كلمة توبيخ للأنبياء الكذبة والسالكين وراءهم ، كما قدمت كلمة تشجيع لتعزية من لهم إيمان بمواعيد الله .



( 1 ) رسالة إلى المسبيين .

" هذا كلام الرسالة التي ارسلها ارميا النبي من اورشليم الى بقية شيوخ السبي والى الكهنة والانبياء والى كل الشعب الذين سباهم نبوخذناصّر من اورشليم الى بابل ،

بعد خروج يكنيا الملك والملكة والخصيان ورؤساء يهوذا واورشليم والنجارين والحدادين من اورشليم .

بيد العاسة بن شافان وجمريا بن حلقيا اللذين ارسلهما صدقيا ملك يهوذا الى نبوخذناصّر ملك بابل الى بابل قائلا ..... " ع 1 – 3 .

واضح أن البابليين لم يمنعوا أية اتصالات بين المسبيين والذين بقوا فى يهوذا وإسرائيل ، ويرى بعض الدارسين أن البابليون لم يمارسوا أية وحشية ضد المسبيين .

هذه الرسالة موجهة إلى " بقية الشيوخ " مما يشير أن بعض الشيوخ قد ماتوا فى السبى أو قتلوا أو سجنوا ربما بسبب بعض الأضطرابات المشار إليها فى ع 21 ، 22 . وإن البعض يستبعدون حدوث قتل للشيوخ ، ربما يقصد بالشيوخ هنا البارزين أو الرؤساء .

أرسلت الرسالة بيد إثنين كانا صديقين لإرميا النبى ، أرسلا إلى بابل لتأكيد ولاء صدقيا لنبوخذنصر بعد أن ظهرت حركة تمرد بين الأمم التى فى الغرب ( ص 27 ) ، كان هذان الرسولان مبعوثين من صدقيا المتمرد للتفاوض مع الحاكم البابلى ، إلا أنهما حملا رسالة من ملك أعظم جدا من هذا وذاك ، من رب الجنود ، هذا الذى يتنازل للأتصال بشعبه المسبى على هذا النحو .

حملت الرسالة كلمات تشجيع لتثبيت إيمان المسبيين ، وفى نفس الوقت حملت توبيخا للأنبياء الكذبة الذين دأبوا على تقديم آمال زائفة .

فمن جهة التشجيع كتب إرميا النبى :

" هكذا قال رب الجنود اله اسرائيل لكل السبي الذي سبيته من اورشليم الى بابل.

ابنوا بيوتا واسكنوا واغرسوا جنات وكلوا ثمرها.

خذوا نساء ولدوا بنين وبنات وخذوا لبنيكم نساء واعطوا بناتكم لرجال فيلدن بنين وبنات واكثروا هناك ولا تقلوا.

واطلبوا سلام المدينة التي سبيتكم اليها ،

وصلّوا لاجلها الى الرب لانه بسلامها يكون لكم سلام " ع 4 – 7 .

أ – جاءت الرسالة تناشدهم بقبول الضيقة بكونها من يد الرب ، وأن يمارسوا حياتهم بطريقة طبيعية فى استقرار ، وأن ينتظروا فى خضوع لله لكى ينقذهم فى الوقت المناسب ، لأن السبى مستمر ولن ينتهى فى عامين كما أدعى الأنبياء الكذبة .

كانت غاية الرسالة ألا ينشغلوا بالعودة بل بالتوبة والعبادة ..

يبدو أن الكآبة قد حلت بالمسبيين لشعورهم بأنهم خطاة أكثر من كل الذين بقوا فى أورشليم ، لذا كانت هذه الرسالة للتعزية ، وحث الشبان على الزواج ، لكنه لا يعنى الزواج من البابليات .

ب – يؤكد إرميا النبى أن هذه الرسالة مقدمة من " رب الجنود إله إسرائيل " ع 4 . فلم يكن إرميا إلا مجرد كاتب أو ناسخ لها .

جـ - إن كان يؤكد :

" كل السبى الذى سبيته " ع4 ، " المدينة التى سبيتكم إليها " ع 7 ، فإنه هو الذى سمح بالسبى ليس لضررهم ولا حدث اعتباطا بل لخيرهم وبخطة إلهية .

د – سمع صدقيا بإرسال هذه الرسالة إلى المسبيين دون أن يقاومها ، ربما إذ مات حننيا ( إر 28 : 17 ) شعر الملك بخطورة مقاومة النبى .

هـ - يليق بهم أن يصلوا لأجل خير مملكة بابل وثباتها ع 7 . فقد صاروا كجزء منها .

يمكننا القول أن ما ورد هنا يعتبر تذوق سابق للفكر الإنجيلى الخاصة بمحبة الأعداء والخضوع للرئاسات أيا كانت كما جاء فى رسالة القديس بطرس الأولى 1 بط 2 : 13 ، 16 .

يبدو أن بعض المسبيين التجأوا إلى بعض العرافين لتحقيق الأحلام ، لكن الله حذرهم من ذلك .

" لانه هكذا قال رب الجنود اله اسرائيل :

لا تغشكم انبياؤكم الذين في وسطكم وعرافوكم ،

ولا تسمعوا لاحلامكم التي تتحلمونها.

لانهم انما يتنبأون لكم باسمي بالكذب.

انا لم ارسلهم يقول الرب " ع 8 ، 9 .

أكدت الرسالة العودة بعد سبعين عاما .

" لانه هكذا قال الرب :

اني عند تمام سبعين سنة لبابل اتعهدكم واقيم لكم كلامي الصالح بردكم الى هذا الموضع. لاني عرفت الافكار التي انا مفتكر بها عنكم يقول الرب ،

افكار سلام لا شر لاعطيكم آخرة ورجاء " ع 11 – 14 .

إن كان تمام السبعين عاما حيث ينتهى السبى يشير إلى ملء الأزمنة حيث جاء مسيحنا يعلن : " إن حرركم الإبن فبالحقيقة تكونون أحرارا " ، فبمجيئه نطلب الآب فنجده فينا ، حيث تمت مصالحتنا واتحادنا معه فى إبنه الوحيد خلال الصليب . لقد غير مسيحنا قلبنا ، وها هو يجدده بروحه القدوس ، فنطلب الله بكل قلوبنا بكونه شهوة نفوسنا . بهذا يتحقق الوعد الإلهى :

" فتدعونني وتذهبون وتصلّون اليّ فاسمع لكم.

وتطلبونني فتجدونني اذ تطلبونني بكل قلبكم.

فأوجد لكم يقول الرب وارد سبيكم واجمعكم من كل الامم ومن كل المواضع التي طردتكم اليها يقول الرب واردكم الى الموضع الذي سبيتكم منه " ع 12 ، 13 .

ربما ظن بعض اليهود أن الله لا يسمع لهم لأنهم مستبعدون من مدينة الله ، أورشليم ، ومن هيكله . هنا يؤكد إرميا النبى أن الله يطلب القلب لا المكان .

يؤكد الله لشعبه أنه هو غاية طلبهم ، قائلا :

" وتطلبونني فتجدونني اذ تطلبونني بكل قلبكم ،

فأوجد لكم يقول الرب "

يأتى الحديث عن الباقين بأورشليم .

" لانكم قلتم قد اقام لنا الرب نبيين في بابل .

فهكذا قال الرب للملك الجالس على كرسي داود ولكل الشعب الجالس في هذه المدينة اخوتكم الذين لم يخرجوا معكم في السبي .

هكذا قال رب الجنود :

هانذا ارسل عليهم السيف والجوع والوبأ واجعلهم كتين رديء لا يؤكل من الرداءة. والحقهم بالسيف والجوع والوبإ واجعلهم قلقا لكل ممالك الارض حلفا ودهشا وصفيرا وعارا في جميع الامم الذين طردتهم اليهم " ع 15 – 18 .

إذ تحدث عن الباقين فى يهوذا أشار إلى الملك بقوله : " الملك الجالس على كرسى داود " ع 16 . ليؤكد لهم أن بقاء الملك على كرسى داود لا يعنى رضاء الرب عنه . فقد قيل عن نسل داود : " إن ترك بنوه شريعتى ولم يسلكوا بأحكامى ... افتقد بعصا معصيتهم وبضربات إثمهم ، أما رحمتى فلا أنزعها عنه ولا أكذب من جهة أمانتى ، لا أنقض عهدى ولا أغير ما خرج من شفتى " مز 89 : 30 – 34 .

بمعنى آخر ، يقول لهم إنى أرسل السيف والوباء والجوع على الملك والشعب الباقى معه ، ثم أطردهم إلى كل الأمم . سيكون حالهم أشر مما أنتم عليه !

إن فترة السبى الطويلة ذات فائدة روحية فقد أنجبت رجالا لله شهودا أمناء أمام الأباطرة والشعب الغريب الجنس ، مثل دانيال النبى والثلاثة فتية القديسين ومردخاى واستير ونحميا وعزرا والأعداد الراجعة إلى أورشليم فى غيرة ونقاوة قلب .



" من اجل انهم لم يسمعوا لكلامي يقول الرب اذ ارسلت اليهم عبيدي الانبياء مبكرا ومرسلا ولم تسمعوا يقول الرب " ع 18 – 19 .

لم يتوقف الله عن إرسال عبيده الأنبياء لتحذيرهم ، إنه يكرر الرسالة طالبا توبتهم .

" وانتم فاسمعوا كلمة الرب يا جميع السبي الذين ارسلتهم من اورشليم الى بابل.

هكذا قال رب الجنود اله اسرائيل عن اخآب بن قولايا وعن صدقيا بن معسيا اللذين يتنبآن لكم باسمي بالكذب.

هانذا ادفعهما ليد نبوخذراصر ملك بابل فيقتلهما امام عيونكم.

وتؤخذ منهما لعنة لكل سبي يهوذا الذين في بابل فيقال يجعلك الرب مثل صدقيا ومثل اخآب اللذين قلاهما ملك بابل بالنار.

من اجل انهما عملا قبيحا في اسرائيل وزنيا بنساء اصحابهما وتكلما باسمي كلاما كاذبا لم اوصهما به وانا العارف والشاهد يقول الرب " ع 20 – 23 .

إن كان الله يرد المسبيين بعد توبتهم ورجوعهم إليه بكل قلوبهم فهو أيضا يؤدب الذين بقوا فى يهوذا ، الذين لم يسمعوا لصوته خلال أنبيائه . إنهم التين الردىء جدا الذى لا يؤكل بسبب ردائته . ( ص 24 ) .

عاد ليتحدث عن الأنبياء الكذبة الذين سبوا ، محددا بالإسم أخاب بن قولايا وصدقيا بن معسيا ، هذان اللذان تكلما بالكذب فسبيا فى عام 597 ق . م . ، وعوض التوبة ارتكبا الزنا مع نساء أصحابهما ، فارتبط فساد كلامهما بفساد سيرتهما ، فاستحقا أن يقليهما نبوخذراصر بالنار ليصيرا عبرة ومثلا للعنة !

استخدمت عقوبة " القلى " أو الإلقاء فى النار " أحيانا خلال تقديس الوثنيين للنار ، كأنهم يقدمون ذبائح بشرية فيها .



( 2 ) رسالة إلى شمعيا
تحدث إرميا إلى ثلاث مجموعات :

الذين أخذوا إلى السبى ( 10 – 14 ) ،

والذين لحقوا بهم بعد ذلك ( 15 – 19 ) ،

ثم الأنبياء الكذبة فى بابل ( 20 – 23 ) ،

وأخيرا رسالة خاصة إلى نبى كاذب يدعى شمعيا .

بعث إرميا رسالة إلى نبى كاذب سبى عام 597 ق . م . يدعى شمعيا النحلامى الذى أرسل رسائل إلى الشعب وإلى صفنيا بن معسيا الكاهن وكل الكهنة يثيرهم ضد إرميا النبى ، ويحتج لدى السلطات فى أورشليم على رسالة إرميا بالقبض عليه ومحاكمته . لا نعرف شيئا عنه ، ربما كان موطنه نحلام وهى غير معروفة أم لا . ربما دعى النحلامى لأنه كان من الحالمين إذ كان يدعى أن الله يتحدث إليه خلال الأحلام ، أو لأنه لقب خاص بأسرته .

لم يرسل شمعيا إلى أرميا النبى ليبرر موقفه أو يعلن توبته إنما كتب ليثير الكل ضده ... كتب كصاحب سلطان بروح العجرفة والكبرياء .



( 3 ) رسالة من شمعيا إلى صفنيا
" وكلم شمعيا النحلامي قائلا :

هكذا تكلم رب الجنود اله اسرائيل قائلا :

من اجل انك ارسلت رسائل باسمك الى كل الشعب الذي في اورشليم والى صفنيا بن معسيا الكاهن والى كل الكهنة قائلا :

قد جعلك الرب كاهنا عوضا عن يهوياداع الكاهن لتكونوا وكلاء في بيت الرب لكل رجل مجنون ومتنبئ فتدفعه الى المقطرة والقيود.

والآن لماذا لم تزجر ارميا العناثوثي المتنبّئ لكم ؟!

لانه لذلك ارسل الينا الى بابل قائلا انها مستطيلة.

ابنوا بيوتا واسكنوا واغرسوا جنات وكلوا ثمرها.

فقرأ صفنيا الكاهن هذه الرسالة في اذني ارميا النبي " ع 24 – 29 .

كان صفنيا فى ذلك الوقت رئيسا لحرس الهيكل . لم يرسل شمعيا باسم الله بل باسمه الشخصى متهما إرميا أنه قد بعث روح الأستكانة والخنوع وسط المسبيين ، إذ طالبهم أن يبنوا بيوتا ويغرسوا جنات كمن هم مستقرين فى بابل .

ليس عجيبا أن يتهم النبى الكاذب رجل الله الحقيقى بأنه قد عين نفسه بنفسه .

كتب شمعيا إلى صفنيا ليثيره حاسبا أن الله أقامه عوض يهوياداع لا لشىء إلا ليضطهد أنبياء الله الحقيقيين مثل إرميا الذى حسبه رجلا مجنونا . هكذا كان الأشرار يحسبون الأنبياء الحقيقيين مختلى العقل ( 2 مل 9 : 11 ، أع 26 : 24 ؛ 2 : 13 ، 15 ، 17 ، 18 ) . كان إرميا رمزا للسيد المسيح الذى أتهم هكذا من أقربائه أنه مختل العقل ( يو 10 : 20 ) .



( 4 ) رسالة إلى المسبيين
" ثم صار كلام الرب الى ارميا قائلا :

ارسل الى كل السبي قائلا :

هكذا قال الرب لشمعيا النحلامي :

من اجل ان شمعيا قد تنبأ لكم وانا لم ارسله وجعلكم تتكلون على الكذب ، لذلك هكذا قال الرب :

هانذا اعاقب شمعيا النحلامي ونسله.

لا يكون له انسان يجلس في وسط هذا الشعب ولا يرى الخير الذي ساصنعه لشعبي يقول الرب لانه تكلم بعصيان على الرب " ع 28 – 32 .

كتب إرميا إلى المسبيين بخصوص النبى الكاذب شمعيا بعبارت تقارب ما كتبه عن حنانيا ( 28 : 15 ، 16 ) ، فقد حرم من الخير النهائى ، أى عودة البقية الأمينة إلى يهوذا والتى كان يمكن أن تشمله هو وبيته . لم يصدر هذا الحكم من إرميا كرغبة فى الأنتقام الشخصى ، إنما هو حكم إلهى صادر من أجل الشعب كله ، وما على النبى إلا إعلانه .

قد نستغرب من صرامة إرميا فى رده على مكتوب شمعيا ( ع 31 ) ، لكن ذلك كان بناء على أمر إلهى ، لكن لا يجوز لنا أن نرد هكذا على مقاومينا ، ولا أن نرجو لهم شرا أو موتا سريعا ( مت 5 : 44 ) .

+ + +
إرميا – الإصحاح الثلاثون

عودة مجيدة

جاءت الإصحاحات ( 30 – 33 ) كسفر تعزية [ عن العودة وقيام مملكة يهوذا ] .. تقطع هذه الإصحاحات التسلسل التاريخى لسير الأحداث التى يذكرها باروخ الكاتب ، وهى تمثل مجموعة من أقوال النبى مأخوذة من مراحل مختلفة من خدمته .

تسمى هذه الإصحاحات الأربع " سفر تعزية " ، يمكن أن تدعى " تسبحة نصرة الخلاص والحرية " ، تعبر عن الرجاء المستقبلى أكثر منها الحكم والتأديب كما جاء فى الإصحاحات السابقة .

جاءت مقدمة هذه الإصحاحات ( 30 : 1 – 3 ) تحمل نغمة العزاء المملوء فرحا ، أما قمتها ففى 31 : 31 – 34 .

إن كانت العقوبات قد وجهت ضد يهوذا لكنه يوجه العزاء إلى إسرائيل ويهوذا معا ( 30 : 4 ) ، يقدمه فى شىء من التفصيل لكى ينشغل به المؤمن فى لحظات التأديب فلا يسقط فى حالة قنوط بل يمتلىء رجاء فى الرب .

يعلن الله لنبيه كما لكل نفس مقدسة عن مقاصده من جهة شعبه ، حتى تطمئن وتستريح فى الرب ، مدركة أنه دائما يعمل لبنيان كنيسته ومجدها الأبدى .



( 1 ) مقدمة لسفر التعزية
" الكلام الذي صار الى ارميا من قبل الرب قائلا :

هكذا تكلم الرب اله اسرائيل قائلا.اكتب كل الكلام الذي تكلمت به اليك في سفر.

لانه ها ايام تأتي يقول الرب وأرد سبي شعبي اسرائيل ويهوذا يقول الرب وارجعهم الى الارض التي اعطيت آباءهم اياها فيمتلكونها " ع 1 – 3 .

مقدمة كتبها جامع هذه النبوات ، تحوى الموضوع الرئيسى للرجاء فى التجديد والإصلاح الواردين فى الإصحاحات 30 – 33 .

صدر الأمر الإلهى لإرميا أن يسجل ما يسمعه من الله فى كتاب ، لكى تقرأه الأجيال القادمة ، فمن جانب إذ يتحقق التحرر من السبى بعد السبعين عاما تدرك الأجيال أمانة الله فى وعوده التى ظنها البعض مستحيلة . ومن جانب آخر فإن هذا السبى يمس حياة البشرية عبر العصور .. الكل محتاج أن ينصت إلى وعود الله بالتحرر من سبى الخطية ، والأنطلاق من بابل الزانية إلى أورشليم الداخلية ، أى يتحول القلب من الفساد إلى بر المسيح .

يستخدم تعبير : " ها أيام تأتى " ع 2 فى النبوات عن الأحداث المقبلة سواء فى المستقبل القريب أو الأحداث الآخروية .

الوعد موجه للمملكتين الشمالية ( إسرائيل ) والجنوبية ( يهوذا ) ، إذ ذابا معا فى السبى وعادا كشعب واحد ، وصار الكل تينا جيدا جدا ( ص 24 ) . لعله من خطة الله فى السبى أنه إذ انقسم الشعب إلى مملكتين ، لم يكن هناك طريق للوحدة إلا من خلال نير السبى .

لم يقف الوعد عند عودة الشعب فى وحدة إلى أرض آبائهم ، وإنما صاروا " يمتلكونها " ع 3 . هم يمتلكونها ولكنها لا تمتلكهم !

فقد عاش اليهود خلال الفكر الحرفى تمتلكهم الأرض ، تشغلهم أرض الموعد ككل ومدينة الله أورشليم وهيكله ... لا ليتمتعوا بسكنى الله القدوس فى وسطهم فيتقدسون ، وإنما لممارسة العبادة بحرفية قاتلة . لذلك يؤكد الله لهم : " تمتلكونها " أى تكون هذه العطايا الإلهية بمقدساتها لخدمتكم ، أى لتقديس أعماقكم . يريدنا أن نكون ملوكا مقدسين نحمل سلطانا روحيا .



( 2 ) كارثة يعقوب وخلاصه

" فهذا هو الكلام الذي تكلم به الرب عن اسرائيل وعن يهوذا.

لانه هكذا قال الرب :

صوت ارتعاد سمعنا.خوف ولا سلام.

اسألوا وانظروا ان كان ذكر يضع.

لماذا ارى كل رجل ويداه على حقويه كماخض وتحول كل وجه الى صفرة.

آه ! لان ذلك اليوم عظيم وليس مثله.

وهو وقت ضيق على يعقوب ولكنه سيخلص منه " ع 4 – 7

يوجه حديثه إلى إسرائيل ويهوذا ، فيبدأ بإسرائيل لأنه سبى أولا ، وبالتالى تكون فترة سبيه أطول مما ليهوذا .

بينما ينادى الأنبياء الكذبة أنه سلام وامان ، إذا بالنبى يعلن أنه " صوت ارتعاد ... خوف ولا سلام " ع 5 .

يرى البعض أن " صوت الأرتعاد " ع 5 يشير إلى ما حدث من كورش على بابل ، فقد حدث ارتباك شديد ، ولم يدرك الشعب الأسير ماذا سيكون مصيره . هل هذه الحرب لصالحه أم ضده ؟! هل يفقد ما قد جمعه فى بابل أم يعطيه فرصة للعودة إلى أرض الموعد ؟! دخل يعقوب فى ضيق حين هاجمت جيوش مادى وفارس بكل طاقاتها البابليين ولم يدرك يعقوب أنه يوم خلاص له بواسطة كورش الفارسى .

من هول الكارثة مع العجز عن التصرف وضع كل رجل يديه على حقويه كإمرأة فى حالة مخاض ، وقد صارت وجوههم شاحبة .



يقدم لنا الخلاص فى هذا الإصحاح هكذا :

أ – تمتع بالحرية من نير الخطية ع 8

" ويكون في ذلك اليوم يقول رب الجنود اني اكسر نيره عن عنقك واقطع ربطك ولا يستعبده بعد الغرباء " ع 8

يقدم هذا الوعد الإلهى " رب الجنود " نفسه واهب الحرية ، فهو يكسر النير عن عنقنا ، ويقطع ربطنا ، ولا يعود يستعبدنا غرباء ! لقد أكد السيد المسيح : " إن حرركم الإبن فبالحقيقة تكونون أحرارا " يو 8 : 36 .

حمل نير الصليب ليكسر نير خطايانا ، وربط جسده على الصليب بالمسامير ، لكى يحل رباطاتنا ، ودفع حياته ودمه ثمنا كى لا نعود نستعبد بعد للغرباء .



ب – تمتع بداود الملك ع 9 :

" بل يخدمون الرب الههم وداود ملكهم الذي اقيمه لهم " ع 9

أين داود الملك ؟ إنه المسيا الملك ( إش 9 : 7 ، لو 1 : 32 ) . يتم الخلاص بمجىء ابن داود المسيا المخلص ، يملك على النفس ويقيم فيها مملكته بالخلاص .



جـ - تمتع بالسلام والرحمة ع 10 :

" اما انت يا عبدي يعقوب فلا تخف يقول الرب .

ولا ترتعب يا اسرائيل ،

لاني هانذا اخلصك من بعيد ونسلك من ارض سبيه فيرجع يعقوب ويطمئن ويستريح ولا مزعج " ع 10

إذ تخضع النفس لداود الملك ، يحملها بكل طاقاتها من بابل ويدخل بها إلى مملكته ، بل ويقيم منها مملكة سلام فائق ، لا يقدر عدو أن يقتحم أسوارها أو ينهب آنيتها المقدسة !

ترجع النفس إلى حضن الآب بيتها الحقيقى بعد زمان تعزيتها ، ويرجع الرب إلى أعماقها ، ويقيم مملكته التى تفيض سلاما بغير توقف .

يلاحظ هنا ( ع 10 ) أنه يؤكد أن الخلاص الممنوح لهم يقدم لهم خلال نسلهم ، لكى لا يظنوا أن العودة تتم فى أيامهم بل فى الأجيال القادمة ، بل بعد إتمام السبعين عاما .

آلام السيد المسيح مع كونها قاسية وعنيفة لكنها نافعة وضرورية لخلاص البشرية .



د – تحويل التأديب إلى خلاص ع 11 :

" لأنى أنا معك يقول الرب لأخلصك .

وان افنيت جميع الامم الذين بددتك اليهم ،

فانت لا افنيك بل اؤدبك بالحق ولا ابرئك تبرئة " ع 11

لماذا يسمح الله بالضيقات ؟
إنها إما لأختبار المؤمنين أو لإصلاحهم أو كعقوبة عن الخطايا ..

حينما يتحدث الله عن أولاده يقول : " لا أفنيك بل أؤدبك " ، أما بالنسبة للأمم فيقول " أفنيهم " . كأن الله فى تأديبه لنا يطلب خلاصنا ونمونا ، لكنه يحطم الأمم ( أى الخطايا ) أو مملكة إبليس التى حتما تنهار أمام مملكة الله !



( 3 ) شفاء جراحات صهيون غير القابلة للبرء
" لانه هكذا قال الرب :

كسرك عديم الجبر وجرحك عضال.

ليس من يقضي حاجتك للعصر ليس لك عقاقير رفادة.

قد نسيك كل محبيك.

اياك لم يطلبوا لاني ضربتك ضربة عدو تأديب قاس ،

لان اثمك قد كثر وخطاياك تعاظمت.

ما بالك تصرخين بسبب كسرك ؟

جرحك عديم البرء لان اثمك قد كثر وخطاياك تعاظمت قد صنعت هذه بك.

لذلك يؤكل كل آكليك ويذهب كل اعدائك قاطبة الى السبي ويكون كل سالبيك سلبا وادفع كل ناهبيك للنهب.

لاني ارفدك واشفيك من جروحك يقول الرب :

لانهم قد دعوك منفية صهيون التي لا سائل عنها " ع 12 – 17 .

كانت هناك أسباب كثيرة تدعو إلى اليأس ، ... ولكن بقى طبيب واحد هو الله مخلص شعبه الصانع العجائب ، إله المستحيلات الذى يقدم نفسه بلسانا لهم فيشفيهم . والعجيب أنه يتقدم من تلقاء نفسه ( ع 7 ) كطبيب للنفس ومحرر لها .

إنه يفتش عن المجروحين والمسبيين والمطرودين والمرذولين ... حين تقف كل الأذرع البشرية عاجزة تظهر يد المسيا المخلصة والشافية .

لكى يؤكد الحاجة إلى تدخل إلهى للأصلاح أوضح خطورة الموقف . إنها فى حالة لا يرجى اصلاحها ، ولا يوجد من يهتم بها . جرحت بسبب خطاياها ، ووسط هذه الجراحات فقدت حتى محبيها الذين اشتركت معهم فى الخطايا ... فازدادت الآلام آلاما .

فجأة يتحول إرميا من الحديث عن العقوبة والتأديب إلى اعلان الخلاص ( ع 15 ، 16 ) الله يستخدم نبوخذنصر عبده ليتمم مقاصده بتأديب شعبه بعدئذ يأتى الوقت ليسلم بابل للدينونة .

بهذا تصير الجراحات التى بلا شفاء قابلة للشفاء ( ع 17 ) ، فإن الغير مستطاع عند الناس مستطاع لدى الله ( مر 10 : 27 ) .

لقد سمح الله بقيام بابل لتحطيم أشور ،

وقيام مادى وفارس لتحطيم بابل ،

وقيام اليونانيين ( اسكندر المقدونى ) لتحطيم فارس ومصر ( فرعون ) الخ ....

هكذا تنهار كل قوى العالم وتحطم بعضها البعض ، أما النفس التى تلتصق بالله مخلص العالم فتنال قوة فوق قوة ، ومجدا فوق مجد ! .

الشفاء الروحى أحد المكونات الأساسية لعمل الله الخلاصى فى المسيح ( يوئيل 2 : 25 )

إذ تشفى النفس من حراحاتها المستعصية وذلك بجراحات المصلوب لا تعود بعد تدعى " منفية صهيون التى لا سائل عنها " ع 17 .



( 4 ) اصلاح يعقوب
" هكذا قال الرب :

هانذا ارد سبي خيام يعقوب وارحم مساكنه وتبنى المدينة على تلّها والقصر يسكن على عادته.

ويخرج منهم الحمد وصوت اللاعبين ،

واكثرهم ولا يقلون واعظمهم ولا يصغرون.

ويكون بنوهم كما في القديم وجماعتهم تثبت امامي واعاقب كل مضايقيهم.

ويكون حاكمهم منهم ويخرج واليهم من وسطهم واقربه فيدنو اليّ لانه من هو هذا الذي ارهن قلبه ليدنو اليّ يقول الرب.

وتكونون لي شعبا وانا اكون لكم الها " ع 18 – 22

يقدم لهم وعود إلهيـــة ثابتــة :

- يتمتع الشعب بالقلب الجديد الذى يطيع العهد .

- ينزع الله عنهم أغلال السبى والعبودية .

- يعاقب الله الذين سبوهم .

- يردهم إلى أرضهم فى سلام مع بركات وعطايا .

- يرد سبى خيام يعقوب .

- اعادة بناء المدينة والقصر الملكى ( ع 18 ) . عوض الخيام تقام مبان للأستقرار ، ويعاد بناء الهيكل والقصر الملكى ... هذا ما حدث بعد عودة الشعب من بابل .

- تتحول حياتهم إلى الفرح والتسبيح ( ع 19 ) . وكما قيل بزكريا النبى : " سيجلس بعد الشيوخ والشيخات فى أسواق أورشليم كل إنسان منهم عصاه بيده من كثرة الأيام . وتمتلىء أسواق المدينة من الصبيان والبنات لاعبين فى أسواقها " ( زك 8 : 4 ، 5 ) .

- يباركهم فينمون ويكثرون ( ع 19 ) .

- يعظمهم فلا يصغرون ( ع 19 ) .

- يثبت بنوهم أمام الرب ( ع 20 ) .

- يجعل منهم حكاما وولاة ( ع 21 ) ، ويقوم الله نفسه برعايتهم إذ يهتم بسلامة قطيعه ( إش 40 : 11 ) .

- يقتربون من الله ويصيرون له شعبا وهو إلها لهم ( ع 22 ) .



( 5 ) ادراك مقاصد الله
" هوذا زوبعة الرب تخرج بغضب نوء جارف.

على راس الاشرار يثور.

لا يرتد حمو غضب الرب حتى يفعل وحتى يقيم مقاصد قلبه.

في آخر الايام تفهمونها " ع 23 – 24 .

ماذا يعنى بزوبعة الغضب الإلهى التى تحل برأس الأشرار إلا الأنهيار والدمار الذى يحل بملك بابل ؟! إذ يحل الغضب على الرأس ينهار الجسد كله !

لنسلم رؤوسنا فى يد الله الذى يقدسها ، فتحل عليها البركة لا اللعنة ، عندئذ يتقدس الجسد كله . أقصد بالرأس هنا " الفكر " ، حيث تمتص أفكارنا فى الرب ، وتنسحب إلى سمواته وتحمل حياتنا السمة السماوية .

+ + +
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://eng.roniajesus@yahoo.com
بحبك يا مارمينا
خادم المنتدى
avatar

انثى عدد الرسائل : 785
العمر : 29
المزاج : نشكرربناعلي كل حال
اعلام الدول :
المهنة :
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: *** موضوع متكامل لتفسير سفر ارميا كتابيا ***   الجمعة فبراير 12, 2010 11:38 pm

إرميا – الإصحاح الحادى والثلاثون

العهد الجديد



يظن بعض الدارسين أن أغلب ما ورد فى هذا الإصحاح كتبه إرميا النبى لمملكة إسرائيل وذلك قبل السبى الأول ليهوذا سنة 597 ق . م . وأن الأشارة إلى يهوذا ( ع 3 – 4 ) ، وصهيون ( ع 17 ) وكل عشائر إسرائيل ( ع 1 ) جاءت كإضافة فيما بعد لكى ينطبق الحديث على كل شعب الله .
يعتبر هذا الإصحاح تكملة للإصحاح السابق حيث يتحدث بالتفصيل عن وعود الله لشعبه الذى يخرجه من الأسر ويأتى به إلى الحرية ، أو ينطلق به من أرض الغربة القاسية إلى الله نفسه " الرب برنا " !

( 1 ) وهود لكل عشائر شعبه
" في ذلك الزمان يقول الرب اكون الها لكل عشائر اسرائيل ،
وهم يكونون لي شعبا " ع 1 .
بقولـه " فى ذلك الزمان " يشير إلى إر 30 : 24 " فى آخر الأيام " ، أى فى المستقبل المسيانى . يبدأ بذلك كنعمة إلهية وأساس للكمال والإصلاح خلال المحبة الإلهية وأمانته فى وعوده لشعبه . هذه الوعود اإلهية هى :
أ – يقيمهم شعبه :
يكمل إرميا النبى حديثه السابق عن مقاصد الله التى يعلنها موضحا أنه : يكون هو إلها لكل العشائر ، وهم يكونون له شعبا ، ينسب نفسه إليهم ، وينسبهم إليه .
" هوذا مسكن الله مع الناس ، وهو سيسكن معهم ، وهم يكونون له شعبا ، والله نفسه يكون معهم إلها " رؤ 21 : 3 .

ب – يهبهم نعمته وراحته مقدما لهم خروجا جديدا :
" هكذا قال الرب :
قد وجد نعمة في البرية الشعب الباقي عن السيف اسرائيل حين سرت لاريحه " ع 2 .
الوعد المقدم هو أن يجد الشعب " نعمة " ع 2 ، هذه التى سبق فنالها آباؤهم حين اخرجهم الرب فى البرية وحررهم من عبودية فرعون وقد جاء التعبير " وجد نعمة " خمس مرات فى قصة الخروج ( خر 33 : 12 – 17 ) .
جاء عمل المسيا المخلص كخروج حقيقى فيه يقدم المخلص نفسه فصحا للبشرية كى تتحرر من عبودية إبليس وتنطلق تحت قيادة روحه القدوس فى برية هذا العالم حتى تجد راحة فى حضن الآب .
جـ - قصة حب أبوى أبدى !
" تراءى لي الرب من بعيد.
ومحبة ابدية احببتك ،
من اجل ذلك ادمت لك الرحمة " ع 3 .
تطلع النبى إلى عمل الله الخلاصى فرأى الرب يعمل " من بعيد " ع 3 ، أى منذ القدم .. قصة الحب الإلهى قصة قديمة متجددة على الدوام ، ربما قال " من بعيد " لأن الإنسان ظن أنه منسى فى أرض السبى بعيدا جدا عن أرض الموعد !
تبقى مراحم الله مستمرة عبر الزمن لأن محبته أو خلاصه أبدى !

د- يجعلهم بناء إلهيا
" سابنيك بعد فتبنين يا عذراء اسرائيل " ع 4 .
إن كان الشعب قد صار كإمرأة زانية استحق التأديب بالسبى البابلى ، إلا أن الله فى أمانته يقيمه عذراء مقدسة ( ع 4 ) ، يبنيها بنفسه كهيكل مقدس له .
هـ - يجعلها عروسا متهللة ( ع 4 )
" تتزينين بعد بدفوفك وتخرجين في رقص اللاعبين " ع 4
زينتها الفرح المستمر ، تخرج دوما لتجد النفوس المحيطة ترقص وتتهلل بالرب العامل فيها وفيهم ! بعد أن علقت قيثاراتها على الصفصاف فى بابل كى لا ترنم تسبحة جديدة فى أرض غريبة ( مز 137 : 4 ) ها هى تمسك بالدفوف بين أصابعها لتسبح الرب بأعمال الحب ، وتتزين بالفرح الروحى ، وتعيش فى تهليل لا ينقطع .
ز – غرس الكروم
" تغرسين بعد كروما في جبال السامرة.
يغرس الغارسون ويبتكرون " ع 5 .
الأرض التى سبق فخربها العدو عندما هاجمها وسباها ، محولا الحقول إلى مراعى غنم ومسكنا للوحوش ، الآن تعود لتغرس كروما . لقد عبدوا البعل إله الخصوبة فحل بهم القحط ، وصارت أراضيهم خرابا ، الآن يردهم الرب ويهب أرضهم خصوبة .
ح – شركة عبادة مفرحة
" لانه يكون يوم ينادي فيه النواطير في جبال افرايم :
قوموا فنصعد الى صهيون الى الرب الهنا " ع 6 .
لم يعد المراقبون يضربون بالبوق ليعلنوا عن مجىء العدو الذى يسبى ، وإنما ليعلنوا عن قدوم الشعب من كل موضع ليصعدوا إلى صهيون يتمتعون بالرب إلهنا ( ع 6 ) .

( 2 ) عودة إسرائيل إلى أرضه
إن كان إرميا قد تنبأ عن خراب الهيكل خلال السبى فهو ليس ضد الهيكل ولا مقاوم للعبادة الجماعية ... إنه يترقب عبادة روحية متهللة تضم الشعب القادم من أقاصى المسكونة بروح الفرح والوحدة .
" لانه هكذا قال الرب :
رنموا ليعقوب فرحا واهتفوا براس الشعوب.
سمعوا سبحوا وقولوا خلص يا رب شعبك بقية اسرائيل " ع 7 .
يقدم لنا عودة من السبى مملوءة بروح النصرة ، عبر عنها يعقوب بهتافات الفرح والتسبيح ( ع 7 ) ، حاسبا نفسه " رأس الشعوب " أو أولها ، وهو تعبير يحمل روح الفخر ( عا 6 : 1 ) .
" هانذا آتي بهم من ارض الشمال واجمعهم من اطراف الارض.
بينهم الاعمى والاعرج الحبلى والماخض معا.
جمع عظيم يرجع الى هنا " ع 8 .
هذا الخروج العظيم من السبى يصحبه بناء من وسط الأنقاض والتدمير الكامل فتخرج مدينة فائقة البهاء ، هذا الخلاص أو الخروج العظيم لا يعتمد على ذراع بشرى .
يأتى الله بالأعمى فيكون له عينا ، يريه الطريق ويدخل به إلى المجد !
يأتى بالأعرج كمن يحمله على الأذرع الإلهية ليمارس العمل الفائق بقوة .
يأتى بالحبلى والماخض العاجزتين عن الحركة لمتار قليلة ليسرع بهما لا إلى أميال بل إلى الخروج من محبة العالم إلى السماء عينها !
" بالبكاء يأتون وبالتضرعات اقودهم ،
اسيّرهم الى انهار ماء في طريق مستقيمة لا يعثرون فيها.
لاني صرت لاسرائيل ابا وافرايم هو بكري " ع 9 .
يدعو الله نفسه " أب إسرائيل " ليؤكد أن ما سمح به من تأديب خلال السبى إنما هو تأديب أبوى ، زأن الله يتطلع إلى شعبه بكره " الأبن البكر " . لقد دعى أفرايم ( إسرائيل ) البكر ليس لكى يقدمه على يهوذا ، وإنما ليؤكد اعتزازه به كإبن بكر ... كلاهما " إسرائيل ويهوذا " ابن واحد بكر .

يدعو الله الأمم والجزائر البعيدة ( ع 10 ) أن تشهد الحدث العجيب ( إش 42 : 10 ؛ 49 : 1 ) .
" اسمعوا كلمة الرب ايها الامم واخبروا في الجزائر البعيدة وقولوا :
مبدد اسرائيل يجمعه ويحرسه كراع قطيعه.
لان الرب فدى يعقوب وفكه من يد الذي هو اقوى منه.
فياتون ويرنمون في مرتفع صهيون ويجرون الى جود الرب على الحنطة وعلى الخمر وعلى الزيت وعلى ابناء الغنم والبقر.
وتكون نفسهم كجنة ريا ولا يعودون يذوبون بعد " ع 10 – 12 .
يأتون إلى صهيون " بوجوه مشرقة " وتصير نفوسهم كجنة ريا ، أى مروية حسنا ( ع 12 ) .
" حينئذ تفرح العذراء بالرقص والشبان والشيوخ معا واحول نوحهم الى طرب واعزيهم وافرحهم من حزنهم.
واروي نفس الكهنة من الدسم ويشبع شعبي من جودي يقول الرب " ع 13 ، 14 .
+ يؤكد لنا ربنا أن أحزاننا يحولها إلى فرح بثمار التوبة .
يروى نفوس الكهنة من الدسم ، دسم الذبائح التى يقدمها الشعب لله حيث كان نصيبهم هو الفخذ اليمين ( لا 7 : 32 – 36 ) . وكأن العبادة تعود بقوة ويصير للكهنة أنصبة كثيرة . كما يشير الدسم إلى حالة الرخاء التى سيعبش فيها الشعب ( مز 36 : 8 ؛ 63 : 5 ، إش 55 : 2 ) .

( 3 ) نهاية حزن راحيل
" هكذا قال الرب.صوت سمع في الرامة نوح بكاء مرّ.
راحيل تبكي على اولادها وتأبى ان تتعزى عن اولادها لانهم ليسوا بموجودين.
هكذا قال الرب:
امنعي صوتك عن البكاء وعينيك عن الدموع ،
لانه يوجد جزاء لعملك يقول الرب.
فيرجعون من ارض العدو.
ويوجد رجاء لآخرتك يقول الرب،
فيرجع الابناء الى تخمهم " ع 15 – 17 .
" رامة " تعنى حرفيا " مرتفع " وتقع فى نصيب سبط بنيامين ( يش 18 : 25 ؛ قض 4 : 5 ) على الحدود ما بين مملكتى الشمال والجنوب . قريبا منها يوجد قبر راحيل ( 1 صم 10 : 2 – 3 ) كما يوجد تقليد بأن القبر كان بالقرب من بيت لحم ( تك 35 : 19 ) .
ويتضح من سفر إرميا أنها كانت المكان الذى نقل إليه المسبيين وجمعوا فيه قبل أن يؤخذوا إلى السبى إلى بابل إذ نقرأ " الكلمة التى صارت إلى أرميا من قبل الرب بعدما ارسله نبوزردان رئيس الشرط من الرامة إذ أخذه وهو مقيد بالسلاسل فى وسط كل سبى أورشليم ويهوذا الذين سبوا إلى بابل " ( إر 40 : 1 ، 2 ) .
تختار النبوة راحيل بالذات لأنها فى البداية توسلت وطلبت أولادا إذ نقرأ " فلما رأت راحيل أنها لم تلد ليعقوب غارت راحيل من أختها وقالت : ليعقوب هب لى بنين وإلا فأنا أموت " ( تك 30 : 1 ) .
ماتت راحيل فى نهاية أيامها فى حزن ودفنت فى طريق أفراتة التى هى بيت لحم ( تك 35 : 17 – 19 ) .
ها هى راحيل التى طلبت أولادا فى البداية وماتت فى الحزن ، تظهر فى النهاية مصورة وكأنها قد قامت من الأموات وهى تبكى وصوتها يسمع فى الرامة لأنها ترى أولادها يحملون إلى بابل .
تصور إرميا أن روح راحيل زوجة يعقوب ووالدة يوسف وبنيامين تبكى على أولادها ( أسباط افرايم ومنسى وبنيامين ) الذين احتلوا يقعة ضخمة من المملكة ، إذ ترى ترحليهم من أرض الموعد إلى السبى .
يقتبس الروح القدس هذه الأقوال ويطبقها على حادثة قتل أطفال بيت لحم .
إن ما يحدث ليس عن عجز قوة الله عن منعها ، ولا عن عدم معرفة الله لها ، وإنما سبق فأخبر عنه علانية بواسطة نبيه .
لهذا يليق بنا ألا نضطرب ولا نيأس متطلعين إلى عناية الله التى لا ينطق بها ، التى يمكن للإنسان أن يراها فى أعمال الله كما فيما يسمح به من الآلام .
قدم الله لراحيل تعزية ، مؤكدا عودة أبنائها ، وتقديم جزاء لها عن عملها ( ع 17 ) لحساب أطفالها الذين يردهم من السبى .
" سمعا سمعت افرايم ينتحب.
ادبتني فتأدبت كعجل غير مروض.
توبني فأتوب لانك انت الرب الهي.
لاني بعد رجوعي ندمت وبعد تعلمي صفقت على فخذي.
خزيت وخجلت لاني قد حملت عار صباي.
هل افرايم ابن عزيز لديّ او ولد مسرّ.
لاني كلما تكلمت به اذكره بعد ذكرا.
من اجل ذلك حنّت احشائي اليه.
رحمة ارحمه يقول الرب " ع 18 – 20 .
جاءت هذه العبارة اعترافا وتوبة من جانب أفرايم الذى يعلن عن حاجته إلى عمل الله نفسه واهب التوبة .
من أقوال الآباء :
+ بينما يكون الإنسان فى انكسار قلب وانسحاق روح ، مع استمرار الجهاد والبكاء إذا بالنعمة الإلهية تلاشى تذكر الخطايا السابقة وتنزع وخزات الضمير عنها ، وهنا يكون واضحا أنه قد نال غاية الرضى ومكافأة العفو ، وانتزعت منه وصمات الخطايا التى أرتكبها .
+ لنتقى ذواتنا بالدموع ، فيسمع الرب إلهنا حينما ننوح كما سمع لأفرايم حين بكى ع 18

جاء ع 20 إجابة لصرخة التوبة تؤكد شوق الله نحو توبته ، إذ أحشاء الله تحن عليه . يدعوه " الإبن العزيز لديه " ، " الولد المسر " يذكره الرب على الدوام .
" انصبي لنفسك صوى.اجعلي لنفسك انصابا.
اجعلي قلبك نحو السكة الطريق التي ذهبت فيها.
ارجعي يا عذراء اسرائيل ارجعي الى مدنك هذه ،
حتى متى تطوفين ايتها البنت المرتدة.
لان الرب قد خلق شيئا حديثا في الارض.
انثى تحيط برجل " ع 21 – 22 .
بعد أن تحدث عن أفرايم كإبن محبوب جدا ، عاد ليتحدث عن إسرائيل كعذراء يدعوها لتقيم لها بيتا ، وأن تضع علامات فى الطريق حتى لا تضل عنه .
وكأنها تعود من ذات الطريق الذى فيه تركت وطنها !
ستجد فى عودتها ترحيبا فى بيتها ومدنها ... ستكون فى أمان كإنسان فى حضن أمه ( ع 22 ) .
يرى القديس جيروم أن الشىء الجديد الذى يثير الأنتباه هو الأنثى التى تحيط برجل ، أى العذراء التى تحتضن كلمة الله المتجسد ... هذا هو الرجوع عن السبى ! هذا هو التمتع ببركة الرب ، فتصير النفس مسكنا للبر وجبلا مقدسا !
( 4 ) إصلاح إسرائيل ويهوذا
يعد الله شعبه بالرجوع من السبى ، ليمتلك أرض الموعد ، وينزع عن راحيل حزنها على بنيها المسبيين ، ويحولها من بنت مرتدة عنيدة إلى أنثى مملوءة قوة وحبا تحيط برجل جبار ، تحمل روح القوة والنصرة عوض الأنهيار والفشل . الآن يقدم لنا صورة حية عن إصلاح إسرائيل ويهوذا حيث يرجع الكل من بابل شعبا مقدسا للرب ، فيقول :
" هكذا قال رب الجنود اله اسرائيل.
سيقولون بعد هذه الكلمة في ارض يهوذا وفي مدنها عندما ارد سبيهم.
يباركك الرب يا مسكن البر يا ايها الجبل المقدس " ع 23 .
هنا يدعو يهوذا " مسكن البر أو البار " ( راجع زك 8 : 3 ) ، ويعنى به مسكن الله البار ، وأيضا " الجبل المقدس أو جبل القدوس " . فيسكن الله وسط شعبه الذى يصير مسكنا له وجبلا خاصا به ( ع 23 ) . كأن سر فرح الشعب ليس تحرره من بابل بل بالحرى تمتعه ببركة سكنى الله البار والقدوس وسطه ، فيجعل منه هيكلا مقدسا وجبلا حيا .

يدعو شعبه " مسكن البار " و " جبل الله القدوس " ، باللقب الأول يعلن بركة الشعب إذ يسكن فيه البار ، محولا شعبه إلى جماعة مقدسة لا تعرف إلا العبادة الحية ، وباللقب الثانى الرسوخ كالجبل لا تهزه رياح العالم المقاومة !

" فيسكن فيه يهوذا وكل مدنه معا الفلاحون والذين يسرحون القطعان ،

لاني ارويت النفس المعيية وملأت كل نفس ذائبة " ع 24 ، 25 .

يعود الشعب إلى أرض الموعد ليمارسوا حياتهم اليومية من فلاحة الأرض ورعاية الغنم ( ع 24 ) ، لتجد النفس التى صارت فى حالة عياء راحة ، والذائبة بسبب ما حل بها من فقدان شبعا وارتواء ( 25 ) .

الله يشبع التائبين ويرويهم ، هذا منظر يملأ قلب إرميا النبى بالفرح والسعادة وسط الكارثة والظلام .

" على ذلك استيقظت ونظرت ولذّ لي نومي " ع 26

يكون الرب كمن كان نائما واستيقظ ، إذ رد شعبه إلى راحته ، ولذ له نومه لأنه لا تتكرر بعد هذه المأساة ( ع 26 ) . ويرى القديس أمبروسيوس فى تعبير " لذ لى نومى " ع 26 إشارة إلى الموت الإرادى الذى قبله السيد المسيح بسرور لأجل خلاصنا .

" ها ايام تأتي يقول الرب وازرع بيت اسرائيل وبيت يهوذا بزرع انسان وزرع حيوان " ع 27

يقوم الرب نفسه بزرعهم ، بزرع إنسان وزرع حيوان ، إذ يقدس النفس ( الإنسان ) والجسد ( الحيوان ) معا ، وينمى الإنسان بكليته ليمارس الحياة الجديدة بعد العتق من سبى الخطية .

" ويكون كما سهرت عليهم للاقتلاع والهدم والقرض والاهلاك والاذى كذلك اسهر عليهم للبناء والغرس يقول الرب " ع 28 .

هذا هو الذى سمح بالتأديب الآن يقوم بنفسه ببنائهم وغرسهم ، ساهرا عليهم ليجدد حياتهم يقيمهم شعبا جديدا بعهد جديد !

" في تلك الايام لا يقولون بعد الآباء اكلوا حصرما واسنان الابناء ضرست.

بل كل واحد يموت بذنبه كل انسان ياكل الحصرم تضرس اسنانه " ع 29 – 30 .

يقتبس المثل الوارد فى حز 18 : 2 ، فقد كان الشعور السائد بأن ما يحل بهم إنما هو ثمرة خطايا قديمة أرتكبتها اجيال سابقة ، بهذا أحسوا أن الله عاملهم بقسوة لظروف لم يكن لهم فيها يد ، ولم يرتكبوا ذنبا . وأن فى ذلك ظلما وليس عدالة ، يرفض إرميا النبى هذه الفكرة مبينا أن الله إنما يعاقب الإنسان على خطاياه ، لا على خطايا الغير .

( 5 ) العهد الجديد
" حمى غضب موسى وطرح اللوحين من يديه وكسرهما فى أسفل الجبل " خر 32 : 19 . وكأن موسى قد أعلن عن كسر العهد ، وعجز الإنسان عن الحفاظ عليه ، هذا ما دفع الأنبياء فى العهد القديم إلى التطلع إلى عهد جديد بسمات جديدة قادر على تغيير قلب الإنسان والدخول إلى الحياة الداخلية لكى لا يكسر الإنسان العهد .

" ها ايام تأتي يقول الرب واقطع مع بيت اسرائيل ومع بيت يهوذا عهدا جديدا.

ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم يوم امسكتهم بيدهم لاخرجهم من ارض مصر حين نقضوا عهدي فرفضتهم يقول الرب.

بل هذا هو العهد الذي اقطعه مع بيت اسرائيل بعد تلك الايام ،

يقول الرب : اجعل شريعتي في داخلهم واكتبها على قلوبهم واكون لهم الها وهم يكونون لي شعبا.

ولا يعلّمون بعد كل واحد صاحبه وكل واحد اخاه قائلين اعرفوا الرب ،

لانهم كلهم سيعرفونني من صغيرهم الى كبيرهم يقول الرب.

لاني اصفح عن اثمهم ولا اذكر خطيتهم بعد " ع 31 – 34

لقد وعد بعهد جديد ، وكما يقول الحكيم بولس : " فإذ قال جديدا عتق الأول ، وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الأضمحلال " عب 8 : 13 .

فإذ شاخ القديم كان بالضرورة أن يحتل الجديد موضعه ، وقد تحقق هذا لا بواسطة أحد الأنبياء القديسين بل بالحرى بواسطة رب الأنبياء .

يرى البعض أن الله أقام مع الإنسان عهودا ، كملت بالعهد الذى أقامه السيد المسيح بدمه على الصليب .

1 – العهد مع آدم ، خلاله ينعم الإنسان بجنة عدن وكل خيراتها ، لكن آدم نقض العهد وطرد من الجنة ..

2 – العهد مع نوح الخاص بالأرض الجديدة بعد الطوفان ، ( تك 9 : 1 ) .. هنا نلاحظ أن الله هو الذى بادر بإقامة العهد ، وأن العهد قام على أساس الدم ، أى تقديم المحرقات .

3 – العهد مع إبراهيم : عهد الختان ( تك 17 : 11 ) .

4 – العهد الموسوى : ارتبط هذا العهد بالذبائح والعمل الكهنوتى وشرائع التطهير والوصايا الإلهية ( تث 28 ) .

هنا ( إر 31 : 31 ) أول إشارة إلى " العهد الجديد " فى العهد القديم وتعتبر صلب سفر إرميا كله ، تمثل أعمق نظرة فى العهد القديم كله .

( 6 ) رباط لا ينحل

" هكذا قال الرب الجاعل الشمس للاضاءة نهارا وفرائض القمر والنجوم للاضاءة ليلا الزاجر البحر حين تعجّ امواجه رب الجنود اسمه.

ان كانت هذه الفرائض تزول من امامي يقول الرب ،

فان نسل اسرائيل ايضا يكف من ان يكون امة امامي كل الايام.

هكذا قال الرب ان كانت السموات تقاس من فوق وتفحص اساسات الارض من اسفل فاني انا ايضا ارفض كل نسل اسرائيل من اجل كل ما عملوا يقول الرب " ع 35 – 37 .

كما أقام الله ناموسا طبيعيا للشمس والقمر والكواكب للإضاءة نهارا وليلا ، ووضع للبحر حدا ، هكذا يقيم الله فى عهده الجديد مع شعبه ناموسا روحيا أبديا .

يقيمهم شعبا دائما له ، يشرقون بنوره نهارا وليلا ، لا تستطيع أمواج بحر العالم أن تكتسحهم ! الله الذى خلق العالم المنظور لأجل الإنسان فأبدعه كيف لا يهتم بإقامة ناموس جديد مبدع لبنيان الإنسان نفسه ومجده ؟!

( 7 ) أورشليم الجديدة

" ها ايام تأتي يقول الرب وتبنى المدينة للرب من برج حننئيل الى باب الزاوية .

ويخرج بعد خيط القياس مقابله على اكمة جارب ويستدير الى جوعة.

ويكون كل وادي الجثث والرماد وكل الحقول الى وادي قدرون الى زاوية باب الخيل شرقا قدسا للرب.

لا تقلع ولا تهدم الى الابد " ع 38 – 40 .

إن كان الله قد سمح بسبى شعبه ، وخراب مدينته المقدسة بسبب الشر ، فإنه خلال العهد الجديد يقيم أورشليم الجديدة ، تبنى له ، وقد وضع لها حدودها .

من برج حنيئيل إلى باب الزاوية : هذا البرج فى شمال شرقى المدينة ، بينما يبدو أن باب الزاوية فى شمال غربى المدينة ، وقد بنى الملك عزيا فى القرن السابق أبراجا فيها كما فى مواضع أخرى .

+ + +

إرميا – الإصحاح الثانى والثلاثون

شراء أرض أثناء السبى

يبدأ الجزء الثانى من " سفر التعزية " بهذا الإصحاح الذى له أهميته الخاصة ، حيث يؤكد إرميا النبى إيمانه ورجاءه فى الوعد الإلهى بالعودة من السبى . وقد وقعت هذه الحادثة فى الوقت الذى كانت فيه جيوش بابل قد انسحبت مؤقتا من حصار أورشليم عند اقتراب الجيش المصرى فى صيف 588 ق . م . ، ثم عادت لتحاصرها ، أى كان هذا قبل حوالى عام من السبى الأخير لليهود إلى بابل ( 2 مل 25 : 1 ، 2 ) .

بينما كان البابليون يدقون أبواب أورشليم لنهبها بعد عدة شهور ، اشترى إرميا قطعة أرض ، وهو يعلم أنه لن يستطيع أن يستقر فيها ، لكنه أراد تأكيد أنه فى المستقبل تعود الحياة الطبيعية فى يهوذا .



( 1 ) شراء الأرض
يقدم لنا تاريخ نبوة إرميا النبى هنا ، قائلا :

" الكلمة التي صارت الى ارميا من قبل الرب في السنة العاشرة لصدقيا ملك يهوذا.هي السنة الثامنة عشر لنبوخذراصر.

وكان حينئذ جيش ملك بابل يحاصر اورشليم وكان ارميا النبي محبوسا في دار السجن الذي في بيت ملك يهوذا " ع 1 – 2

حدث هذا فى السنة العاشرة لصدقيا ملك يهوذا .

" لان صدقيا ملك يهوذا حبسه قائلا :

لماذا تنبأت قائلا هكذا قال الرب.

هانذا ادفع هذه المدينة ليد ملك بابل فياخذها.

وصدقيا ملك يهوذا لا يفلت من يد الكلدانيين بل انما يدفع ليد ملك بابل ويكلمه فما لفم وعيناه تريان عينيه.

ويسير بصدقيا الى بابل ،

فيكون هناك حتى افتقده يقول الرب.

ان حاربتم الكلدانيين لا تنجحون " ع 3 – 5

الأعداد 3 – 5 عبارات اعتراضية وضعت لتفسير السبب فى احتجاز إرميا ، ومنعه من الهروب ، إذ كان الهدف الرئيسى هو محاولة القضاء على رسالته النبوية .

لا نعرف المدة التى قضاها إرميا فى السجن .

تقدم لنا العبارات السابقة سبع نبوات نطق بها النبى فى أورشليم ، أعلن النبى هذه النبوات فى مواضع كثيرة ، وقد تحققت حرفيا كما جاء فى 2 مل 25 ، 2 أى 36 :

أ – يدفع الله مدينة أورشليم ليد ملك بابل فيأخذها .

ب – لا يفلت صدقيا ملك يهوذا من يد الكلدانيين .

جـ ـ بالتأكيد يدفع صدقيا ملك يهوذا ليد ملك بابل .

د – سيتكلم صدقيا ملك يهوذا مع ملك بابل فما لفم ، وعيناه تريان عينيه .

هـ ـ يسير بصدقيا إلى بابل .

تنبأ حزقيال النبى عن صدقيا أنه لا يرى بابل ( حز 12 : 13 ) . حمل الملك إلى بابل ليلا ، لكنه لم يرها كما يقول إرميا النبى ، إذ فقأوا عينيه فى ربلة ( 2 مل 25 : 4 – 7 )

و – يكون صدقيا فى بابل فيكون هناك حتى يفتقده الرب ، أى إلى يوم موته .

ز – إن حاربوا الكلدانيين لا ينجحون .

عندما كان إرميا ذاهبا إلى عناثوث من أورشليم ليتولى عملية شراء ملكية العائرة ظنوه يتعامل مع العدو ، لذا تم القبض عليه ( 37 : 11 – 14 ) ، ووضع فى حبس محكم ، ولكن أعطى بعد ذلك قليلا من الحرية ( 37 : 21 ) .

كانت دار السجن عبارة عن سياج داخل القصر الملكى ( نحميا 3 : 25 ) .

نقرأ تفاصيل هذا الوصف المختصر هنا فى الإصحاحين 37 ، 38 ... هنا نرى عدم ترتيب فصول السفر ترتيبا تاريخيا .

" فقال ارميا : كلمة الرب صارت اليّ قائلة :

هوذا حنمئيل بن شلوم عمك يأتي اليك قائلا :

اشتر لنفسك حقلي الذي في عناثوث لان لك حق الفكاك للشراء.

فجاء اليّ حنمئيل ابن عمي حسب كلمة الرب الى دار السجن ،

وقال لي اشتر حقلي الذي في عناثوث الذي في ارض بنيامين لان لك حق الارث ولك الفكاك.اشتره لنفسك.فعرفت انها كلمة الرب.

فاشتريت من حنمئيل ابن عمي الحقل الذي في عناثوث ووزنت له الفضة سبعة عشر شاقلا من الفضة.

وكتبته في صك وختمت واشهدت شهودا ووزنت الفضة بموازين.

واخذت صك الشراء المختوم حسب الوصية والفريضة والمفتوح .

وسلّمت صك الشراء لباروخ بن نيريا بن محسيا امام حنمئيل ابن عمي وامام الشهود الذين امضوا صك الشراء امام كل اليهود الجالسين في دار السجن.

واوصيت باروخ امامهم قائلا :

هكذا قال رب الجنود اله اسرائيل :

خذ هذين الصكين صك الشراء هذا المختوم والصك المفتوح هذا واجعلهما في اناء من خزف لكي يبقيا اياما كثيرة.

لانه هكذا قال رب الجنود اله اسرائيل سيشترون بعد بيوتا وحقولا وكروما في هذه الارض " ع 6 – 15 .

الحديث الذى يذكر حق القريب فى التملك بالشفعة هنا يبين أن العادات القديمة التى تتحكم فى ملكية الأرض كانت لا تزال سارية المفعول . ففى لاويين ( 25 : 25 ) يمكن للقريب أن يفك البيع لكى لا تخرج الملكية من العائلة .

لم تكن زيارة حنمئيل لإرميا ( ابن عمه ) مفاجئة له ، فقد سبق فأعلن الله له عنها ، وقد أرشده الرب إلى ما يصنعه . هكذا عندما انسحب الكل من إرميا تدخل الله ليرشده فى كل أمور حياته حتى التى تبدو زمنية .

دفع إرميا فى الحقل 17 شاقلا من الفضة ، حوالى سبع أوقيات من الفضة ، ويمكننا أن نستنتج من هذا بأن إرميا لم يكن فقيرا .

يوضح الكتاب المقدس أن الله ضابط الكل ويحول كل الأمور لبنيان شعبه وأولاده . ما تم فى موضوع الشراء هذا يحمل الآتى :

أ – تأكيد طاعة إرميا النبى لله الذى أعلن له عن الأمر مسبقا .

ب – تزكية إيمان إرميا الذى يعلن بهذا الحدث أن السبى قادم حتما ، لذا حفظ نسختى العقد فى إناء خزفى . لأنه حفظ النسختين وليس نسخة واحدة فى إناء خزفى لإدراك النبى أن تنفيذ شراء الحقل يتطلب عشرات السنين حتى ينتهى السبى . بهذا أعلن تأكيده أن السبى قادم حتما ، وأن العودة أيضا قادمة حتما !

جـ ـ تزكية إيمانه بأنه سيعود المسبيين يوما ما وتعود الحياة اليومية من بيع وشراء وفلاحة حقل الخ ... .



التفسير الرمزى لشراء الحقل :

أ – الحقل موضوع الشراء هى الكنيسة التى اقتناها السيد المسيح لنفسه ميراثا أبديا ، هى له يمتلكها فى كمال بهائها ومجدها بعد أنقضاء الدهر ، كما بعد السبى ، كما هو ميراثنا الذى نقتنيه بكوننا أولاد الله ، ورثة الله ، ووارثون مع المسيح ( رؤ 8 ) .

مع أنه اشترى الحقل ودفع ثمنه إلا أنه لم يضع اليد عليه ، فما زال الميراث تحت عبودية الفساد . لقد حصل فداء هذا الميراث بالدم وهو الثمن المدفوع ، أما الفداء بمعنى تحقيق الملكية ووضع اليد بالقوة فما زال مؤجلا ونحن ننتظر ونتوقع فداء المقتنى المدفوع ثمنه .

الدرج المكتوب هو سند ملكية هذا العالم ولا جدال فى هذا ، ويبقى مختوما إلى أن يقوم الوارث الشرعى ليطالب بالملكية ، ومن الواجب قبل امتلاك العالم فعلا أن ينقى ميراثه أولا خلال فتح الختوم .

ب – قدم إرميا الثمن وهو بعد فى السجن ، .. هكذا دفع مسيحنا ثمن خلاصنا ، دمه الثمين ، بعد أن نزل إلى عالمنا كواحد منا ، وهو الملك صار تحت الحكم . أحصى مع الأثمة ، وانهالت الأتهامات ضده ، أما هو فما كان يشغله إلا اقتناء كنيسته التى هى حقله المحبوب لديه .

جـ ـ كتابة العقد من نسختين إحداهما مختومة والأخرى مفتوحة إنما يشير إلى أن الخلاص قد تحقق فعلا إذ سجل مسيحنا بدمه عهده الجديد على الصليب ، مكتوبا بحبه العملى الباذل . صار صليب مسيحنا عقدا أو عهدا جديدا مفتوحا للمؤمنين الذين يدركون أنه قوة الله للخلاص ( 1 كو 3 : 18 ) ، أما لغير المؤمنين فهو مختوم ، إذ يراه اليهود عثرة واليونانيون جهالة ( 1 كو 3 : 23 ) .

بالنسبة لنا أيضا نرى فى الصليب عهدا واحدا من نسختين : النسخة المختومة هو ما نناله الآن من عربون للسماويات ، فننعم بخبرة الميراث الأبدى ونحن بعد فى هذا العالم ، أما النسخة المفتوحة فهو تمتعنا بالسماويات عينها حين نرى الرب وجها لوجه ونحيا فى الأحضان الأبوية أبديا .

د – وضع النسختين فى إناء خزفى يشير إلى أن العهد الجديد الذى به ينال المؤمنون الميراث الأبدى يودع فى أناس ( لهم الجسد كإناء خزفى ) يشهدون للعمل الخلاصى الإلهى خلال حياتهم الزمنية ، هذا ما دفع الرسول بولس أن يحث تلميذه تيموثاوس أن يحفظ الوديعة ( 1 تى 6 : 20 ، 2 تى 1 : 14 ) وأن يودعها فى أناس أمناء .

هـ ـ تم العقد أمام باروخ وكل اليهود الذين كانوا فى قاعة السجن تأكيدا أن عمل الخلاص أو العهد الجديد بالصليب يتحقق علانية حيث يرتفع السيد المسيح على جبل الجلجثة أمام اليهود وبعض رجال الدولة والأمن .



لأول مرة يذكر باروخ ( ع 12 ) ، الكاتب الذى يملى النبى كلامه عليه ثم يكتبه ، وكان رجلا تقيا ، صديقا لإرميا ومعاونا له وأمين سره ، كان مسئولا عن إعداد وثائقه ، ولعله كان كاتبا رسميا وخطاطا ( 36 : 26 ) .



( 2 ) رد فعل الشراء
" ثم صليت الى الرب بعد تسليم صك الشراء لباروخ بن نيريا قائلا :

آه ايها السيد الرب ،

ها انك قد صنعت السموات والارض بقوتك العظيمة وبذراعك الممدودة.

لا يعسر عليك شيء.

صانع الاحسان لالوف ومجازي ذنب الآباء في حضن بنيهم بعدهم ،

الاله العظيم الجبار رب الجنود اسمه .

عظيم في المشورة وقادر في العمل ،

الذي عيناك مفتوحتان على كل طرق بني آدم ،

لتعطي كل واحد حسب طرقه وحسب ثمر اعماله.

الذي جعلت آيات وعجائب في ارض مصر الى هذا اليوم وفي اسرائيل وفي الناس وجعلت لنفسك اسما كهذا اليوم .

واخرجت شعبك اسرائيل من ارض مصر بآيات وعجائب وبيد شديدة وذراع ممدودة ومخافة عظيمة .

واعطيتهم هذه الارض التي حلفت لآبائهم ان تعطيهم اياها ارضا تفيض لبنا وعسلا. فأتوا وامتلكوها ولم يسمعوا لصوتك ولا ساروا في شريعتك ،

كل ما اوصيتهم ان يعملوه لم يعملوه فاوقعت بهم كل هذا الشر.

ها المتارس.

قد أتوا الى المدينة ليأخذوها ،

وقد دفعت المدينة ليد الكلدانيين الذين يحاربونها بسبب السيف والجوع والوبإ ،

وما تكلمت به فقد حدث وها انت ناظر.

وقد قلت انت لي ايها السيد الرب اشتر لنفسك الحقل بفضة واشهد شهودا وقد دفعت المدينة ليد الكلدانيين " ع 16 – 25 .

يلاحظ فى صلاة إرميا أو تسبحته الآتى :

أولا : لم ينشغل إرميا بشراء الحقل ، فقد أدرك أنه لن يعيش على الأرض حتى يتسلم الحقل ... لكن ما كان يشغله هو الله نفسه خالق السماء والأرض ، الذى يبسط يديه بالحب لمؤمنيه وهو قدير على خلاصهم .

ثانيا : صلى بحزن إلى الله الذى هدأ من روعه ليطمئن على المستقبل . كان الحصار ضد أورشليم يشهد بأن انذارات الله السابقة قد أضحت حقيقة مائلة الآن ، لذلك كان يصعب على أرميا أن يعتقد أن الله الغير متغير وكلى القدرة يمكن أن يأمره بشراء الأرض بينما كانت نهاية الحياة الطبيعية فى يهوذا قد أصبحت قاب قوسين أو أدنى . ومع ذلك فقد أمر النبى أن يتصرف كما لو كان للأرض مستقبل مجيد ورائع ، وكان إيمانه وطاعته فى ظل هذه الظروف نموذجا للسلوك يحتذى به كل من المؤمنين الحقيقيين ( عب 11 : 6 ) .

ثالثا : يقول : " الإله العظيم الجبار رب الجنود اسمه "

اهتم موسى النبى أن يسأل الله عن اسمه ( خر 3 ) ، فأعلن الله له أن اسمه " يهــوه " هنا أيضا يعلن الرب عن اسمه أنه " رب الجنود " ، فالله فوق الأسماء كما يقول القديس أكليمندس الأسكندرى ، لكنه يعلن اسمه حسب احتياجنا .

رابعا : يحدثنا فى ع 23 عن ثلاثة أسباب لدمارهم :

أ – لم يطيعوا الصوت الإلهى .

ب – لم يسلكوا فى ناموسه الإلهى .

جـ ـ لم يتمموا شيئا من وصاياه الإلهية !



( 3 ) إجابة الله عليه
" ثم صارت كلمة الرب الى ارميا قائلة :

هانذا الرب اله كل ذي جسد.هل يعسر عليّ أمر ما ؟!

لذلك هكذا قال الرب :

هانذا ادفع هذه المدينة ليد الكلدانيين وليد نبوخذراصر ملك بابل فياخذها.

فيأتي الكلدانيون الذين يحاربون هذه المدينة فيشعلون هذه المدينة بالنار ويحرقونها والبيوت التي بخروا على سطوحها للبعل وسكبوا سكائب لآلهة اخرى ليغيظوني.

لان بني اسرائيل وبني يهوذا انما صنعوا الشر في عينيّ منذ صباهم.

لان بني اسرائيل انما اغاظوني بعمل ايديهم يقول الرب.

لان هذه المدينة قد صارت لي لغضبي ولغيظي من اليوم الذي فيه بنوها الى هذا اليوم لأنزعها من امام وجهي .

من اجل كل شر بني اسرائيل وبني يهوذا الذي عملوه ليغيظوني به هم وملوكهم رؤساؤهم وكهنتهم وانبياؤهم ورجال يهوذا وسكان اورشليم.

وقد حولوا لي القفا لا الوجه ،

وقد علّمتهم مبكرا ومعلّما ولكنهم لم يسمعوا ليقبلوا ادبا.

بل وضعوا مكرهاتهم في البيت الذي دعي باسمي لينجسوه.

وبنوا المرتفعات للبعل التي في وادي ابن هنوم ليجيزوا بنيهم وبناتهم في النار لمولك الأمر الذي لم اوصهم به ،

ولا صعد على قلبي ليعملوا هذا الرجس ليجعلوا يهوذا يخطئ " ع 26 – 35 .

أولا : يحدثنا عن خطايا إسرائيل السبع :

أ – يمارسون الشر منذ صباهم ( ع 30 ) ..

ب – يثيرون غضب الله بعمل أيديهم ( الأصنام ) ، أى مصممون على الشر بإقامتهم آلهة وثنية .

جـ ـ يعطون الله القفا لا الوجه ( ع 33 ) ، أى لا يحملون حبا لله بل كراهية .

د – لا يصغون لتعاليم الله ، متجاهلين الوصية الإلهية .

هـ ـ يقيمون رجاسات فى بيت الله ويدنسونه ( ع 34 ) ، فيخلطون عبادة الله بالأوثان والحياة التعبدية بالرجاسات . إذ قدمت أورشليم محرقات للأوثان سمح لها أن تحترق على أيدى الكلدانيين .

و – يبنون مرتفعات للبعل ( ع 35 ) .

ز – يجيزون أبناءهم وبناتهم فى النار للإله مولك فى وادى ابن هوم ، يضحون من أجلها حتى بإبنائهم فيلقون بهم فى النار كذبائح بشرية ، متجاهلين أبسط المشاعر الإنسانية أو حتى الحيوانية !

نجد هنا تركيزا على شرورهم المستمرة طوال تاريخهم .

ثانيا : نفذ إرميا النبى الأمر الإلهى الخاص بشراء الحقل فى ظروف غير طبيعية ، بالرغم من تأكده من تسليم أورشليم فى أيدى الكلدانيين .

إذ سبح إرميا الله القدير مؤكدا أنه ليس شىء غير مستطاع لديه ، أجاب الله أنه إله كل جسد ( ع 27 ) . إله كل البشرية ، يعمل فى الكل بخطته الفائقة . يستخدم الله نفس كلمات إرميا ( 17 ) ليؤكد له أنه لا شىء يعسر على الخالق .



( 4 ) الوعد برد السبى
بعد أن كشف الله عن خطاياهم التى بسببها سقطوا تحت التأديب ، أراد أن يوضح لهم أن التأديب ليس إلا مرحلة مؤقتة ، خلالها يدخل بشعبه إلى التوبة كما إلى مدرسة إلهية ، يكشف لهم عن خطاياهم ويحاججهم لأجل رجوعهم إليه ونموهم .

من الجانب الإيجابى يكشف لهم عن حبه العجيب لهم واهتمامه بهم وتقديم عهد جديد فائق :

أولا : يتحدث بروح الصراحة والأبوة أنه هو الذى دفع بهم إلى السبى كما إلى السيف والجوع والوبأ ، إذ صاروا موضع غضبه بسبب خطاياهم وعصيانهم . ها هو الآن يردهم بالحب ويدخل بهم إلى الموضع الذى طردهم منه ليعيشوا فى أمان سالمين ( ع 36 ، 37 ) .

" والآن لذلك هكذا قال الرب اله اسرائيل عن هذه المدينة التي تقولون انها قد دفعت ليد ملك بابل بالسيف والجوع والوبإ.

هانذا اجمعهم من كل الاراضي التي طردتهم اليها بغضبي وغيظي وبسخط عظيم واردهم الى هذا الموضع واسكنهم آمنين " ع 36 ، 37 .

ثانيا : جوهر العهد هو اتحاد الله بشعبه :

" ويكونون لي شعبا وانا اكون لهم الها " ع 38

ثالثا : " واعطيهم قلبا واحدا وطريقا واحدا ليخافوني كل الايام لخيرهم وخير اولادهم بعدهم " ع 39 .

ما هو هذا القلب الواحد إلا روح الوحدة ، وما هو الطريق الواحد الذى يدخل بنا إلى مخافة الرب لخيرنا وخير أولادنا إلا السيد المسيح القائل : " أنا هو الطريق " .

رابعا : " واقطع لهم عهدا ابديا اني لا ارجع عنهم لاحسن اليهم واجعل مخافتي في قلوبهم فلا يحيدون عني " ع 40 .

يبقى العهد أبديا حتى فى السماء .

خامسا : " وافرح بهم " ع 41

هذه هى قمة علاقة الحب ، فإنه ليس فقط يحبنا بل يفرح بنا ، كأب يشتهى أن يرى أبناءه ويلتقى بهم ويسكب مجده فيهم مقدما لهم ميراثا إلهيا .

سادسا : " لاحسن اليهم ،

واغرسهم في هذه الارض بالامانة بكل قلبي وبكل نفسي " ع 41

علامة العهد أن تمتد يد الله نفسه لتغرسنا فى الأرض الجديدة ، اليد الأمينة التى تعمل بغير حدود ، بل بكل قلب الله التى لا يأتمن آخر غيره على غرسنا !

سابعا : أخيرا يؤكد لهم استقرار حياتهم بعد السبى فى ظل العناية الإلهية كعربون للحياة الكنسية الغنية فى ثمارها ، والمملوءة سلاما روحيا .

" لانه هكذا قال الرب :

كما جلبت على هذا الشعب كل هذا الشر العظيم هكذا اجلب انا عليهم كل الخير الذي تكلمت به اليهم.

فتشترى الحقول في هذه الارض التي تقولون انها خربة بلا انسان وبلا حيوان وقد دفعت ليد الكلدانيين.

يشترون الحقول بفضة ويكتبون ذلك في صكوك ويختمون ويشهدون شهودا في ارض بنيامين وحوالي اورشليم وفي مدن يهوذا ومدن الجبل ومدن السهل ومدن الجنوب لاني ارد سبيهم يقول الرب " ع 41 – 44

+ +إرميا – الإصحاح الثالث والثلاثون

أورشليم ... أنشودة فرح !

إذ كان إرميا النبى فى السجن تحدث الله معه بشأن شعبه للمرة الثانية . لقد سبق فقدم لهم تحذيرات مستمرة ، وها هو يقدم تأكيدات لمواعيده الإلهية الصادقة . فإنه لا يكف عن تكرار تقديم النصائح والتحذيرات وأيضا المواعيد لأجل تشجيعهم على التوبة وبث روح الرجاء والفرح خاصة أثناء الضيق .

استطاع الأشرار أن يأسروا جسد إرميا لكنهم لم يستطيعوا أن يعيقوه عن إعلان الرسالة الإلهية ، وكما يقول الأسير بولس : " الذى فيه أحتمل المشقات حتى القيود كمذنب ، لكن كلمة الله لا تقيد " 2 تى 2 : 9 .

بينما كان إرميا النبى فى السجن لم يكن منشغلا بحاله ومتاعبه ووحدته ، إنما بشعبه الذى يسقط تحت السبى بسبب الخطية ، والدمار الذى يلحق به . لهذا فتح الله عن عينيه ليرى ما فى قلب الله من جهة شعبه . فإن الله يريد مباركته كما يخطط لأجل تحقيق ذلك ، فيجعله أشبه بمدينة سماوية ، أورشليم العليا ، مدينة مسورة لن يقدر أن يقتحمها عدو ، مملوءة صحة ، لا تعانى بعد من مرض ، طاهرة ونقية ، لا تفسدها أو تنجسها خطية ، متهللة كعرس دائم لا ينقطع .

يجعل شعبه أشبه بمرعى سماوى يشبع ويروى كل إحتياجات المؤمنين ،

وبقصر ملوكى ، يقيم فيه المسيا الملك داود ،

وبهيكل مقدس يخدم فيه رئيس الكهنة الأعظم ربنا يسوع ،

هذا هو اشتياق الله من جهة شعبه الذى يقيم معه عهدا أبديا .

فى الجزء الثانى من هذا الإصحاح يعد الله أنه يقيم :

مملكة أبدية ،

عرشا أبديا ،

نسلا لداود أبديا ،

وأيضا كهنة ولاويين ومحرقات وتقدمات أبدية ...

هذه جميعها لا يمكن أن تتحقق بطريقة حرفية ، لكنها وعود تحققت بمجىء السيد المسيح الذى أقام مملكته السماوية فينا ، والتى تعلن بأكثر كمال فى لقائنا معه فى يوم الرب العظيم ، حيث نحسب كهنة لاويين ، مقدمين تسابيح الحمد كمحرقات وتقدمات لا تنقطع .

إن كان الله يرد لمدينته حريتها ، يردها من السبى البابلى ، فإنه يجعل من اسمها أنشودة فرح ، تحمل شهادة حية لعمل الله الخلاصى المفرح ، يرى فيها أمورا عجيبة وفائقة . لقد جاءت هذه الرسالة المفرحة فى وقت كانت الحالة تزداد سوءا .



( 1 ) السماء قابلة الصلوات

" ثم صارت كلمة الرب الى ارميا ثانية وهو محبوس بعد في دار السجن قائلة.

هكذا قال الرب صانعها الرب مصورها ليثبتها يهوه اسمه.

ادعني فاجيبك واخبرك بعظائم وعوائص لم تعرفها " ع 1 – 3 .

اعلن الله عن أهمية الصلاة لا لتحقيق إرادتنا البشرية بغباوة ، بل للتعرف على خطة الله وأسراره .

مع أن الله قادر أن يتحدث معهم عن أسراره من نحوهم ، لكنه يريدهم أن يتحدثوا معه ويحاوروه ، فيدركوا أنه أب سماوى يهب أسراره لأولاده الملتصقين به .

لعل أهم ما قدمته الكلمة الإلهية لإرميا السجين هو شعور إرميا أنه فى الحضرة الإلهية ، مما حول السجن إلى لحظات لقاء مع الله وتعرف على أسراره الإلهية المفرحة .

تطالبهم الكلمة بالصلاة حتى يتمتعوا بالعظائم والعوائص ؛ ( أى الأمور البعيدة المنال ) ، أى يدركوا أعمال الله العظيمة .



( 2 ) أورشليم الحصينة
" لانه هكذا قال الرب اله اسرائيل عن بيوت هذه المدينة وعن بيوت ملوك يهوذا التي هدمت للمتاريس والمجانيق ،

يأتون ليحاربوا الكلدانيين ويملأوها من جيف الناس الذين ضربتهم بغضبي وغيظي والذين سترت وجهي عن هذه المدينة لاجل كل شرهم " ع 4 – 5

يصعب تفسير هاتين الآيتين ، يرى البعض أنهما تشيران إلى خراب المنازل ودمار القصور فى أورشليم بواسطة الكلدانيين . لذا امتلأت المدينة بجثث القتلى . لقد أدار الله وجهه عنهم ، مما أربك الشعب وجعلهم فى حيرة .

الله الذى سمح بالدمار هو يسهر على حراستهم ويردهم من السبى .



( 3 ) اورشليم المتمتعة بالشفاء والسلام

" هانذا اضع عليها رفادة وعلاجا ،

واشفيهم واعلن لهم كثرة السلام والامانة.

وارد سبي يهوذا وسبي اسرائيل وابنيهم كالاول " ع 6 – 7 .

جاءت كلمة " رفادة " فى العبرية لتعنى الرباط الكتانى الذى يوضع حول الجرح حتى يتم شفاؤه .

السقوط فى الخطية يدخل بالشعب كما بالإنسان إلى حالة مرضية خطيرة ، وكما جاء فى إشعياء : " كل الرأس مريض ، وكل القلب سقيم ، ..... " إش 1 : 5 ، 6 . صارت الحاجة إلى طبيب سماوى قريد .

العلاج الذى يقدمه هو كثرة السلام والحق . يقدم نفسه لنا سر سلامنا مع الأب ، والحق الأبدى . فهو الطبيب وهو العلاج .



( 4 ) أورشليم وغفران الخطايا
" واطهرهم من كل اثمهم الذي اخطأوا به اليّ ،

واغفر كل ذنوبهم التي اخطأوا بها اليّ والتي عصوا بها عليّ " ع 8 .

يقوم العهد الجديد والتحرير على أساس غفران الخطايا ( خر 36 : 25 ) والتطهير والتقديس . هذا هو الوعد الإلهى المسيانى الذى تحقق فى العهد الجديد بمجىء السيد المسيح المخلص الموعود به . [ راجع : حز 36 : 25 ، 26 ، زك 13 : 1 ، 2 ] .



( 5 ) أورشليم ... أنشودة فرح !
أورشليم التى صارت عارا وخزيا تتحول إلى مصدر فرح وتسبيح لله أمام الأمم .

إن كان إرميا يدعى النبى الباكى ، إذ كانت أحشاؤه تئن على شعبه ، لكنه المبشر بالفرح الروحى الغير منقطع ( 7 : 34 ، 16 : 9 ، 25 : 10 ) .

" فتكون لي اسم فرح ،

شهادة مفرحة لعمل الله وسط الأمم للتسبيح وللزينة لدى كل امم الارض الذين يسمعون بكل الخير الذي اصنعه معهم .

فيخافون ويرتعدون من اجل كل الخير ومن اجل كل السلام الذي اصنعه لها.

هكذا قال الرب :

سيسمع بعد في هذا الموضع ،

الذي تقولون انه خرب بلا انسان وبلا حيوان ،

في مدن يهوذا وفي شوارع اورشليم الخربة ،

بلا انسان ولا ساكن ولا بهيمة .

صوت الطرب وصوت الفرح صوت العريس وصوت العروس صوت القائلين :

احمدوا رب الجنود لان الرب صالح لان الى الابد رحمته.

صوت الذين ياتون بذبيحة الشكر الى بيت الرب ،

لاني ارد سبي الارض كالاول يقول الرب " ع 9 – 11 .

حدث هذا عندما تحقق التحرر من السبى فى أيام زربابل حيث سبح الكهنة واللاويون الرب فى الهيكل : " وغنوا بالتسبيح والحمد للرب لأنه صالح لأن إلى الأبد رحمته على إسرائيل ؛ وكل الشعب هتفوا هتافا عظيما بالتسبيح للرب لأجل تأسيس بيت الرب " عز 3 : 11 .



( 6 ) أورشليم مرعى الراعى الصالح
إذ يتحدث عن أورشليم كأنشودة فرح ، فإنه لا يعزلها عن حقولها المحيطة بها ومراعى الغنم الخاصة بسكانها ، لذلك يصور الله كراع يهتم بقطيعه العاقل ، لا يفلت أحد قط من رعايته .

" هكذا قال رب الجنود :

سيكون بعد في هذا الموضع الخرب بلا انسان ولا بهيمة وفي كل مدنه مسكن الرعاة المربضين الغنم.

في مدن الجبل ومدن السهل ومدن الجنوب وفي ارض بنيامين وحوالي اورشليم وفي مدن يهوذا ،

تمر ايضا الغنم تحت يدي المحصي يقول الرب " ع 12 – 13 .

تلمس يد الله الراعى الأعظم الحانية الخراف وترعاها ، وتهتم بها وهى تدخل الحظيرة لكى لا تنسى واحدة منها . تمر الغنم تحت يدى المحصى فلا تضيع واحدة منهم .

يقدم السيد المسيح نفسه " الراعى الصالح " الذى يبذل نفسه عن الخراف ( يو 10 ) ، والذى يرعاها بتقديم نفسه غذاء لقطيعه العاقل ، يتمتع به الصغار لبنا روحيا ينعشهم ، وينعم به الكبار طعاما يقوتهم .



( 7 ) أورشليم وكرسى داود
" ها ايام تأتي يقول الرب ،

واقيم الكلمة الصالحة التي تكلمت بها الى بيت اسرائيل والى بيت يهوذا.

في تلك الايام وفي ذلك الزمان انبت لداود غصن البر ،

فيجري عدلا وبرا في الارض.

في تلك الايام يخلص يهوذا ،

وتسكن اورشليم آمنة ، وهذا ما تتسمى به الرب برنا.

لانه هكذا قال الرب :

لا ينقطع لداود انسان يجلس على كرسي بيت اسرائيل. " ع 14 – 17 .

فى السبى البابلى حرم الشعب من إقامة ملك لهم ، أو وجود كهنة يشفعون فيهم فى الهيكل ويقدمون ذبائح وتقدمات بإسمهم ، فجاءت الوعود المسيانية تؤكد تمتعهم بملك أبدى وكهنوت وتقدمات أبدية . تحقق الوعد بديمومة ( دوام ) ملك داود فى شخص ابن داود ( 2 صم 7 : 16 ؛ 1 مل 2 : 4 ؛ مز 89 : 4 ، 29 ، 36 ؛ لو 1 : 32 ، 33 ) .

يقدم لنا إرميا ومضات رائعة عن السيد المسيح الذى يحول قلوبنا إلى أورشليمه المتهللة ، فيقدمه بكونه ينبوع المياة الحية ( 2 : 13 ) ؛ والراعى الصالح ( 23 : 4 ؛ 31 : 10 ) ، والمخلص ( 50 : 34 ) ، وداود الملك ( 30 : 9 ) كما يقدمه " الرب برنا " ( 23 : 6 ) والغصن البار ( 23 : 5 ) .

يتحقق هذا كله بالسيد المسيح ملك الملوك ، إذ قيل : " ثم بوق الملاك السابع فحدثت أصوات عظيمة فى السماء قائلة : قد صارت ممالك العالم لربنا ولمسيحه ، فسيملك إلى أبد الآبدين " رؤ 11 : 15 ؛

ويقول السيد المسيح فى نهاية الرؤيا : " أنا أصل وذرية داود ، كوكب الصبح المنير " رؤ 22 : 16 .



( 8 ) أورشليم والعمل الكهنوتى
" ولا ينقطع للكهنة اللاويين انسان من امامي ،

يصعد محرقة ،

ويحرق تقدمة ،

ويهيئ ذبيحة كل الايام " ع 18 .

كان ينظر إلى أرميا الكاهن والنبى أنه نبى متحرر لا يبالى بالهيكل إذ يتنبأ عن خرابه ، ينتقد خدمة الكهنة واللاويين وتقديم الذبائح ، هنا يعلن النبى عن أعماقه ، إنه ليس ضد الهيكل ولا الخدمة الجماعية ولا الذبائح والتقدمات ، إنما ضد الفساد والأنحراف . يتنبأ عن هيكل أبدى ، وخدمة كهنوتية أبدية ، وذبائح ونقدمات لا تنقطع .

يؤكد هنا عودة العبادة فى الهيكل الذى خربه العدو . أما عن ديمومة الكهنوت فقد تحققت بمجىء السيد المسيح الكاهن الأعظم ، وواهبا لكل المؤمنين كهنوتا عاما خلال مياة المعمودية ليقدموا ذبائح الشكر ومحرقات الحب ( رو 12 : 1 ؛ 15 : 16 ؛ 1 بط 2 : 5 ، 9 ؛ رؤ 1 : 6 ) كهنوت لا ينتهى .



( 9 ) الأمانة فى العهد
فى عدم إيمان اتهموا الله بنقض عهده مع إسرائيل ويهوذا ، وذلك بسبب سقوطهم تحت السبى . ها هو يؤكد لهم خطأ تفكيرهم ، موضحا أنه لأمانته فى عهده معهم سلمهم للسبى المؤقت ، حتى يجتازون تحت عصا التأديب ويعبر بهم إليه . إنه لن يتخلى عنهم !

" ثم صارت كلمة الرب الى ارميا قائلة :

هكذا قال الرب.ان نقضتم عهدي مع النهار وعهدي مع الليل حتى لا يكون نهار ولا ليل في وقتهما ،

فان عهدي ايضا مع داود عبدي ينقض ،

فلا يكون له ابن مالكا على كرسيه ،

ومع اللاويين الكهنة خادمي.

كما ان جند السموات لا يعد ورمل البحر لا يحصى هكذا اكثر نسل داود عبدي واللاويين خادميّ .

ثم صارت كلمة الرب الى ارميا قائلة :

اما ترى ما تكلم به هذا الشعب قائلا ان العشيرتين اللتين اختارهما الرب قد رفضهما.

فقد احتقروا شعبي حتى لا يكونوا بعد امة امامهم.

هكذا قال الرب :

ان كنت لم اجعل عهدي مع النهار والليل فرائض السموات والارض،

فاني ايضا ارفض نسل يعقوب وداود عبدي فلا آخذ من نسله حكاما لنسل ابراهيم واسحق ويعقوب لاني ارد سبيهم وارحمهم " ع 19 – 26 .

إذ يسقط الإنسان تحت التأديب يظن أن الله قد نسيه أو قد نقض عهده معه . هذه هى إحساسات الشعب بعد السبى إذ اتهموا الله بنقض عهده معهم ورفضه لمن سبق أن اختارهم . لم يدركوا أنهم يجتازون تحت عصا التأديب ، وأن هذا يتحقق خلال حبه ورعايته وليس تخليه عنهم بالكلية .



فرح شامل

إذ يتحدث فى هذا الإصحاح عن أورشليم كأنشودة فرح يؤكد الإصلاح الشامل الذى يمس حياة المدينة فتصير حصينة بالرب .

وشعبها الذى يقدم الرب نفسه لها طبيبا ودواء وخلاصا من الخطية وعريسا دائما .

والحقول بمراعيها ،

فيتقدم إليها بكونه الراعى الصالح الذى لا يفلت حمل واحد من رعايته .

القصر الملكى حيث يجلس داود على العرش أبديا ويصبغ مملكته ببره الإلهى .

والهيكل والخدام حيث تقدم خدمة أبدية غير متقطعة ...

أخيرا يؤكد الله أمانته فى تحقيق مواعيده وعهده مع شعبه .

ما أعذب مواعيد الله الذى يتطلع إلى شعب مسبى مهمل بلا مدينة ، خارج أرض الموعد ، بلا راع أو ملك وبلا كهنوت ولا هيكل ولا ذبيحة ... فيعطيهم أكثر مما يسألون وفوق ما يطلبون . يعطيهم ليس حسب استحقاقهم ، إنما حسب غنى عظمته وفيض نعمته المجانية الفائقة .

إنها صورة مبهجة تتمتع بها النفس التى تتحد بالسيد المسيح مخلصها فتجد فيه كل كفايتها ، تتحول إلى مدينة حصينة ، وحقل مثمر ، ومرعى خصب ، وقصر ملوكى مجيد وعرش يحمل روح الغلبة ، ومملكة بر ، وهيكل إلهى مقدس ... تحمل سمات عريسها فيها ، فلا يقدر أحد أن ينزع فرحها منها .

+ + +

+
إرميا – الإصحاح الرابع والثلاثون

العبودية عوض الحرية

تمت أحداث هذا الإصحاح فى الأيام الأخيرة من مملكة يهوذا ، أثناء حصار الكلدانيين لأورشليم ، حيث كان إرميا النبى فى السجن ، أو ربما قبل دخوله السجن . تكشف أحداثه عن شخصية الملك صدقيا المترددة ، تارة يستيقظ ضميره فيسأل النبى ليتعرف على إرادة الله . وأخرى يترك الحبل على الغارب لرجاله يتممون مشورتهم المقاومة لإرادة الله . تارة يعمل كل جهده على حفظ شريعة العتق من العبودية أو حفظ السنة السبتية ، وأخرى يترك الكل يكسرونها بكل استهتار .



( 1 ) رسالة حول مصير صدقيا
" الكلمة التي صارت الى ارميا من قبل الرب حين كان نبوخذناصّر ملك بابل وكل جيشه وكل ممالك اراضي سلطان يده وكل الشعوب يحاربون اورشليم وكل مدنها قائلة :

هكذا قال الرب اله اسرائيل :

اذهب وكلم صدقيا ملك يهوذا وقل له

هكذا قال الرب :

هانذا ادفع هذه المدينة ليد ملك بابل فيحرقها بالنار.

وانت لا تفلت من يده بل تمسك امساكا وتدفع ليده وترى عيناك عيني ملك بابل وتكلمه فما لفم وتذهب الى بابل.

ولكن اسمع كلمة الرب يا صدقيا ملك يهوذا.

هكذا قال الرب من جهتك :

لا تموت بالسيف.

بسلام تموت وباحراق آبائك الملوك الاولين الذين كانوا قبلك هكذا يحرقون لك ويندبونك قائلين آه يا سيد.

لاني انا تكلمت بالكلمة يقول الرب.

فكلم ارميا النبي صدقيا ملك يهوذا بكل هذا الكلام في اورشليم .

اذ كان جيش ملك بابل يحارب اورشليم وكل مدن يهوذا الباقية لخيش وعزيقة.لان هاتين بقيتا في مدن يهوذا مدينتين حصينتين " ع 1 – 7 .

يصف هذا الإصحاح المراحل الأولى للهجوم النهائى على أورشليم ، حيث تبدأ نهاية يهوذا ، كما يظهر موقف صدقيا الميؤس منه .

يبدو أن صدقيا الملك كان فى صراع بين احترامه لإرميا بإخلاص ، إذ غالبا ما كان يطلب مشورته ، لكن فى غير استقامة أمام الرب ، إذ كان يعصى كلمة الرب التى كان إرميا يبلغه إياها .

كان جيش نبوخذناصر ، المكون من الكلدانيين والكتائب التابعة من كل " ممالك أراضى سلطان يده " محاصرا أورشليم ، حين صدر الأمر الإلهى إلى أرميا النبى أن يذهب إلى الملك يخبره بانهيار المدينة وحرقها ، وسقوط الملك أسيرا . لكن لما كان فى حياة صدقيا شيئا من الخير كتوقيره لإرميا فقد أعلن له الرب أنه لا يموت بالسيف بل موتا عاديا بسلام ، وعند موته تقام إجراءات التكريم العادية التى تقام لدى موت الملوك ، إذ يحتفى بموته بحرق البخور فى احتفال مهيب كما كان لأجداده فى الوطن .

كان نبوخذناصر قد فاز بالنصر فى كل موضع تقريبا فيما عدا أورشليم العاصمة ، ومدينتان من مدن يهوذا هما لخيش وعزيقة ، كانتا محاصرتين ، وقد انقطع كل أمل فى استمرارهما صامدتين .



( 2 ) قطع العهد والحنث به
" الكلمة التي صارت الى ارميا من قبل الرب بعد قطع الملك صدقيا عهدا مع كل الشعب الذي في اورشليم لينادوا بالعتق ،

ان يطلق كل واحد عبده وكل واحد امته العبراني والعبرانية حرّين حتى لا يستعبدهما اي اخويه اليهوديين احد.

فلما سمع كل الرؤساء وكل الشعب الذين دخلوا في العهد ان يطلقوا كل واحد عبده وكل واحد امته حرّين ولا يستعبدوهما بعد اطاعوا واطلقوا.

ولكنهم عادوا بعد ذلك فارجعوا العبيد والاماء الذين اطلقوهم احرارا واخضعوهم عبيدا واماء " ع 8 – 11 .

عندما اقترب حصار أورشليم قامت حركة لإتمام وصية قديمة فى الناموس أهملت لمدة طويلة أى عتق العبيد اليهود ، ولعل الحكومات أرجأت إشراك هؤلاء العبيد فى أعمال الدفاع ، فقامت بحركة العتق لإرضائهم .

طلب صدقيا الملك من السادة إطلاق العبيد فسمعوا له حين كانوا فى ضيقة ، وإذ رفعت الضيقة ضغط عليه السادة فانهار فى قراره وحنث بقسمه . لقد اهتم بما للناس لا بما لله .

تم ذلك بعد أن اقترب ملك مصر ( خفرع ) ليحارب بابل ، فانسحبت جيوش البابليون رغبة فى إعادة تنظيم أنفسهم ، ففرح الشعب وظنوا ذلك دليل رضا الله ، ولكنهم رجعوا حالا إلى ما كانوا عليه ، إذ ألزموا العبيد المتحررين بالعودة بالقوة وأساءوا معاملتهم .

يحذر إرميا النبى شعبه من كسر العهد الذى تعهدوا به أمام الرب وفى بيته لعتق العبودية ، حاسبا هذا نقضا للعهد مع الله نفسه وليس مع العبيد ، وإهانة لأسم الرب الذى حلفوا به ، ونقضوا شريعته المملوءة حبا نحو الضعفاء .



( 3 ) عهد الله معنا وعهودنا مع الناس
" فصارت كلمة الرب الى ارميا من قبل الرب قائلة :

هكذا قال الرب اله اسرائيل :

انا قطعت عهدا مع آبائكم يوم اخرجتهم من ارض مصر من بيت العبيد قائلا :

في نهاية سبع سنين تطلقون كل واحد اخاه العبراني الذي بيع لك وخدمك ست سنين فتطلقه حرا من عندك.

ولكن لم يسمع آباؤكم لي ولا امالوا اذنهم.

وقد رجعتم انتم اليوم وفعلتم ما هو مستقيم في عينيّ منادين بالعتق كل واحد الى صاحبه وقطعتم عهدا امامي في البيت الذي دعي باسمي.

ثم عدتم ودنستم اسمي وارجعتم كل واحد عبده وكل واحد امته الذين اطلقتموهم احرارا لانفسهم واخضعتموهم ليكونوا لكم عبيدا واماء.

لذلك هكذا قال الرب :

انتم لم تسمعوا لي لتنادوا بالعتق كل واحد الى اخيه وكل واحد الى صاحبه.

هانذا انادي لكم بالعتق يقول الرب للسيف والوبإ والجوع ،

واجعلكم قلقا لكل ممالك الارض.

وادفع الناس الذين تعدوا عهدي الذين لم يقيموا كلام العهد الذي قطعوه امامي.

العجل الذي قطعوه الى اثنين وجازوا بين قطعتيه.

رؤساء يهوذا ورؤساء اورشليم الخصيان والكهنة وكل شعب الارض الذين جازوا بين قطعتي العجل ،

ادفعهم ليد اعدائهم وليد طالبي نفوسهم فتكون جثثهم أكلا لطيور السماء ووحوش الارض.

وادفع صدقيا ملك يهوذا ورؤساءه ليد اعدائهم وليد طالبي نفوسهم وليد جيش ملك بابل الذين صعدوا عنكم.

هانذا آمر يقول الرب واردهم الى هذه المدينة ،

فيحاربونها وياخذونها ويحرقونها بالنار ،

واجعل مدن يهوذا خربة بلا ساكن " ع 12 – 22

فى عدد 15 يوضح أن التعهد بالأطلاق تم فى بيت الرب تحت إشراف السلطات الدينية المختصة ، لذلك فالحنث به تحدى للناموس السماوى ( خر 20 : 7 ) .

العجل الذى قطعوه إلى اثنين هنا ع 18 يشير إلى الطرق البابلية القديمة فى المصادقة على العهد ( تك 15 : 9 ، 17 ) بما يوحى بأن أولئك الذين نكثوا الأتفاق عليهم أن يتوقعوا نفس مصير الحيوان المذبوح .

بينما يقدس الله الحرية الإنسانية ينكر الإنسان حرية أخيه الشخصية .

لقد حدد الله فترة العبودية بست سنوات خدمة فى ناموس موسى ( خر 21 : 2 ) ؛ تث 15 : 1 ، 2 ) ويتم العتق فى السنة السابعة ، سنة الحرية أو العتق .

لقد تحقق هذا التهديد : " واجعل مدن يهوذا خربة بلا ساكن " ع 22

خربت مدن كثيرة فى بدء القرن السادس ق . م . ولم تعد فيها حياة .

ومدن أخرى دمرت لكن عاد إليها العمران نسبيا فى تاريخ لاحق متأخر إلى حد ما .

+ + +
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://eng.roniajesus@yahoo.com
بحبك يا مارمينا
خادم المنتدى
avatar

انثى عدد الرسائل : 785
العمر : 29
المزاج : نشكرربناعلي كل حال
اعلام الدول :
المهنة :
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: *** موضوع متكامل لتفسير سفر ارميا كتابيا ***   الجمعة فبراير 12, 2010 11:39 pm

إرميا – الإصحاح الخامس والثلاثون

موقف الركابيين الأمناء

يظهر هذا الإصحاح معنى الأمانة والألتزام الروحى خلال أمانة الركابيين عبر قرنين ونصف لوصية أبيهم بالرغم من صعوبتها ، كما يظهر خيانة الشعب لله نفسه وكسر ناموسه .

مقدمة عن الركابيين
لم يكن الركابيون أصلا من جماعة إسرائيل بل كانوا من قبيلة القينيين .

انضم القينيون إلى الأسرائيليين وهم صاعدون من مصر إلى أرض كنعان ( قض 4 : 11 ) ، وأظهروا لهم عطفا جزيلا ، وهذا أسس علاقات ودية بين الشعبين ، ويبدو أنهم اعتنقوا معتقدات إسرائيل الدينية ، ورافقوهم إلى أرض الموعد . صاروا من أحلاف إسرائيل ولا سيما يهوذا . أحصوا مع سبط يهوذا فى 1 أى 2 : 55 .

يذكر أن الركابيين ينتسبون إلى يثرون حمى موسى .

بيت الركابيين مجتمع دينى ، عبارة عن عشيرة أو جماعة تنسب إلى يوناداب بن ركاب الذى ظهر فى أيام إيليا وكان رئيس أحد فروع قبيلة القينيين ، ولعله تأثر إلى حد كبير بتعاليم إيليا .

فى عصر إرميا يبدو أنهم استقروا فى مرتفعات يهوذا ، وكان نظامهم فى الحياة كما فرضه يهوناداب : تقديس النظام البدوى ، وعدم الزراعة ، مع الأمتناع التام عن شرب الخمر .

وعلى هذا يجىء الأصحاح 35 والمتضمن لحادثة بيت الركابيين فى ترتيب أدبى جميل لعمل مباينة بين الشعب المتمرد الذى لم يسمع لوصايا الرب إلهه خاصة بعتق العبيد رفقائهم ( إر 34 ) وبين بيت الركابيين الذين أطاعوا وصية أبيهم .

إذ كان بنو ركاب أناس إيمان ، مخلصين وأمناء ، أستخدمهم الله مثلا ... كانت الفرصة سانحة لهم أن يشربوا خمرا فى أحد المخادع فى الخفاء ، لكن الوصية بالنسبة لهم لها قوتها فى حياتهم الخفية .



( 1 ) إرميا يختبر أمانة الركابيين
" الكلمة التي صارت الى ارميا من قبل الرب ،

في ايام يهوياقيم بن يوشيا ملك يهوذا قائلة :

اذهب الى بيت الركابيين وكلمهم :

وادخل بهم الى بيت الرب الى احد المخادع واسقهم خمرا.

فأخذت يازنيا بن ارميا بن حبصينيا واخوته وكل بنيه وكل بيت الركابيين .

ودخلت بهم الى بيت الرب الى مخدع بني حانان بن يجدليا رجل الله الذي بجانب مخدع الرؤساء الذي فوق مخدع معسيا بن شلوم حارس الباب.

وجعلت امام بني الركابيين طاسات ملآنة خمرا واقداحا،

وقلت لهم اشربوا خمرا.

فقالوا لا نشرب خمرا لان يوناداب بن ركاب ابانا اوصانا قائلا :

لا تشربوا خمرا انتم ولا بنوكم الى الابد ،

ولا تبنوا بيتا ولا تزرعوا زرعا ولا تغرسوا كرما ،

ولا تكن لكم بل اسكنوا في الخيام كل ايامكم لكي تحيوا اياما كثيرة على وجه الارض التي انتم متغربون فيها.

فسمعنا لصوت يوناداب بن ركاب ابينا في كل ما اوصانا به ان لا نشرب خمرا كل ايامنا نحن ونساؤنا وبنونا وبناتنا ،

وان لا نبني بيوتا لسكنانا ،

وان لا يكون لنا كرم ولا حقل ولا زرع ،

فسكنا في الخيام وسمعنا وعملنا حسب كل ما اوصانا به يوناداب ابونا.

ولكن كان لما صعد نبوخذراصر ملك بابل الى الارض اننا قلنا هلم فندخل الى اورشليم من وجه جيش الكلدانيين ومن وجه جيش الاراميين.

فسكنا في اورشليم " ع 1 – 11

طلب الله من إرميا أن يذهب إلى بيت الركابيين ويكلمهم ويدخل بهم إلى بيت الرب إلى أحد المخادع ويسقيهم خمرا ( ع 2 ) .

لعل جماعة من اليهود استرعى انتباههم اجتماع النبى بهؤلاء الرجال الغربيين فى منظرهم . فاقتفوا أثرهم ودخلوا معهم ليرقبوا النتيجة ، تأملوا بدقة فى تصرفات إرميا حين جعل أمام بنى بيت الركابيين طاسات ملآنة خمرا وأقداحا ليملأوها من الطاسات ويشربوا ، ثم سمعوا أيضا هذه الجماعة المحافظة وهم يقولون لا نشرب الخمر .

كانت الخمر مقترنة بالترف والفساد ( إش 28 : 1 – 8 ) ، فامتناعهم عن شرب الخمر لم يكن فقط احتجاجا ضد الشرور التى كانت منتشرة بين الشعب فى عصرهم ، بل كان أيضا ضمانا أكيدا لعدم اشتراكهم فيها .

كان صوت يوناداب خافتا وآتيا إليهم من قرنين ونصف ، أما صوت الرب فكان دائم التحدث إليهم فى كل عصر جديد ، وعلى لسان كل رسول أرسله إليهم مبكرا .



( 2 ) عدم أمانة الشعب
بينما كانت تعليمات يهوناداب تطيعها الأجيال المتعاقبة ، كانت أوامر الله [ التى اعطيت فى سيناء ] تهمل بل وترفض ، وصار هذا هو السلوك المألوف فى الحياة .

" ثم صارت كلمة الرب الى ارميا قائلة :

هكذا قال رب الجنود اله اسرائيل.

اذهب وقل لرجال يهوذا وسكان اورشليم :

أما تقبلون تأديبا لتسمعوا كلامي يقول الرب ؟!

قد اقيم كلام يوناداب بن ركاب الذي اوصى بنيه ان لا يشربوا خمرا فلم يشربوا الى هذا اليوم لانهم سمعوا وصية ابيهم.

وانا قد كلمتكم مبكرا ومكلما ولم تسمعوا لي.

وقد ارسلت اليكم كل عبيدي الانبياء مبكرا ومرسلا قائلا ارجعوا كل واحد عن طريقه الرديئة واصلحوا اعمالكم ولا تذهبوا وراء آلهة اخرى لتعبدوها فتسكنوا في الأرض التى أعطيتكم وآباءكم .

فلم تميلوا أذنكم ولا سمعتم لى .

لأن بنى يوناداب بن ركاب قد أقاموا وصية أبيهم التى أوصاهم بها ، أما هذا الشعب فلم يسمع لى " ع 12 – 16 .

بينما كان البابليون يعيدون تنظيم صفوفهم بعد المعركة مع مصر عام 601 ق . م . ، قامت قوات الغزو الآرامية والكلدانية بغارات متفرقة على أهداف مختارة فى يهوذا فيما بين 599 ، 597 لنهب يهوذا ( 2 مل 24 : 2 ) .



( 3 ) البقية المقدسة
" لذلك هكذا قال الرب اله الجنود اله اسرائيل :

هانذا اجلب على يهوذا وعلى كل سكان اورشليم كل الشر الذي تكلمت به عليهم لاني كلمتهم فلم يسمعوا ودعوتهم فلم يجيبوا .

وقال ارميا لبيت الركابيين هكذا قال رب الجنود اله اسرائيل.من اجل انكم سمعتم لوصية يوناداب ابيكم وحفظتم كل وصاياه وعملتم حسب كل ما اوصاكم به لذلك هكذا قال رب الجنود اله اسرائيل :

لا ينقطع ليوناداب بن ركاب انسان يقف امامي كل الايام " ع 17 – 19 .

كانوا أمناء فى الخفاء فتمتعوا بوعد إلهى : " لا ينقطع ليوناداب بن ركاب انسان يقف امامي كل الايام " ع 19

إن العبارة " يقف أمامى " ع 19 ( أمام الله ) تشير إلى حياة روحية سامية ، وتتضمن معرفة الله ، والقدرة على إتمام وصاياه ، وموهبة الشفاعة من أجل الآخرين .

فى وسط الضيقة لا ينسى الله البقية الباقية القليلة الأمينة ، فإنه يرد لهم أمانتهم بوعود إلهية أمينة وسخية .

ليتنا ندرك دائما أن لله بقية أمينة فى كل جيل . ففى وسط أحداث السبى المرة كان الله مشغولا بمكافأة بنى ركاب الأمناء ، وحينما رفضته كل أورشليم وجد له موضع راحة فى بيت لعازر ومريم ومرثا فى قرية عنيا ( العناء ) الصغيرة والمجهولة .

لم ينشغل الله بكل قيادات المدينة العظمى أورشليم المقاومة له ، إنما انشغل بحب أسرة مجهولة فى قرية صغيرة صغيرة !

فى الوقت الذى كان فيه العالم كله شريرا يستحق الإبادة ، لم ينس الله نوحا وبنيه ونساء بنيه . لم ينس ثمانية أشخاص وسط جمهور البشرية فى ذلك الحين .

وعندما استحقت سدوم وعمورة نارا وكبريتا للحرق أرسل الله ملاكين لإنقاذ لوط وبنتيه .

الله له شهود أمناء فى كل عصر

+ + +
إرميا – الإصحاح السادس والثلاثون

كلمة الرب لا تفنى

غالبا ما تحوى الإصحاحات 36 – 44 أحداثا تاريخية مع نبوات قليلة لإرميا النبى .

فى أواخر ربيع 605 ق . م . هزم نبوخذنصر القوات المصرية فى موقعة كركميش على نهر الفرات ، وبدأ يتحرك جنوبا فى سوريا إلى فلسطين .

يبدو أن هذا الجو كان مناسبا لإرميا لقراءة درج يحمل نبواته ، التى أملاها بروح الرب على كاتبه باروخ .

لهذا الإصحاح أيضا أهمية خاصة ، فمن ناحية أوضح كيف بدأ جمع نبوات إرميا ، ومن ناحية أخرى ألقى ضوءا على بعض رؤساء يهوذا الذين كانوا فى أعماقهم يطلبون سلام إرميا وباروخ ... ربما كان هؤلاء الرؤساء مساعدين فى إصلاحات الملك يوشيا لذلك تعاطفوا مع النبى وكاتبه .

لم يستطع إرميا أن يتحدث مع الشعب ، فأرسل إليهم صديقه باروخ يقرأ للقادمين إلى أورشليم الصائمين النبوات التى سبق أن أعلنها بغرض توبتهم .

لم يحتمل الملك كلمة الرب ، وعوض التوبة أحرق الدرج ، وطلب قتل النبى وكاتبه ! إنه لم يطق كلمة الرب ولا الناطق بها .

عاد فكتب إرميا ما كان بالدرج الأول وزاد عليه ما لم يكن مكتوبا . ولا تزال كلمة الله حية إلى يومنا هذا ، لم تقدر النيران أن تبيدها !



( 1 ) كتابة درج السفر
" وكان في السنة الرابعة ليهوياقيم بن يوشيا ملك يهوذا ان هذه الكلمة صارت الى ارميا من قبل الرب قائلة :

خذ لنفسك درج سفر ،

واكتب فيه كل الكلام الذي كلمتك به على اسرائيل وعلى يهوذا وعلى كل الشعوب ،

من اليوم الذي كلمتك فيه من ايام يوشيا الى هذا اليوم.

لعل بيت يهوذا يسمعون كل الشر الذي انا مفكر ان اصنعه بهم ،

فيرجعوا كل واحد عن طريقه الرديء ،

فاغفر ذنبهم وخطيتهم.

فدعا ارميا باروخ بن نيريا ،

فكتب باروخ عن فم ارميا كل كلام الرب الذي كلمه به في درج السفر.

واوصى ارميا باروخ قائلا :

انا محبوس لا اقدر ان ادخل بيت الرب .

فادخل انت واقرأ في الدرج الذي كتبت عن فمي كل كلام الرب في آذان الشعب في بيت الرب في يوم الصوم ،

واقرأه ايضا في آذان كل يهوذا القادمين من مدنهم.

لعل تضرعهم يقع امام الرب ،

فيرجعوا كل واحد عن طريقه الرديء ،

لانه عظيم الغضب والغيظ اللذان تكلم بهما الرب على هذا الشعب " ع 1 – 7 .

كان إرميا محبوسا لا يقدر أن يدخل بيت الرب ( ع 5 ) . هنا كلمة " محبوس " لا تعنى أنه كان مسجونا ، لكنه كان ممنوعا من الدخول إلى بيت الرب ، فحسب نفسه محبوسا . [ بعد الأحداث الواردة فى 19 : 1 – 20 ) .

أمر الله إرميا أن يجمع كل ما تنبأ به فى تلك المدة الطويلة ، فيعلنه للشعب بقراءته أمامهم فى يوم احتفال عام .

أملى الدج الأول بعد هزيمة مصر فى موقعة كركميش مباشرة ، ربما كانت بداية الكارثة باعثا على جمع النبوات على أمل أن يتوب يهوذا .

واضح من ع 3 ، 7 أن الله يترجى توبة شعبه ولو فى اللحظات الأخيرة حتى ليغير الحكم الإلهى من نحوهم ، فتغيراتجاه بيت يهوذا يتبعه تغيير فى حكم الله ( 26 : 3 ) .

كان رجلا الله إرميا النبى وباروخ الكاتب تحت قيادة الروح القدس ، يعطى الأول كلمة ينطق بها والثانى يكتب .

كان الرب هو المشدد والمعضد لإرميا ، لذلك على الرغم مما أصابه من أتعاب وسخرية وعار واستهزاء لم يستطع السكوت .

لا ننسى أن نبوة إرميا كانت موضوع اهتمام ودراسة الأمناء المعاصرين له مثل دانيال الذى قال : " أنا دانيال فهمت من الكتب عدد السنين التى كانت عنها كلمة الرب لإرميا لكماله سبعين سنة على خراب أورشليم " ( دا 9 : 2 ) .



( 2 ) اعلان عن الصوم
انتهز إرميا فرصة الصوم الذى فرضه الملك على الشعب بسبب الخطر المرتقب من جراء تقدم جيوش الكلدانيين ، والظاهر أنها كانت الفرصة الأخيرة التى أراد الله أن يعطيها للشعب لأجل التوبة والرجوع إليه .

" ففعل باروخ بن نيريا حسب كل ما اوصاه به ارميا النبي بقراءته في السفر كلام الرب في بيت الرب .

وكان في السنة الخامسة ليهوياقيم بن يوشيا ملك يهوذا في الشهر التاسع انهم نادوا لصوم امام الرب كل الشعب في اورشليم وكل الشعب القادمين من مدن يهوذا الى اورشليم.

فقرأ باروخ في السفر كلام ارميا في بيت الرب في مخدع جمريا بن شافان الكاتب في الدار العليا في مدخل باب بيت الرب الجديد في آذان كل الشعب " ع 8 – 10 .

قرىء كلام السفر فى آذان الشعب فى يوم صوم فى الشهر التاسع فى السنة الخامسة لحكم الملك يهوياقيم . كان الصوم من أجل الأزمة القومية التى حلت بهم ، ولكنهم لم يلتزموا بالتوبة ! لذا قيل :

" حين يصومون لا أسمع صراخهم ، وحين يصعدون محرقة وتقدمة لا أقبلهم " إر 14 : 12 .



( 3 ) قراءة للرؤساء
" فلما سمع ميخايا بن جمريا بن شافان كل كلام الرب من السفر ،

نزل الى بيت الملك الى مخدع الكاتب واذا كل الرؤساء جلوس هناك.

اليشاماع الكاتب ودلايا بن شمعيا والناثان بن عكبور وجمريا بن شافان وصدقيا بن حننيا وكل الرؤساء.

واخبرهم ميخايا بكل الكلام الذي سمعه عندما قرأ باروخ السفر في آذان الشعب.

فارسل كل الرؤساء الى باروخ يهودي بن نثنيا بن شلميا بن كوشي قائلين :

الدرج الذي قرأت فيه في آذان الشعب خذه بيدك وتعال.

فاخذ باروخ بن نيريا الدرج بيده واتى اليهم.

فقالوا له اجلس واقرأه في آذاننا.

فقرأ باروخ في آذانهم.

فكان لما سمعوا كل الكلام انهم خافوا ناظرين بعضهم الى بعض وقالوا لباروخ :

إخبارا نخبر الملك بكل هذا الكلام.

ثم سألوا باروخ قائلين اخبرنا كيف كتبت كل هذا الكلام عن فمه.

فقال لهم باروخ بفمه كان يقرأ لي كل هذا الكلام وانا كنت اكتب في السفر بالحبر.

فقال الرؤساء لباروخ :

اذهب واختبئ انت وارميا ولا يعلم انسان اين انتما " ع 11 – 19 .

وقف باروخ فى الدار العليا ، وبدأ يقرأ ، سمعه شاب يدعى ميخايا حفيد شافان ، فتأثر جدا وأسرع إلى القصر وأخبر الرؤساء الذين استدعوا باروخ ليقرأ لهم ما بالدرج . خافوا جدا إذ سمعوا عن الخراب الذى سيحل بالبلاد ، وشعروا بالمسئولية أن يخطروا الملك بمحتويات الدرج .

استقبالهم المشوب بالخوف لهذا الدرج ألزمهم أن يخبروا الملك فورا بما فيه . وقد اهتم الرؤساء أيضا بسلامة إرميا وباروخ إذ كانوا يعرفون ما اتصف به يهوياقيم من ظلم وعدوان . ومن الواضح أنهم استفادوا من النهاية المأساوية التى لقيها " يوريا " نتيجة لأقواله ( 26 : 23 ) .

يذكر التقليد اليهودى أن مكان الأختباء عرف باسم " كهف إرميا " ، وكان يقع خارج باب دمشق وإن كان ذلك ليس يقينا .



( 4 ) حرق الدرج
" ثم دخلوا الى الملك الى الدار واودعوا الدرج في مخدع اليشاماع الكاتب ،

واخبروا في اذني الملك بكل الكلام.

فارسل الملك يهودي لياخذ الدرج ،

فاخذه من مخدع اليشاماع الكاتب ، وقرأه يهودي في اذني الملك وفي آذان كل الرؤساء الواقفين لدى الملك.

وكان الملك جالسا في بيت الشتاء في الشهر التاسع.والكانون قدامه متقد.

وكان لما قرأ يهودي ثلاثة شطور او اربعة انه شقه بمبراة الكاتب والقاه الى النار التي في الكانون حتى فني كل الدرج في النار التي في الكانون.

ولم يخف الملك ولا كل عبيده السامعين كل هذا الكلام ولا شققوا ثيابهم.

ولكن الناثان ودلايا وجمريا ترجوا الملك ان لا يحرق الدرج فلم يسمع لهم.

بل أمر الملك يرحمئيل ابن الملك وسرايا بن عزرئيل وشلميا بن عبدئيل ان يقبضوا على باروخ الكاتب وارميا النبي ولكن الرب خبأهما " ع 20 – 26 .

قبل تقديم السفر للملك طلب الأشراف من باروخ وإرميا أن يختبئا ، لأنهم يعرفون طبيعة يهوياقيم العنيفة الظالمة . لقد ظنوا أن الملك يكتفى بسماع ملخص لما ورد فى الدرج ، لكن هذا لم يرضه بل طلب من " يهودى " أن يحضر الدرج بينما جلس الملك بجوار كانون النار يستدفىء ، والرؤساء واقفون حوله ، بينما كان الشعب فى أرجاء المدينة فى حالة خوف وفزع ، خاصة الذين فى الهيكل .

كانت أمام الملك فرصة للتوبة ، خاصة بعد أن حثه بعض رجاله أن ينصت إلى كلمة الرب ، لكنه طرح السفر فى النار ، فإذ به يطرح نفسه وبيته ومدينته فى نيران قاسية ! ثم طلب القبض على إرميا النبى وباروخ فلم يجدهما رسله .

التحدى السافر الذى أظهره الملك وحاشيته فيه تناقض صارخ مع رد فعل يوشيا عندما سمع سفر الشريعة المكتشف حديثا ( 2 مل 22 : 11 ) . إذ لما سمع يوشيا والد يهوياقيم سفر الشريعة مزق ثيابه .

الدرج احترق ، ولكن ما ورد بالدرج تحقق !

الذين يرفضون طريق الصليب الضيق من أجل الراحة الزمنية يمسكون بمبراة يهودى ليمزقوا الكلمة الإنجيلية فى حياتهم .

ما أتعس الإنسان الذى يمزق كلمة الله بمبراة ذهنه ويزيفها بعقله ، يطرح رجاءه لا الدرج فى النار ، أما كلمة الرب فباقية إلى الأبد . " السموات والأرض تزولان لكن كلامى لا يزول " مر 13 : 31

من يرتبط بكلمة الحياة الباقية إلى الأبد يحطم الفناء ويغلب الموت ويدخل إلى عدم الفساد الأبدى .



( 5 ) النسخة الثانية من الدرج

" ثم صارت كلمة الرب الى ارميا بعد احراق الملك الدرج والكلام الذي كتبه باروخ عن فم ارميا قائلة :

عد فخذ لنفسك درجا آخر واكتب فيه كل الكلام الاول الذي كان في الدرج الاول الذي احرقه يهوياقيم ملك يهوذا.

وقل ليهوياقيم ملك يهوذا :

هكذا قال الرب.

انت قد احرقت ذلك الدرج قائلا لماذا كتبت فيه قائلا مجيئا يجيء ملك بابل ويهلك هذه الارض ويلاشي منها الانسان والحيوان.

لذلك هكذا قال الرب عن يهوياقيم ملك يهوذا :

لا يكون له جالس على كرسي داود وتكون جثته مطروحة للحر نهارا وللبرد ليلا.

واعاقبه ونسله وعبيده على اثمهم واجلب عليهم وعلى سكان اورشليم وعلى رجال يهوذا كل الشر الذي كلمتهم عنه ولم يسمعوا .

فاخذ ارميا درجا آخر ودفعه لباروخ بن نيريا الكاتب فكتب فيه عن فم ارميا كل كلام السفر الذي احرقه يهوياقيم ملك يهوذا بالنار ،

وزيد عليه ايضا كلام كثير مثله " ع 27 – 32

كم مضى من الوقت بعد تدمير الدرج الأصلى وبين عمل النسخة الثانية ؟ لا يعرف أحد بالضبط . لكن ربما لا تزيد عن عدة شهور . وشملت النسخة الثانية على مادة إضافية تركز على المصير الذى ينتظر حاكم غير تقى .

لم ينشغل إرميا النبى وكاتبه بمقومة الأشرار لهما بل بحفظ الكلمة الإلهية وتسجيلها ، ليس فقط فى سفر عبر الدهور بل وفى حياتهما .

+ + +
إرميا – الإصحاح السابع والثلاثون

صدقيا يستشير إرميا

تعتبر الإصحاحات 37 إلى 44 قسما تاريخيا ، يبدأ بالحديث عن رفع الكلدانيين الحصار عن أورشليم مؤقتا لملاقاة فرعون خفرع ، وقد طلب صدقيا الملك من إرميا الصلاة من أجله .

ذكرت هنا حادثتان فى الفترة 589 – 588 ق . م ، ربما فى ربيع 588 جاءت الأخبار بوصول قوة إنقاذ مصرية ، فرفع البابليون الحصار عن أورشليم مؤقتا لمواجهة التهديد الحربى الجديد ، فشهد السكان المحاصرون هدنة لألتقاط الأنفاس .

ارسل صدقيا الذى ملكه نبوخذنصر ملك بابل على يهوذا إلى أرميا يستشيره إن كان يتحالف مع فرعون مصر لحمايته من الكلدانيين ، ظانا أن الله يجعل من هذه الهدنة المؤقتة هدنة دائمة . وكانت الإجابة صريحة وهى عدم الأتكال على ذراع بشر ، مؤكدا أن جيش الكلدانيين الذى حاصر أورشليم وتركها سيعود مرة أخرى ويحاصرها ، ولن يستطع فرعون أن يخلصهم .

" لانكم وان ضربتم كل جيش الكلدانيين الذين يحاربونكم وبقي منهم رجال قد طعنوا فانهم يقومون كل واحد في خيمته ويحرقون هذه المدينة بالنار " ع 10 .

اعتبره الملك ورجاله خائنا ، لذلك ضربوه وجعلوه فى بيت السجن فى بيت يوناثان الكاتب ( ع 15 ) .

كانوا يستخدمون الجب لحبس الأشخاص المقبوض عليهم وكان ذلك مؤلما جدا ، خاصة وأنه غالبا ما وضع فى حبس منفرد .

لم يسترح ضمير الملك إذ بدأ يكتشف أن ما قاله الأنبياء الكذبة خلال الثلاثين عاما لم يكن إلا خداعا ، فأرسل إلى أرميا سرا يسأله مرة أخرى ، فأكد له أنه سينهزم أمام بابل .

لم يخف إرميا من السجن ، ولا انهار أمام الملك ، بل بكل جرأة قال للملك : " ما هى خطيتى إليك وإلى عبيدك وإلى هذا الشعب حتى جعلتمونى فى بيت السجن ؟! " ع 18 .

نقل إرميا من سجن بيت يوناثان الذى هو تحت الأرض وغير صحى إلى سجن بيت الملك ، حيث أصبح لإرميا شىء من الحرية ، وأعطى قسطا من الطعام يوميا .



( 1 ) ملك صدقيا
" وملك الملك صدقيا بن يوشيا مكان كنياهو بن يهوياقيم ،

الذي ملكه نبوخذراصر ملك بابل في ارض يهوذا.

ولم يسمع هو ولا عبيده ولا شعب الارض لكلام الرب ،

الذي تكلم به عن يد ارميا النبي " ع 1 – 2 .

جاء صدقيا خلفا للملك يكنيا أو كنياهو ( 2 مل 24 ) ، وقد رأى فى سلفه ثمار رفض الكلمة الإلهية ، لكنه لم يتعظ هو ورجاله وشعبه . أستخدم اسم كنياهو اختصارا لكلمة " يكنيا " ، وفيه نوع من التوبيخ .

رفض الملك وعبيده وشعبه أن يسمعوا لكلام الله ( ع 2 ) ، ففقدوا سلامهم الداخلى . ظنوا أن فى حبس إرميا إراحة لضمائرهم ونصرة لأفكارهم ، لكن بقى النبى المفترى عليه يحمل قوة وحرية داخلية داخل السجن لأنه ملتصق بالكلمة الإلهية ، بينما شعر الملك بالضعف ... يطلب كلمة من شفتى إرميا لعله يستريح .



( 2 ) صدقيا يلجأ إلى أرميا
" وارسل الملك صدقيا يهوخل بن شلميا ، وصفنيا بن معسيا الكاهن الى ارميا النبي قائلا :

صلّ لاجلنا الى الرب الهنا.

وكان ارميا يدخل ويخرج في وسط الشعب ،

اذ لم يكونوا قد جعلوه في بيت السجن " ع 3 – 4 .

بعث صدقيا برسولين إلى النبى ، ربما لأنه كانت تنقصه الجرأة للحديث معه وجها لوجه . على أى الأحوال لقد دان صدقيا نفسه بفمه ، فإن كان قد أرسل إلى أرميا يطلب صلواته ومشورته إيمانا بأنه نبى ، فلماذا لم يسمع للصوت الإلهى ؟!

كان يليق بالملك لا أن يطلب من النبى من أجله فحسب ، بل وأن يصلى معه فيمارس حياة الصلاة القادرة على تغيير الأمور . فإننا حتى فى الشفاعة نطلب صلوات القديسين معنا فلا تقبل الصلوات بدون التجائنا نحن إلى الصلاة مع التوبة .



( 3 ) رفع الحصار
" وخرج جيش فرعون من مصر.

فلما سمع الكلدانيون المحاصرون اورشليم بخبرهم صعدوا عن اورشليم " ع 5 .

فى صيف 588 ق . م . تحرك المصريون إلى منطقة فلسطين ، ربما استجابة لطلب من صدقيا ( حز 17 : 11 – 21 ) ، وربما تحرك جيش مصر ليكون خط دفاع عن مصر من أى هجوم بابلى محتمل .

فرعون هذا هو خفرع ( 44 : 30 ) الذى خلف والده نخو والذى حكم من سنة 589 ق . م . – 570 ق . م . ، تراجع قبل الدخول فى معركة حقيقية ، تاركا أورشليم تسقط فى يد البابليين سنة 587 ق . م .



( 4 ) نبوته عن استئناف الحصار
" فصارت كلمة الرب الى ارميا النبي قائلة :

هكذا قال الرب اله اسرائيل ،

هكذا تقولون لملك يهوذا الذي ارسلكم اليّ لتستشيروني.

ها ان جيش فرعون الخارج اليكم لمساعدتكم يرجع الى ارضه الى مصر.

ويرجع الكلدانيون ويحاربون هذه المدينة وياخذونها ويحرقونها بالنار.

هكذا قال الرب.

لا تخدعوا انفسكم قائلين ان الكلدانيين سيذهبون عنا لانهم لا يذهبون.

لانكم وان ضربتم كل جيش الكلدانيين الذين يحاربونكم وبقي منهم رجال قد طعنوا فانهم يقومون كل واحد في خيمته ويحرقون هذه المدينة بالنار " ع 6 – 10 .

كانت الإجابة صريحة ، ليس فيها خداع ، ولكن هم أرادوا أن يخدعوا أنفسهم بأنفسهم ، يريدون إجابة لا تمثل الواقع ، بل حسب هواهم وإرادتهم . حقا إن لم يخدع الإنسان نفسه لا يقدر حتى إبليس المخادع أن يخدعه ! لهذا يقول إرميا النبى :

" لا تخدعوا أنفسكم " ع 9 .



( 5 ) القبض على إرميا

" وكان لما أصعد جيش الكلدانيين عن اورشليم من وجه جيش فرعون ،

ان ارميا خرج من اورشليم لينطلق الى ارض بنيامين لينساب من هناك في وسط الشعب.

وفيما هو في باب بنيامين اذا هناك ناظر الحراس اسمه يرئيا بن شلميا بن حننيا فقبض على ارميا النبي قائلا انك تقع للكلدانيين.

فقال ارميا كذب.لا اقع للكلدانيين.ولم يسمع له فقبض يرئيا على ارميا وأتى به الى الرؤساء " ع 11 – 14 .

تم القبض على إرميا فى وقت كان فيه الحصار مرتبكا ، وكان هناك نوع من الحرية فى الحركة داخل المدينة وخارجها .

وسط حركة الجماهير خرج إرميا النبى ، ظانا أن أحدا لا يهتم بشأنه فى ظروف كهذه ، خاصة وأنه مختف وسط أعداد بلا حصر .

خرج إرميا من باب بنيامين متجها إلى الأرض التى اشتراها من حمنئيل ، لكن أسىء فهم نواياه ، وتم القبض عليه فى شك أنه ذاهب إلى العدو .

يبدو أن هذا التصرف من جانب إرميا كان دون مشورة من الرب ، مما سبب له متاعب أكثر .

واضح أن الإتهام الذى وجه لإرميا كان باطلا ، لأن الكلدانيين كانوا قد فارقوا أورشليم ، وكانوا مشغولين فى الدخول فى معركة مع فرعون . هذا وقد وضع فى السجن دون محاكمة حقيقية .



( 6 ) طرحه فى الجب ، ثم إطلاقه
" فغضب الرؤساء على ارميا وضربوه وجعلوه في بيت السجن في بيت يوناثان الكاتب لانهم جعلوه بيت السجن.

فلما دخل ارميا الى بيت الجب والى المقببات اقام ارميا هناك اياما كثيرة ،

ثم ارسل الملك صدقيا واخذه وسأله الملك في بيته سرا وقال :

هل توجد كلمة من قبل الرب ؟

فقال ارميا : توجد.

فقال انك تدفع ليد ملك بابل " ع 17 .

التجأ صدقيا الملك إلى أرميا إما لأنه ظن أن طرح إرميا فى السجن قد غير من فكره ، فينطق بكلمات مطمئنة عوض إصراره على تحقيق السبى البابلى ، أو أراد من النبى أن يثبت ظنه وسؤال قلبه أى أن مغادرة الكلدانيين تعنى خلاصا نهائيا كليا لأورشليم . أما إرميا فيرد بأن هذا فكر باطل لأن جيوش بابل ستعود لتهلك المدينة .

كان الحكم على صدقيا قاسيا لأنه استشار إرميا النبى على الأقل مرتين وأظهر حنوا نحوه ، لكنه فى ضعف شخصيته كان يخشى العاملين معه الذين رفضوا رسالة إرميا .



( 7 ) إرميا يطلب الرحمة
" ثم قال ارميا للملك صدقيا ما هي خطيتي اليك والى عبيدك والى هذا الشعب حتى جعلتموني في بيت السجن ؟

فاين انبياؤكم الذين تنبأوا لكم قائلين لا ياتي ملك بابل عليكم ولا على هذه الارض ؟

فالآن اسمع يا سيدي الملك.

ليقع تضرعي امامك ولا تردني الى بيت يوناثان الكاتب فلا اموت هناك.

فامر الملك صدقيا ان يضعوا ارميا في دار السجن ،

وان يعطى رغيف خبز كل يوم من سوق الخبازين حتى ينفد كل الخبز من المدينة.

فاقام ارميا في دار السجن " ع 18 – 21 .

كان يمكن لصدقيا الملك أن يطلق إرميا من السجن ، لكن لم تكن لديه الشجاعة لأخذ قرار كهذا . لقد تركه فى السجن بعد أن خفف عنه بعض الأتعاب ، وقد حول الله سجن إرميا إلى بركة له ولغيره .

على أى الأحوال ، كان إرميا النبى صاحب الدموع الغزيرة ، وجدران القلب المتوجعة ، والأحشاء التى لا تكف عن أن تئن ، لكنه الرجل الشجاع الذى يقف أمام الملوك بقوة ، ليقول " يارب عزى وحصنى وملجأى فى يوم الضيق " إر 16 : 19

وكأنه يردد ما سبق فقاله ميخا النبى : " أنا ملآن قوة روح الرب وحقا وبأسا لأخبر يعقوب بذنبه وإسرائيل بخطيته " مى 3 : 8 .

+ + +
__________________

إرميا – الإصحاح الثامن والثلاثون

إرميا فى الجب

يرى بعض الدارسين أن كلا من الإصحاحين 37 ، 38 يحملان تفاصيل خاصة بنفس الحادثة ، فإن أردنا القصة كاملة يضم الإصحاحين معا .



( 1 ) المطالبة بقتل إرميا
" وسمع شفطيا بن متان وجدليا بن فشحور ويوخل بن شلميا وفشحور بن ملكيا الكلام الذي كان ارميا يكلم به الشعب قائلا :

هكذا قال الرب :

الذي يقيم في هذه المدينة يموت بالسيف والجوع والوبإ.

واما الذي يخرج الى الكلدانيين فانه يحيا وتكون له نفسه غنيمة فيحيا.

هكذا قال الرب.هذه المدينة ستدفع دفعا ليد جيش ملك بابل فياخذها.

فقال الرؤساء للملك ليقتل هذا الرجل ،

لانه بذلك يضعف ايادي رجال الحرب الباقين في هذه المدينة وايادي كل الشعب ،

اذ يكلمهم بمثل هذا الكلام.

لان هذا الرجل لا يطلب السلام لهذا الشعب بل الشر " ع 1 – 4 .

جاء التقرير هنا مطابقا تماما لما ورد فى إر 21 : 9 الذى قدمه فى بدء الحصار قبل القبض عليه ، مؤكدا موت الذين يقيمون فى المدينة بالسيف والجوع والوبأ . وقد تكررت هذه الضربات الثلاث معا فى سفر إرميا ( 24 : 12 ؛ 21 : 7 ؛ 9 ؛ 24 : 10 ؛ 27 : 8 ؛ 13 ؛ 29 : 17 – 18 ؛ 32 : 24 ؛ 34 : 17 ؛ 38 : 2 ؛ 42 : 17 ؛ 44 : 13 ) .

يقصد بقوله : " يخرج إلى الكلدانيين " تسليم نفسه لهم .

صدر الحكم من الرؤساء على إرميا بالقتل ( ع 4 ) كخائن للوطن ، ولم يدركوا أن إرميا يحمل حبا حقيقيا للشعب ، ينبع عن أحشائه الملتهبة . وأن ما نطق به هو حكم صدر عليهم بسبب عصيانهم المستمر . فالأمر ليس فى يديه بل فى أيدى الملك والرؤساء والكهنة والشعب إن قدموا توبة تتغير كل الأحكام !



( 2 ) إلقاء إرميا فى السجن
" فقال الملك صدقيا ها هو بيدكم لان الملك لا يقدر عليكم في شيء.

فاخذوا ارميا والقوه في جب ملكيا ابن الملك الذي في دار السجن ودلوا ارميا بحبال.

ولم يكن في الجب ماء بل وحل فغاص ارميا في الوحل "ع 5 ، 6

ربما لم يصرح الملك بقتله ظنا منه أنه طالما كان النبى على قيد الحياة فإن الله يمكن أن يرجىء عقاب يهوذا المتنبأ عنه فى إر 37 : 15 ، أو يريد الملك قتله لكن ليس بيديه ، إنما بأيدى الرؤساء ، وهذا من شيمة الإنسان الضعيف الذى يشتهى الشىء ، لكنه يدفع الآخرين إلى تنفيذه ، لكى يبرر نفسه فيما بعد !

كان للرؤساء سلطة الحكم عليه ولكن حكم الإعدام لا بد من موافقة الملك عليه . ونظرا لضعف الملك لم يرتدع الرؤساء ، إلا أنه لم يسمح لهم بقتله رأسا ، لذلك ألقوه فى الجب ليموت هناك جوعا .

كان مركز الملك ضعيفا لأن نبوخذنصر أقامه ملكا بعد سبى يهوياكين ، وربما كان غير مقبول من أحد فى الأمة كملك حقيقى ، بل ينتظر الكل عودة الملك المسبى يهوياكين .

لقد صدر الحكم بإلقائه فى جب به وحل ليموت هناك . وقد فضل إرميا أن يموت فى وحل الجب ولا تدفن كلمة الله فى وحل العصيان أو المجاملة على حساب الحق .

إذ ألقى فى الجب السفلى تحولت حياته إلى صلاة ، فصرخ إلى الله قائلا :

" دعوت باسمك يارب من الجب الأسفل ،

لصوتى سمعت ،

لا تستر أذنك عن زفرتى عن صياحى ،

دنوت يوم دعوتك ،

قلت : لا تخف .

خاصمت يا سيد خصومات نفسى ..

رأيت يارب ظلمى .

أقم دعواى ... " مرا 3 : 55 – 59 .

حين أغلقت كل الأبواب فى وجهه وجد أبواب الله مفتوحة . وجد أذنى الرب تميل إليه وهو فى الجب لتسمع صرخات قلبه الداخلية . يؤكد له الرب وعوده السابقة منذ لحظات دعوته : " لا تخف ! ؛ ويشاركه آلامه ، فيحسب الخصومات ضد إرميا كأنها خصومات ضد الله نفسه . يصير الله هو القاضى وهو المحامى الذى يقيم دعوى إرميا ضد مضطهديه .

إن كان هذا الإصحاح قد كشف عن دور عبدملك الكوشى فى خلاص إرميا ، فإن مراثيه تكشف عن الذى قام بالدور الحقيقى هو الله سامع صلوات المظلومين ... تحرك بالحب لينصت إلى أذنيه ، وحرك عبدملك بالحنان ودبر خلاص إرميا من الجب !



( 3 ) عبدملك الكوشى ينقذ إرميا
" فلما سمع عبد ملك الكوشي رجل خصي وهو في بيت الملك انهم جعلوا ارميا في الجب والملك جالس في باب بنيامين ،

خرج عبد ملك من بيت الملك وكلم الملك قائلا :

يا سيدي الملك قد اساء هؤلاء الرجال في كل ما فعلوا بارميا النبي الذي طرحوه في الجب ،

فانه يموت في مكانه بسبب الجوع لانه ليس بعد خبز في المدينة.

فأمر الملك عبد ملك الكوشي قائلا :

خذ معك من هنا ثلاثين رجلا واطلع ارميا من الجب قبلما يموت.

فاخذ عبد ملك الرجال معه ودخل الى بيت الملك الى اسفل المخزن ،

واخذ من هناك ثيابا رثة وملابس بالية ودلاها الى ارميا الى الجب بحبال.

وقال عبد ملك الكوشي لارميا ضع الثياب الرثة والملابس البالية تحت ابطيك تحت الحبال.

ففعل ارميا كذلك.

فجذبوا ارميا بالحبال واطلعوه من الجب.

فاقام ارميا في دار السجن " ع 7 – 13 .

الرجل الغريب الجنس لم يقبل أن يرى إرميا فى الوحل ، فتحدث مع الملك بصراحة ..

اتسمت شخصية عبدملك : بالشجاعة ، والإيمان ، تشغيل طاقات الآخرين ، كان رقيقا وحنانا ، إذ أدلى بثياب بالية ليستعملها إرميا فى انتشاله من الجب حتى لا يتجرح جسمه أو يشعر بألم !

فى كل جيل نجد حتى فى قصور الملوك والرؤساء أناسا يعملون لمجد الله ! بأمانته شهد للحق وواجه بشجاعة ما لم يستطع غيره أن يفعله .

إذ تصرف عبدملك بلطف لإنقاذ النبى من الموت ، وعده النبى بالخلاص من الخراب المقبل على أورشليم ( 39 : 15 – 18 ) . الله لا ينسى تعب المحبة من أجله ومن أجل خدامه ، لذلك أنقذ عبد ملك الكوشى فى يوم المدينة ولم يسلم ليد أعدائه .

كان أجنبيا عن رعوية إيرائيل حسب الجسد ، لكنه ابن ابراهيم حسب الإيمان الحى العامل بالمحبة .



( 4 ) لقاء سرى مع الملك
يروى لنا اللقاء الأخير والوداعى بين الملك وإرميا ، كان فيه النبى صريحا كل الصراحة . قدم كل ما فى قلبه وما أعلنه له الرب ، فقد أدرك أنه لن يرى الملك بعد ... تحدث بصراحة كاملة حتى لا يدان أمام الله !

" فارسل الملك صدقيا واخذ ارميا النبي اليه الى المدخل الثالث الذي في بيت الرب ،

وقال الملك لارميا :

انا اسألك عن أمر.

لا تخف عني شيئا.

فقال ارميا لصدقيا اذا اخبرتك أفما تقتلني قتلا ؟

واذا اشرت عليك فلا تسمع لي ؟

فحلف الملك صدقيا لارميا سرا قائلا حيّ هو الرب الذي صنع لنا هذه النفس اني لا اقتلك ولا ادفعك ليد هؤلاء الرجال الذين يطلبون نفسك " ع 14 – 16 .

بقوله : " أفما تقتلنى قتلا ؟ " لا يعنى أن الملك نفسه يقتله ، إنما يتخلى عنه حتى يقتله أعداءه كما سبق أن ألقوه فى الجب ، وربما قصد ألا يتركه يلقى فى الجب مرة أخرى .

يؤكد إرميا النبى للملك أنه يليق به ألا يخاف الناس ، أى رجال الدولة ، بل يخاف الله ، فلا يعصى كلمته ، بهذا ينقذ حياته ، وينقذ أورشليم من حرقها بالنار .

لقد رسم إرميا النبى صورة مثيرة عن نتائج عصيان الكلمة الإلهية ، وذلك خلال رؤيا أظهرها الله له ، فقد شاهد بروح النبوة نساء القصر والأبناء يقادون وهم ينشدون مرثاة مرة تعلن عن شعورهم بالخداع الذى مارسه الأصدقاء ، متطلعين إلى الملك أنه قد غاص فى الوحل . تناسب هذه المرثاة مع وضع إرميا الذى ألقى فى جب ليغوص فى الوحل حتى يموت ( ع 7 ) . لم يمت إرميا فى الوحل ، إنما دفع الأنبياء الكذبة الملك فى وحل كذبهم فغاص فى خداعهم . لقد أرسل الله عبد ملك الغريب الجنس لينقذ إرميا ، أما الملك فلم يجد من ينقذه من وحله !



( 5 ) نبوة عن رحمة مشروطة
" فقال ارميا لصدقيا هكذا قال الرب اله الجنود اله اسرائيل.

ان كنت تخرج خروجا الى رؤساء ملك بابل تحيا نفسك ولا تحرق هذه المدينة بالنار بل تحيا انت وبيتك.

ولكن ان كنت لا تخرج الى رؤساء ملك بابل ،

تدفع هذه المدينة ليد الكلدانيين فيحرقونها بالنار وانت لا تفلت من يدهم.

فقال صدقيا الملك لارميا اني اخاف من اليهود الذين قد سقطوا للكلدانيين لئلا يدفعوني ليدهم فيزدروا بي.

فقال ارميا : لا يدفعونك.

اسمع لصوت الرب في ما اكلمك انا به فيحسن اليك وتحيا نفسك.

وان كنت تأبى الخروج فهذه هي الكلمة التي اراني الرب اياها.

ها كل النساء اللواتي بقين في بيت ملك يهوذا يخرجن الى رؤساء ملك بابل وهنّ يقلن قد خدعك وقدر عليك مسالموك.

غاصت في الحمأة رجلاك وارتدتا الى الوراء .

ويخرجون كل نسائك وبنيك الى الكلدانيين وانت لا تفلت من يدهم ،

لانك انت تمسك بيد ملك بابل وهذه المدينة تحرق بالنار " ع 17 – 23 .

كان إرميا صريحا كل الصراحة ، فتحدث مع الملك بكلمات الرب ، كما كان عجيبا فى حبه للغير ، حتى للملك الذى دخل به إلى السجن فإنه يطلب له أن يخلص من الموت .

قدم له سبع نبوات خطيرة إذا لم يسمع لصوت الرب ويخرج إلى رؤساء ملك بابل ، وقد تحققت هذه النبوة حرفيا :

أ – تسليم المدينة فى أيدى رؤساء ملك بابل ع 17 ، 18

ب – يحرقون المدينة بالنار ع 18 ، 23

جـ - لن يفلت الملك من أيديهم .

د – يخرج كل نساء الملك إلى الرؤساء ع 22

هـ - يقدم النساء مرثاة على الملك [ وردت هذه المرثاة فى عبوديا 7 ] .

و – يرسل نساء الملك وبنوه إلى الكلدانيين .

ز – يهرب الملك لكن يلقى ملك بابل القبض عليه .



( 6 ) صدقيا يخشى الرؤساء
" فقال صدقيا لارميا : لا يعلم احد بهذا الكلام فلا تموت.

واذا سمع الرؤساء اني كلمتك واتوا اليك وقالوا لك اخبرنا بماذا كلمت الملك لا تخف عنا فلا نقتلك وماذا قال لك الملك.

فقل لهم اني القيت تضرعي امام الملك حتى لا يردني الى بيت يوناثان لاموت هناك.

فأتى كل الرؤساء الى ارميا وسألوه فاخبرهم حسب كل هذا الكلام الذي اوصاه به الملك فسكتوا عنه لان الأمر لم يسمع " ع 24 – 27 .

سمع الرؤساء عن هذا اللقاء السرى الذى تم بين الملك وإرميا النبى ، وعرفوا جانبا واحدا من الحديث وهو الجانب الذى لا يهمهم ، أما الأمور الخطيرة فقد أخفيت عنهم .

لماذا خاف الملك من إشاعة هذا الكلام بين الناس ؟ ربما خاف أن يعرف الناس شيئا عن قلق نفسه وميله للأستسلام .



( 7 ) بقاء إرميا فى الحبس

" فاقام ارميا في دار السجن الى اليوم الذي أخذت فيه اورشليم " ع 28 .

سمح الله لإرميا أن يبقى فى دار السجن حتى سقوط أورشليم ، ربما لكى لا يرى بعينيه انهيار مدينته المحبوبة جدا لديه ، بينما عاد الملك صدقيا إلى قصره يحمل فى جعبته صورة حية عما كان يجب عليه أن يفعله ، لكن لم تسعفه جرأته لفعل شىء ما . بمعنى آخر كان إرميا ملقيا فى السجن لكنه يحمل روح الحق بشجاعة ، بينما دخل الملك قصره يترقب لحظات هلاكه وهلاك شعبه وبلده ! .

+ + +
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://eng.roniajesus@yahoo.com
بحبك يا مارمينا
خادم المنتدى
avatar

انثى عدد الرسائل : 785
العمر : 29
المزاج : نشكرربناعلي كل حال
اعلام الدول :
المهنة :
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: *** موضوع متكامل لتفسير سفر ارميا كتابيا ***   الجمعة فبراير 12, 2010 11:40 pm

إرميا – الإصحاح التاسع والثلاثون

سقوط أورشليم فى السبى

يصف أحداث السبى ، كيف حوصرت أورشليم وألقى القبض على صدقيا وهو هارب ، ثم قام ملك بابل بقتل أبناء صدقيا أمام عينيه ، كما قتل كل أشراف يهوذا ، ثم فقأ عينى صدقيا وقيده بسلاسل وقاده إلى بابل .



( 1 ) سقوط المدينة
كان نبوخذنصر حاضرا فى بدء الحصار ، أما فى نهايته حيث سقطت أورشليم فكان فى ربلة ( 3 ، 6 ) ، بقى الملك خارج أورشليم بينما ترك رئيس جيشه يدخل فى المعركة ضد يهوذا ، وذلك لكى يمنع أية قوة خارجية لنجدة يهوذا تقترب إلى أورشليم ، وكان كبار الأسرى يرسلون إليه للمحاكمة الفورية .

" في السنة التاسعة لصدقيا ملك يهوذا في الشهر العاشر اتى نبوخذراصر ملك بابل وكل جيشه الى اورشليم وحاصروها.

وفي السنة الحادية عشرة لصدقيا في الشهر الرابع في تاسع الشهر فتحت المدينة.

ودخل كل رؤساء ملك بابل وجلسوا في الباب الاوسط ،

نرجل شراصر وسمجرنبو وسرسخيم رئيس الخصيان ونرجل شراصر رئيس المجوس وكل بقية رؤساء ملك بابل " ع 1 – 3

استمر الحصار حوالى سنة ونصف ، بعدها انهارت كل مقاومة ، خصوصا بعد انهزام المصريين أمام بابل ، لم يكن أمام المدافعين اليهود سوى الإستسلام .

جلس رؤساء ملك بابل فى الباب الوسط ، جلس حاملوا أسماء الآلهة الوثنية فى الموضع الذى اعتاد أن يجلس فيه حلقيا الذى يحمل اسم الله ، وتحققت نبوة إرميا : " فيأتون ويضعون كل واحد كرسيه فى مدخل أبواب أورشليم " 1 : 15 .

كان إرميا النبى فى سجنه يئن داخليا مترقبا انهيار بلده بمرارة ، وقد أنكشفت أمام عينيه كل الأحداث هذه التى أعلنها فى شىء من التفصيل للملك صدقيا .

كان صدقيا والرؤساء مع القيادات الدينية والعسكرية فى ضعف شديد ، فقد أنهار الجند بسبب المجاعة ، لقد أدرك الجميع أن حماية الله قد رفعت عنهم كما حدث لشمشون الذى حل به الضعف حينما قص شعر نذره .

أقام قادة العدو مجلسا عسكريا عند الباب الرئيسى لأورشليم .



( 2 ) أسر صدقيا
" فلما رآهم صدقيا ملك يهوذا وكل رجال الحرب هربوا وخرجوا ليلا من المدينة في طريق جنة الملك من الباب بين السورين وخرج هو في طريق العربة.

فسعى جيش الكلدانيين وراءهم ،

فادركوا صدقيا في عربات اريحا ،

فاخذوه واصعدوه الى نبوخذناصّر ملك بابل الى ربلة في ارض حماة ،

فكلمه بالقضاء عليه.

فقتل ملك بابل بني صدقيا في ربلة امام عينيه ،

وقتل ملك بابل كل اشراف يهوذا.

واعمى عيني صدقيا وقيده بسلاسل نحاس لياتى به الى بابل.

اما بيت الملك وبيوت الشعب فاحرقها الكلدانيون بالنار ،

ونقضوا اسوار اورشليم " ع 4 – 8 .

احتمى صدقيا الملك ورجال الحرب فى الليل ليهربوا من وجه العدو ، لكن لم يستطع أن ينجيهم . كان الأفضل لهم أن يحتموا فى النور ، بالطاعة لكلمة الله ، فما كان قد حل بهم هذا العار بل والموت .

لقد تحققت النبوة ( 32 : 4 ؛ 34 : 3 ) . أن صدقيا يرى ملك بابل ويتكلم معه فما لفم ، وأن يقتل أبناؤه وتفقأ عيناه ( 38 : 17 – 23 ) .

وأحرقت القصور بعد شهر من استلام المدينة . أما سبب تأخير حرق المنازل فهو الأنتظار حتى يقدم رؤساء يهوذا إلى الملك فى ربلة وينظر فى قضيتهم .

كان قلع العيون شكلا من أشكال العقوبة القديمة ( قضاة 16 : 21 ) ، خاصة بالنسبة للثوار العنفاء .



( 3 ) سبى الشعب
" وبقية الشعب الذين بقوا في المدينة والهاربون الذين سقطوا له وبقية الشعب الذين بقوا سباهم نبوزرادان رئيس الشرط الى بابل.

ولكن بعض الشعب الفقراء الذين لم يكن لهم شيء تركهم نبوزرادان رئيس الشرط في ارض يهوذا ،

واعطاهم كروما وحقولا في ذلك اليوم " ع 9 ، 10 .

سيق الشعب إلى بلد غريب يسيرون مئات الأميال فى مذلة ، وقد سبق أن أهلكهم الجوع والوبأ بسبب الحصار . لقد فقدوا مدينتهم وهيكلهم وممتلكاتهم ... والآن يساقون كالحيوانات تحت قيادة سادة قساة ، وها هم لا يعرفون ما هو مصيرهم هناك .

أما الفقراء فقد تركوا فى يهوذا وسلمت لهم الكروم والحقول التى جفت وخربت مع طول مدة الحصار لعلهم يصلحونها .

يقول القديس جيروم :

+ يقودنى نبوخذنصر الحقيقى مربوطا بالسلاسل إلى بابل ، أى إلى بابل الفكر المرتبك

هناك يضع على نير العبودية ،

هناك يضع خزامة من حديد فى أنفى ،

ويأمرنى أن أرنم بتسبحة من تسابيح صهيون ( 2 مل 19 : 28 ، مز 136 : 3 ) .



( 4 ) العناية بإرميا
" واوصى نبوخذراصر ملك بابل على ارميا نبوزرادان رئيس الشرط قائلا :

خذه وضع عينك عليه ولا تفعل به شيئا رديئا بل كما يكلمك هكذا افعل معه.

فارسل نبوزرادان رئيس الشرط ونبوشزبان رئيس الخصيان ونرجل شراصر رئيس المجوس وكل رؤساء ملك بابل .

ارسلوا فاخذوا ارميا من دار السجن ،

واسلموه لجدليا بن اخيقام بن شافان ليخرج به الى البيت.

فسكن بين الشعب " ع 11 ، 14

" رئيس الشرط " لقب قديم وهو حرفيا : رئيس السقاة .

يظهر من هذا الفصل أن ملك بابل فور فتح أورشليم اهتم بإرميا فأخرجه من السجن مكرما ليبقى مع الباقين فى البلاد دون أن يسبى .

يرى البعض أنه قد أطلق سراح إرميا من السجن فور سقوط المدينة ، لكنه أقتيد مع الرؤساء إلى رامة ، وهناك أطلق سراحه وسمح له أن يختار موضع سكنه كيفما يريد .

لم يوص نبوخذراصر على قدس الأقداس بل على إرميا . لأنه هو هيكل الرب الحق ، هو قدس الأقداس ، الذى تكرس للرب بالبتولية الطاهرة .

يذكر هذا الإصحاح أنه خلص من هذا الدمار ثلاثة :

أ – إرميا النبى الذى أوصى الملك بحسن معاملته .

ب – عبد الملك الغريب الجنس الذى وعده النبى بإنقاذه .

جـ - القلة القليلة من الفقراء جدا الذين أعطيت لهم الحقول .

هؤلاء جميعا يشيروا إلى الكنيسة التى تتمتع بالمراحم الإلهية : فأرميا يشير إلى القلة من اليهود الذين قبلوا نبوات العهد القديم وتعرفوا على السيد المسيح وآمنوا به ، وعبدملك يشير إلى الأمم الذين قدموا إلى السيد المسيح وتمتعوا بخلاصه ؛ أما القلة القليلة الفقيرة فتحمل سمة الكنيسة : " القطيع الصغير " الذى يسر الآب أن يعطيهم الملكوت " ( لو 12 : 32 ) .



( 5 ) رسالة إلى عبد ملك

بعث إرميا النبى وهو فى السجن برسالة إلى عبدملك الكوشى تحوى خمس نبوات :

أ – الشر الذى يحل بالمدينة .

ب- تحقيق كلمة الله فى أيامه .

جـ - لا يسلم عبدملك ليد من يخافهم .

د – خلاص عبدملك من يد الأعداء .

هـ - لن يسقط بالسيف .

" وصارت كلمة الرب الى ارميا اذ كان محبوسا في دار السجن قائلة :

اذهب وكلم عبد ملك الكوشي قائلا :

هكذا قال رب الجنود اله اسرائيل :

هانذا جالب كلامي على هذه المدينة للشر لا للخير ،

فيحدث امامك في ذلك اليوم.

ولكنني انقذك في ذلك اليوم يقول الرب ،

فلا تسلم ليد الناس الذين انت خائف منهم.

بل انما انجيك نجاة فلا تسقط بالسيف بل تكون لك نفسك غنيمة ،

لانك قد توكلت عليّ يقول الرب " ع 15 – 18 .

إذ كان إرميا النبى أمينا ومخلصا لكلمة الله لذلك وعده الله : " إنى أجعل العدو يتضرع إليك فى وقت الشر وفى وقت الضيق " إر 15 : 11 .

وها هو يحقق وعده معه .

لقد لقى إرميا معاملة طيبة من قبل رئيس جيوش بابل وملكها وكذلك عبدملك الذى أنقذ حياة إرميا من الجب .

ذكر الكتاب المقدس كثيرين أنقذوا بسبب تقواهم . فلابد من أن نتساءل : هل هذا قانون ثابت فى مجازاة الله للناس ، لأننا كثيرا ما رأينا الصالحين الأتقياء قد هلكوا مع الأشرار الأردياء ، لا سيما فى أبان الحروب وكوارث الطبيعة . إننا نؤمن أن الله يجازى كل الناس بحسب أعمالهم ، لكننا لا نحصر مجازاة الله فى هذه الحياة ، بل نعتقد بأنها تكون أضعافا فى الآخرة .

+ + +


إرميا – الإصحاح الأربعون

إرميا مع جدليا فى أورشليم

تقدم لنا الإصحاحات 40 – 45 خبرات ونبوات إرميا النبى بعد خراب أورشليم ، أو خبرات أيامه الأخيرة على الأرض .



( 1 ) قرار إرميا
" الكلمة التي صارت الى ارميا من قبل الرب بعدما ارسله نبو زرادان رئيس الشرط من الرامة ،

اذ اخذه وهو مقيد بالسلاسل في وسط كل سبي اورشليم ويهوذا الذين سبوا الى بابل.

فاخذ رئيس الشرط ارميا وقال له :

ان الرب الهك قد تكلم بهذا الشر على هذا الموضع.

فجلب الرب وفعل كما تكلم لانكم قد اخطأتم الى الرب ولم تسمعوا لصوته فحدث لكم هذا الامر " ع 1 – 3

إن ما نطق به هذا القائد الكلدانى الغريب الجنس لم يكن إلا ملخصا لما نادى به الأنبياء للشعب ولم يسمعوا لهم . لقد قدم الرجل الوثنى تفسيرا لاهوتيا وروحيا لهزيمتهم ، الأمر الذى لم يكن ممكنا للشعب اليهودى أن يفهمه أو يتقبله .

بلا شك أدهشت كلمات رئيس الشرط إرميا النبى وثبتت بالأكثر إيمانه ، كما انتشرت بين اليهود فصارت لتوبيخهم ، كأنها رسالة إلهية موجهة إلى المسبيين ينطق بها رجل وثنى عدو .

اقتيد إرميا مع المسبيين مقيدا بالسلاسل حتى وقف أمام رئيس الشرط ، وهناك عزل عن المسبيين لكى تعطى له كرامة وهدايا مع حرية الحركة ، بينما صار الآخرون فى مذلة وحرمان .

" فالآن هانذا احلّك اليوم من القيود التي على يدك.

فان حسن في عينيك ان تأتي معي الى بابل فتعال ،

فاجعل عينيّ عليك.

وان قبح في عينيك ان تاتي معي الى بابل فامتنع.

انظر.كل الارض هي امامك فحيثما حسن وكان مستقيما في عينيك ان تنطلق فانطلق الى هناك.

واذ كان لم يرجع بعد قال :

ارجع الى جدليا بن اخيقام بن شافان الذي اقامه ملك بابل على مدن يهوذا واقم عنده في وسط الشعب ،

وانطلق الى حيث كان مستقيما في عينيك ان تنطلق.

واعطاه رئيس الشرط زادا وهدية واطلقه.

فجاء ارميا الى جدليا بن اخيقام الى المصفاة ،

واقام عنده في وسط الشعب الباقين في الارض " ع 4 – 6 .

كان هناك أمر من الملك إلى رئيس الشرط أن يكرم إرميا النبى ، لكن الجند المسئولين عن إلقاء القبض على اليهود وترحيلهم إلى الرامة تحت كثرة الأعباء أتوا بإرميا وسط الأسرى ، مقيدا بالسلاسل خطأ . وإذ تعرف عليه نبوزاردان رئيس الشرط أطلقه فى الحال وأعطاه حرية الحركة .

أعطاه القائد حق الخيار أن يذهب إلى بابل أو يبقى فى يهوذا ، فاختار أن يرجع إلى جدليا الذى ينتمى إلى عائلة شافان المتعاطفة مع النبى ، ويقيم عنده وسط الشعب . رفض أن يكرم فى بابل ليعيش مع الشعب المسكين فى يهوذا يشاركهم أتعابهم وآلامهم ، يسكن مع أولئك الذين حسبهم البابليون ليسوا أهلا لنقلهم حتى كأسرى إلى بابل .

هكذا تشبه بموسى النبى الذى قيل عنه :

" بالإيمان موسى لما كبر أبى أن يدعى أبن ابنة فرعون ، مفضلا بالأحرى أن يذل مع شعب الله عن أن يكون له تمتع وقتى بالخطية ، حاسبا عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر ، لأنه كان ينظر إلى المجازاة " عب 11 : 24 ، 25 .

هكذا اشترك أنبياء العهد القديم فى عار المسيح الباذل حياته بفرح عن شعبه .

كان من الحكمة ألا يذهب إرميا مع المسبيين فى بابل ، لأنه كان بلا شك سيلقى كرامة من الملك ، فيثبت فى ذهن اليهود أنه عميل بابلى وخائن لوطنه .

جاء إرميا إلى جدليا وأقام فى المصفاة لخراب أورشليم .



( 2 ) جدليا الحاكم
" فلما سمع كل رؤساء الجيوش الذين في الحقل هم ورجالهم ان ملك بابل قد اقام جدليا بن اخيقام على الارض ،

وانه وكله على الرجال والنساء والاطفال وعلى فقراء الارض الذين لم يسبوا الى بابل ،

أتى الى جدليا الى المصفاة اسماعيل بن نثنيا ويوحانان ويوناثان ابنا قاريح وسرايا بن تنحومث وبنو عيفاي النطوفاتي ويزنيا ابن المعكي هم ورجالهم.

فحلف لهم جدليا بن اخيقام بن شافان ولرجالهم قائلا :

لا تخافوا من ان تخدموا الكلدانيين.

اسكنوا في الارض واخدموا ملك بابل فيحسن اليكم .

اما انا فهانذا ساكن في المصفاة لاقف امام الكلدانيين الذين ياتون الينا " ع 7 .

إن كانت يهوذا قد صارت مستعمرة بابلية ، لكن كان لها الحق أن تحتفظ بسماتها الخاصة تحت قيادة والى من شعبها يخضع سياسيا لملك بابل ويدفع له الجزية .

إذ جمع الراجعون خمرا وتينا كثيرا شعر البعض أن ذلك علامة بركة الرب ، إذ لا زال ينتظر أن يعمل لإصلاح شعبه . هؤلاء الذين شبههم إرميا النبى بالتين الجيد جدا ( إر 24 ) .

" اما انتم فاجمعوا خمرا وتينا وزيتا وضعوا في اوعيتكم واسكنوا في مدنكم التي اخذتموها.

وكذلك كل اليهود الذين في موآب وبين بني عمون وفي ادوم والذين في كل الاراضي سمعوا ان ملك بابل قد جعل بقية ليهوذا وقد اقام عليهم جدليا بن اخيقام بن شافان .

فرجع كل اليهود من كل المواضع التي طوحوا اليها واتوا الى ارض يهوذا الى جدليا الى المصفاة وجمعوا خمرا وتينا كثيرا جدا " ع 7 – 12 .

إذ عرف جدليا كرجل سلام ، كانت رسالته أن يعيد إلى يهوذا حياتهم العادية ، وأن يخضعوا للكلدانيين بغير تخوف منهم ، وأن يستقبل اليهود العائدين من موآب وبنى عمون وآدوم ، وكانوا غالبا من الجنود .

كان جدليا يرفض الثورة ضد بابل ، متأثرا بإرميا وغيره من الأنبياء ، لذلك عينه ملك بابل وكيلا له ، وواليا على يهوذا .



( 3 ) الكشف عن مؤامرة ملك بنى عمون
" ثم ان يوحانان بن قاريح وكل رؤساء الجيوش الذين في الحقل أتوا الى جدليا الى المصفاة ،

وقالوا له.أتعلم علما ان بعليس ملك بني عمون قد ارسل اسماعيل بن نثنيا ليقتلك.فلم يصدقهم جدليا بن اخيقام.

فكلم يوحانان بن قاريح جدليا سرا في المصفاة قائلا :

دعني انطلق واضرب اسماعيل بن نثنيا ولا يعلم انسان.

لماذا يقتلك فيتبدد كل يهوذا المجتمع اليك وتهلك بقية يهوذا؟ !

فقال جدليا بن اخيقام ليوحانان بن قاريح لا تفعل هذا الامر ،

لانك انما تتكلم بالكذب عن اسماعيل " ع 13 – 16 .

يقصد بـ " رؤساء الجيوش فى الحقول " ( ع 13 ) ضباط الجنود المسرحين ( 2 مل 25 : 5 ) الذين خافوا أولا من معاملة بابل لهم ، ولكنهم تأكدوا فيما بعد ( فى آية 9 حلف لهم جدليا قائلا " لا تخافوا " ) أنهم سينالون العفو إذا خضعوا واستسلموا وعادوا يستغلون الأرض ويخضعون لجدليا وحكومته فى المصفاة . ورجع أيضا اليهود الذين غادروا البلاد قبل هجوم بابل وكانوا قد ألتجأوا إلى شرق الأردن .

ما كان يشغل قلب يوحنان ليس الخوف على قتل جدليا ، وإنما انهيار النبتة الجديدة لإقامة دولة يهوذا التى خربت تماما بواسطة البابليين ، وقد صار هناك بارقة أمل لتجميع الجهود ولو تحت الأستعمار البابلى . فكان فى رأيه أن قتل إسماعيل أفضل من ضياع الأمة كلها .

لقد أخطأ جدليا إذ لم يسمع لهم ، وكان يليق به أن يرفع قلبه بالصلاة يطلب مشورة الله ، وأن يلجأ إلى أرميا النبى الذى كان ملاصقا له . هنا تظهر خطورة اتكال الإنسان على أفكاره وحده .

كان بعليس ملك عمون فى شرق الأردن ينتظر اغتنام فرصة رجوع جيوش بابل إلى وطنهم ليملك على ما بقى من البلاد فى غرب الأردن ، ويقتل جدليا وكيل ملك بابل .

يحتمل أن يكون هناك عداوة شخصية بين بعليس وجدليا .

+ + +
__________________
إرميا – الإصحاح الحادى والأربعون

اغتيال جدليا والى أورشليم

كان اليهود يحتفلون بقتل جدليا كمناسبة حزينة وذلك بالصوم فى الشهر السابع ( اكتوبر ) زك 7 : 5 ؛ 8 : 19 .

قتل جدليا لكن الله حفظ إرميا حتى يتمم رسالته . فى هذا الإصحاح لا نجد خبرا عن إرميا نفسه ، ولا نسمع عنه كلمة ، بل جاء كمقدمة لما يأتى فيما بعد ، وهو نزول جماعة من اليهود إلى مصر آخذين معهم إرميا على الرغم منه .



( 1 ) مصرع جدليا
" وكان في الشهر السابع ان اسماعيل بن نثنيا بن اليشاماع من النسل الملوكي جاء هو وعظماء الملك وعشرة رجال معه الى جدليا بن اخيقام الى المصفاة ،

واكلوا هناك خبزا معا في المصفاة.

فقام اسماعيل بن نثنيا والعشرة الرجال الذين كانوا معه وضربوا جدليا بن اخيقام بن شافان بالسيف فقتلوه ،

هذا الذي اقامه ملك بابل على الارض.

وكل اليهود الذين كانوا معه اي مع جدليا في المصفاة ،

والكلدانيون الذين وجدوا هناك ورجال الحرب ضربهم اسماعيل " ع 1 – 3

سبق أن تحدثنا فى الإصحاح السابق عن اسماعيل بن نثنيا الذى دفعه بعليس ملك عمون على اغتيال جدليا . ولا نعرف ما الذى دفعه إلى هذه الجريمة ، وما الذى دفع ملك عمون على تحريضه ؟

هل كان إسماعيل مدفوعا بغيرة دينية قومية على بلاده حاسبا أن الخضوع لبابل خيانة عظمى ؟

أم كان مدفوعا بوعود ملك عمون ( 40 : 14 ) ؟

أم كان الحسد أو العداوة الشخصية مع جدليا ؟

أو محبة المال هى الباعث ؟

حاسبا نفسه أحق برئاسة الشعب دون جدليا ؟

تحدى إسماعيل كل قوانين كرم الضيافة الشريفة فى الشرق باغتياله مضيفه بعمل صارخ من أعمال الخيانة .



( 2 ) فظائع أخرى
" وكان في اليوم الثاني بعد قتله جدليا ولم يعلم انسان ،

ان رجالا أتوا من شكيم ومن شيلو ومن السامرة ثمانين رجلا محلوقي اللحى ومشققي الثياب ومخمشين وبيدهم تقدمة ولبان ليدخلوهما الى بيت الرب.

فخرج اسماعيل بن نثنيا للقائهم من المصفاة سائرا وباكيا.فكان لما لقيهم انه قال لهم هلم الى جدليا بن اخيقام.

فكان لما اتوا الى وسط المدينة ان اسماعيل بن نثنيا قتلهم والقاهم الى وسط الجب هو والرجال الذين معه.

ولكن وجد فيهم عشرة رجال قالوا لاسماعيل :

لا تقتلنا لانه يوجد لنا خزائن في الحقل قمح وشعير وزيت وعسل.

فامتنع ولم يقتلهم بين اخوتهم.

فالجب الذي طرح فيه اسماعيل كل جثث الرجال الذين قتلهم بسبب جدليا هو الذي صنعه الملك آسا من وجه بعشا ملك اسرائيل.

فملأه اسماعيل بن نثنيا من القتلى " ع 4 – 9 .

هذه الحادثة مكدرة جدا تدل على أن نفس إسمعيل لم تكن منطوية على غيرة دينية على بلاده ليخلصها من نير بابل ، بل كان رجلا سفاحا ذبح أناسا أبرياء ، إذ لم يذكر سبب لقتل هؤلاء الأبرياء .

لسنا ندرى هل كانت لهم علاقة بجدليا من قبل أم لا .

واضح أنهم كانوا فى حالة حداد على الهيكل الذى دمر ..

إن ما فعله إسمعيل كان بسبب رغبته فى نهب ما لديهم ، إذ قتل أناسا عزل قادمين لتقديم عطايا لبيت الرب المتهدم ، وفى نفس الوقت أبقى منهم عشرة رجال أدعوا أن لهم خزائن سرية لا يعرف أحد موضعها ، وهى فى الحقول مملوءة من المحاصيل ، فأراد أن يغتصبها .. هذا يكشف عن شخصه أنه لص !



( 3 ) سبى البقية وإطلاق سراحها
" فسبى اسماعيل كل بقية الشعب الذين في المصفاة ،

بنات الملك وكل الشعب الذي بقي في المصفاة الذين اقام عليهم نبوزرادان رئيس الشرط جدليا بن اخيقام سباهم اسماعيل بن نثنيا ،

وذهب ليعبر الى بني عمون .

فلما سمع يوحانان بن قاريح وكل رؤساء الجيوش الذين معه بكل الشر الذي فعله اسماعيل بن نثنيا ،

اخذوا كل الرجال وساروا ليحاربوا اسماعيل بن نثنيا فوجدوه عند المياه الكثيرة التي في جبعون.

ولما رأى كل الشعب الذي مع اسماعيل يوحانان بن قاريح وكل رؤساء الجيوش الذين معهم فرحوا،

فدار كل الشعب الذي سباه اسماعيل من المصفاة ورجعوا وساروا الى يوحانان بن قاريح.

اما اسماعيل بن نثنيا فهرب بثمانية رجال من وجه يوحانان وسار الى بني عمون.

فاخذ يوحانان بن قاريح وكل رؤساء الجيوش الذين معه كل بقية الشعب الذين استردهم من اسماعيل بن نثنيا من المصفاة بعد قتل جدليا بن اخيقام رجال الحرب المقتدرين والنساء والاطفال والخصيان الذين استردهم من جبعون .

فساروا واقاموا في جيروت كمهام التي بجانب بيت لحم لكي يسيروا ويدخلوا مصر من وجه الكلدانيين ،

لانهم كانوا خائفين منهم ، لان اسماعيل بن نثنيا كان قد ضرب جدليا بن اخيقام ،

الذي اقامه ملك بابل على الارض " ع 10 – 18 .

سبى إسماعيل بنات الملك ، لا يقصد بهن بنات صدقيا فحسب بل كل الأعضاء الأناث فى البيت الملكى والأميرات اللواتى كن قد وضعن فى رعاية جدليا ، اللواتى تسلمهن من يد نبوخذنصر .

قبل أن يتمكن إسماعيل السفاك من الهرب إلى بلاد عمون بمن أراد أن يأخذهم معه من أهل جدليا والشعب عموما ، هاجمه يوحنان بن قاريح وبعض الرؤساء الآخرين عند بركة جبعون ( 2 صم 2 : 13 ) حيث وقع فى القديم الصدام بين رجال داود وجال إيشبوشت بن شاول ، ولم يقدر إسمعيل أن يقاومهم فاضطر أن يترك الذين أجبرهم إلى الذهاب معه ، فهرب ومعه ثمانية رجال إلى بلاد عمون حيث فقد أثنين من رجاله ، ولم نعد نسمع عنه شيئا .

رأى يوحانان والذين معه أن يهربوا إلى مصر خوفا من عقاب بابل ، وإن كانوا هم أنفسهم لم يثوروا على بابل هذه المرة كإسماعيل .

+ + +
إرميا – الإصحاح الثانى والأربعون

قد خدعتم أنفسكم !

يوحنان وكل رؤساء يهوذا وضعوا فى قلوبهم أن يذهبوا إلى مصر مهما تكن الظروف ! لقد خدعوا أنفسهم حين ذهبوا إلى إرميا يطلبون منه أن يصلى لأجلهم ويطلب باسمهم مشورة الرب . ربما قصدوا بالمشورة معرفة الطريق الذى يسلكونه فى ذهابهم إلى مصر .

كثيرا ما يخدع الإنسان نفسه ( ع 20 ) حين يريد أن يحرك الله حسب هواه ، لا أن يخضع لحكمة الله وخطته ومشورته .

( 1 ) طلب مشورة الله
" فتقدم كل رؤساء الجيوش ويوحانان بن قاريح ويزنيا بن هوشعيا وكل الشعب من الصغير الى الكبير ،

وقالوا لارميا النبي ليت تضرعنا يقع امامك فتصلّي لاجلنا الى الرب الهك لاجل كل هذه البقية.

لاننا قد بقينا قليلين من كثيرين كما ترانا عيناك.

فيخبرنا الرب الهك عن الطريق الذي نسير فيه والأمر الذي نفعله " ع 1 – 3

اقترب الكل ، بروح واحد إلى إرميا يحملون مظهر الأتضاع والأحتياج إلى صلوات إرميا من أجلهم ، ويعترفون أنهم صاروا قليلين من كثيرين ، ويسألون مشورة الله . ربما استطاعوا بمظهرهم وكلماتهم أن يخدعوا النبى إلى حين ، لكنهم لن يخدعوا الله فاحص القلوب والعارف بأسرارهم وأفكارهم الخفية .

طلبوا صلوات إرميا لكنهم لم يشاركوه الصلاة ، فلا يكفى أن نطلب من الغير ، حتى إن كانوا أنبياء الصلاة لأجلنا دون أن نصلى نحن أيضا لأجل أنفسنا .

لم يقولوا " إلهنا " بل الرب " إلهك " ، حيث الإحساس بالبعد عن الله ، إذ لم يشعروا بإمكانية الأقتراب إليه بثقة .



( 2 ) إرميا يسأل الله
" فقال لهم ارميا النبي :

قد سمعت.

هانذا اصلي الى الرب الهكم كقولكم ،

ويكون ان كل الكلام الذي يجيبكم الرب اخبركم به.

لا امنع عنكم شيئا " ع 4

جاءت كلمات إرميا لهذا الشعب تكشف عن شخصيته العجيبة ومشاعره الرقيقة نحو شعب الله ، إذ نلاحظ فى هذه الإجابة :

أ – لم يوبخهم بكلمة جارحة عن صرفاتهم القديمة ، ولم يغلق باب الرجاء أمامهم ، بل بروح الأتضاع يقول : " قد سمعت " !

ب – يقول : " هأنذا أصلى إلى الرب " ! هذا هو عمله الأول كنبى وكاهن !

جـ - إن كانوا قد شعروا بالبعد عن الله فقالوا لإرميا النبى : " الرب إلهك " ع 2 ، يرد لهم الثقة فيقول لهم :" الرب إلهكم " !

د – مع لطفه ورقته فى إجابته عليهم يؤكد صراحته ووضوحه ، فإنه لن يخفى عنهم شيئا مما ينطق به الرب ، حتى إن جاءت الإجابة ليست حسب هواهم !



( 3 ) اليهود يعدون بالطاعة
" فقالوا هم لارميا ليكن الرب بيننا شاهدا صادقا وامينا اننا نفعل حسب كل أمر يرسلك به الرب الهك الينا.

ان خيرا وان شرا ،

فاننا نسمع لصوت الرب الهك الذي نحن مرسلوك اليه ليحسن الينا اذا سمعنا لصوت الرب الهنا " ع 5 – 6

وعد اليهود إرميا النبى بالطاعة الكاملة لله ، مهما كانت إجابة الرب أو مشورته لهم . لم يكن ممكنا لإرميا أن يكذبهم ، فهو لا يعرف أسرار قلوبهم ، لكنه إذ تحدث مع الله كشف له عما يضمرونه فى داخلهم ( ع 20 – 23 ) .



( 4 ) الرسالة الإلهية : بركات مشروطة
" وكان بعد عشرة ايام ان كلمة الرب صارت الى ارميا.

فدعا يوحانان بن قاريح وكل رؤساء الجيوش الذين معه وكل الشعب من الصغير الى الكبير وقال لهم :

هكذا قال الرب اله اسرائيل الذي ارسلتموني اليه لكي القي تضرعكم امامه.

ان كنتم تسكنون في هذه الارض فاني ابنيكم ولا انقضكم واغرسكم ولا اقتلعكم.

لاني ندمت عن الشر الذي صنعته بكم.

لا تخافوا ملك بابل الذي انتم خائفوه.

لا تخافوه يقول الرب لاني انا معكم لاخلصكم وانقذكم من يده.

واعطيكم نعمة فيرحمكم ويردكم الى ارضكم " ع 7 – 12 .

سمح الرب بأن تمر عشرة أيام قبل أن يجيب على النبى ، وهذا أمر له أهميته :

أ – تعطى هذه الأيام العشرة الفرصة للشعب أن يستعدوا روحيا ونفسيا للإجابة الإلهية ، فيتهيأوا للطاعة له .

ب – ربما أعطت هذه الأيام فرصة لإرميا النبى لكى يتقدس ويتأهل للتعرف على إرادة الله .

جـ - العدد عشرة يرمز إلى الوصايا العشرة التى أعطيت على جبل سيناء .

بمعنى أنهم مسؤولون أن يراجعوا أنفسهم لئلا يكونوا قد كسروا الوصية الإلهية .

د – فى هذه الأيام العشرة لم يتقابل إرميا مع الشعب إذ لم يرد أن يكون له رأى شخصى عن الطريق الذى يسلكونه ، بل انتظر التوجيه الكامل من الرب .

مع أن الله يعلم نيتهم وهى الأصرار على الذهاب إلى مصر ، وعدم طاعتهم لإرادته الإلهية ، لكنه قدم لهم فرصة الرجوع عن شرهم ، قدم لهم بركات مشروطة .

بدأ بالحديث عن بركات الطاعة لإرادته والخضوع لمشورته قبل الحديث عن لعنة العصيان ، فاتحا باب الرجاء أمامهم . جاءت الإجابة تحمل وعدا إلهيا يكشف عن شوق الله إلى بنائهم كبيت مقدس له ، وغرسهم ككرمة من غرس يدى الله .



( 5 ) لعنة العصيان
" وان قلتم لا نسكن في هذه الارض ولم تسمعوا لصوت الرب الهكم ،

قائلين لا بل الى ارض مصر نذهب حيث لا نرى حربا ،

ولا نسمع صوت بوق ولا نجوع للخبز وهناك نسكن.

فالآن لذلك اسمعوا كلمة الرب يا بقية يهوذا.

هكذا قال رب الجنود اله اسرائيل :

ان كنتم تجعلون وجوهكم للدخول الى مصر وتذهبون لتتغربوا هناك ،

يحدث ان السيف الذي انتم خائفون منه يدرككم هناك في ارض مصر ،

والجوع الذي انتم خائفون منه يلحقكم هناك في مصر فتموتون هناك.

ويكون ان كل الرجال الذين جعلوا وجوههم للدخول الى مصر ليتغربوا هناك يموتون بالسيف والجوع والوبإ ،

ولا يكون منهم باق ولا ناج من الشر الذي اجلبه انا عليهم.

لانه هكذا قال رب الجنود اله اسرائيل.

كما انسكب غضبي وغيظي على سكان اورشليم هكذا ينسكب غيظي عليكم عند دخولكم الى مصر ،

فتصيرون حلفا ودهشا ولعنة وعارا ولا ترون بعد هذا الموضع .

قد تكلم الرب عليكم يا بقية يهوذا لا تدخلوا مصر.

اعلموا علما اني قد انذرتكم اليوم.

لانكم قد خدعتم انفسكم ،

اذ ارسلتموني الى الرب الهكم قائلين :

صلّ لاجلنا الى الرب الهنا ،

وحسب كل ما يقوله الرب الهنا هكذا اخبرنا فنفعل.

فقد اخبرتكم اليوم فلم تسمعوا لصوت الرب الهكم ،

ولا لشيء مما ارسلني به اليكم.

فالآن اعلموا علما انكم تموتون بالسيف والجوع والوبإ في الموضع الذي ابتغيتم ان تدخلوه لتتغربوا فيه " ع 13 – 22

بعد أن تحدث عن بركات السلوك حسب مشورته قدم لعنة العصيان :

أ – من يذهب إلى مصر يلحقه السيف ، أو يسقط تحت الجوع أو يتعرض للوبأ وهناك يموت ( ع 10 – 16 ) ، إن كان يهرب من يهوذا خشية انتقام ملك بابل منه فإنه فى الواقع يهرب من الأمان إلى الهلاك المحقق .

ب – الله الصانع الخيرات ، محب البشر ، يجلب عليهم شرا ( تأديبا ) لن يهبوا منه ، إذ يسقطون تحت غضبه الإلهى .

جـ - الذين يهربون إلى مصر جميعهم لا ينجون .

د – الذين يذهبون إلى مصر لن يروا أرض الموعد بعد .

مسكين من يظن أن الوصية الإلهية تفقده شيئا أو تحرمه من الملذات !

عصيان الرب يدفع إلى الهلاك غير المتوقع ، ويحرم الإنسان من مصدر حياته ، ويفقده الأحضان الإلهية .

لقد جاءت إجابة الله تفضح رياءهم وتكشف عن تمسكهم بآرائهم الذاتية ، إنه فاحص القلوب الذى يطلب تقديسها وتطهيرها خاصة من الرياء .

+ + +
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://eng.roniajesus@yahoo.com
بحبك يا مارمينا
خادم المنتدى
avatar

انثى عدد الرسائل : 785
العمر : 29
المزاج : نشكرربناعلي كل حال
اعلام الدول :
المهنة :
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: *** موضوع متكامل لتفسير سفر ارميا كتابيا ***   الجمعة فبراير 12, 2010 11:41 pm

إرميا – الإصحاح الرابع والأربعون

نبواته فى مصر

فى هذا الإصحاح يوبخ إرميا النبى اليهود الذين فى مصر بوجه عام وإلى تجمعات خاصة بهم فى البلاد الكبيرة . عوض التوبة اشتركوا فى عبادة الأوثان ، بل واندفعوا فيها ، وظنوا أنها تقدم لهم الكثير . وقدموا تبريرات لممارستهم العبادة الوثنية ، لذلك يعلن الله قضاءه عليهم كما على المصريين الذين اتكلوا عليهم وشاركوهم عبادتهم . لقد نسوا ما حل بآبائهم بسبب انحرافهم إلى الوثنية ولم يأخذوا درسا من الماضى .



( 1 ) موجز الأحداث
" الكلمة التي صارت الى ارميا من جهة كل اليهود الساكنين في ارض مصر ،

الساكنين في مجدل وفي تحفنحيس وفي نوف وفي ارض فتروس قائلة :

هكذا قال رب الجنود اله اسرائيل :

انتم رأيتم كل الشر الذي جلبته على اورشليم وعلى كل مدن يهوذا ،

فها هي خربة هذا اليوم وليس فيها ساكن .

من اجل شرهم الذي فعلوه ليغيظوني ،

اذ ذهبوا ليبخروا ويعبدوا آلهة اخرى لم يعرفوها هم ولا انتم ولا آباؤكم.

فارسلت اليكم كل عبيدي الانبياء مبكرا ومرسلا قائلا :

لا تفعلوا امر هذا الرجس الذي ابغضته.

فلم يسمعوا ولا امالوا اذنهم ليرجعوا عن شرهم ،

فلا يبخروا لآلهة اخرى.

فانسكب غيظي وغضبي واشتعلا في مدن يهوذا وفي شوارع اورشليم ،

فصارت خربة مقفرة كهذا اليوم " ع 1 – 6 .

يتحدث إرميا بكلمة الرب إلى اليهود الذين تشتتوا فى مصر . فإنهم وإن كانوا قد عصوا الرب ، والتجأوا إلى مصر عوض الألتجاء إلى الله بالتوبة ، فإن الله لا يتركهم يهلكون ، إنما يتحدث معهم حتى فى الشتات .

يحذرهم بقوة لئلا يرتكبوا خطايا أسلافهم التى سببت خرابا ودمارا لمدن يهوذا ، خاصة أورشليم . وكأنه لا يلقى اللوم على ملك بابل ولا على إرميا بل على الشعب الذى مارس الشر ( ع 3 ) فدخل تحت الغضب الإلهى ( ع 6 ) .

( 2 ) التنديد والمحاكمة
" فالآن هكذا قال الرب اله الجنود اله اسرائيل :

لماذا انتم فاعلون شرا عظيما ضد انفسكم لانقراضكم رجالا ونساء اطفالا ورضعا من وسط يهوذا ولا تبقى لكم بقية ؟! " ع 7

ما قد فعلوه حطمهم وسيحطم الأجيال المقبلة ، إذ دخلوا بأطفالهم والرضع إلى الشر . كأن الله يقول لهم : " إنكم لا تصيبونى بضرر ما ، إنما تضرون أنفسكم وأولادكم . أليست أنفسكم لها وزنها فى أعينكم ؟!

" لاغاظتي باعمال اياديكم اذ تبخرون لآلهة اخرى في ارض مصر التي اتيتم اليها لتتغربوا فيها ،

لكي تنقرضوا ولكي تصيروا لعنة وعارا بين كل امم الارض " ع 8

يوبخهم على استمرارهم فى العبادة الوثنية ، مقدمين بخورا للأوثان . إنهم دفعوا بأنفسهم إلى السقوط تحت التجربة بهروبهم إلى مصر حيث تنتشر العبادة الوثنية ، مقاومين فكر الله . لقد ألقوا أنفسهم بأنفسهم فى أرض الخطية .

" هل نسيتم شرور آبائكم ،

وشرور ملوك يهوذا ،

وشرور نسائهم ،

وشروركم ،

وشرور نسائكم ،

التي فعلت في ارض يهوذا وفي شوارع اورشليم " ع 9

يذكرهم بشرور آبائهم ونسائهم ، هنا يوضح أن الشر كان منتشرا على مستوى الملوك والشعب ، يمارس علانية فى أرض الموعد وفى مدينة الله ، وأوضح أيضا دور النساء فى الإغراء على عبادة الأوثان ، كما حدث مع آخاب وسليمان الحكيم .

" لم يذلّوا الى هذا اليوم ولا خافوا ولا سلكوا في شريعتي وفرائضي التي جعلتها امامكم وامام آبائكم .

لذلك هكذا قال رب الجنود اله اسرائيل :

هانذا اجعل وجهي عليكم للشر ولأقرض كل يهوذا.

وآخذ بقية يهوذا الذين جعلوا وجوههم للدخول الى ارض مصر ليتغربوا هناك ،

فيفنون كلهم في ارض مصر.

يسقطون بالسيف وبالجوع يفنون من الصغير الى الكبير ،

بالسيف والجوع يموتون ويصيرون حلفا ودهشا ولعنة وعارا.

واعاقب الذين يسكنون في ارض مصر كما عاقبت اورشليم بالسيف والجوع والوبإ.

ولا يكون ناج ولا باق لبقية يهوذا الآتين ،

ليتغربوا هناك في ارض مصر ،

ليرجعوا الى ارض يهوذا التي يشتاقون الى الرجوع لاجل السكن فيها ،

لانه لا يرجع منهم الا المنفلتون " ع 10 – 14

حين كانوا فى يهوذا كانوا يطلبون الذهاب إلى مصر ، وإذ جاءوا إلى مصر يشتهون العودة إلى يهوذا .

فى ع 13 يحدثهم عن معاقبة الذين يسكنون فى مصر ، هنا يشير إلى الحملة التأديبية التى قادها نبوخذنصر عام 568 / 567 ق.م. ،

حتى فى عقاب البقية العاصية سوف يسمح الله لقليل من الناجين بالتسرب إلى يهوذا وبذلك يسمح بالأتصال بين الشعب والأرض .



( 3 ) الرد المخزى للبقية
" فاجاب ارميا كل الرجال الذين عرفوا ان نساءهم يبخّرن لآلهة اخرى ،

وكل النساء الواقفات محفل كبير ،

وكل الشعب الساكن في ارض مصر في فتروس قائلين :

اننا لا نسمع لك الكلمة التي كلمتنا بها باسم الرب ،

بل سنعمل كل امر خرج من فمنا ،

فنبخر لملكة السموات ونسكب لها سكائب ،

كما فعلنا نحن وآباؤنا وملوكنا ورؤساؤنا في ارض يهوذا وفي شوارع اورشليم فشبعنا خبزا وكنا بخير ولم نر شرا.

ولكن من حين كففنا عن التبخير لملكة السموات وسكب سكائب لها احتجنا الى كل وفنينا بالسيف والجوع.

واذ كنا نبخر لملكة السموات ونسكب لها سكائب فهل بدون رجالنا كنا نصنع لها كعكا لنعبدها ونسكب لها السكائب ؟! " ع 15 – 19

مما لا يصدقه عقل أن السامعين العصاة ينسبون نجاحهم إلى طقوس العبادات الوثنية التى تمارسها زوجاتهم .

واضح هنا دور نسائهم فى إغراء رجالهن على عبادة الأوثان ( 1 مل 11 : 4 ؛ 1 تى 2 : 14 ) مع استخدام أسلوب التحدى ضد الله ، تحدى النساء على كل المستويات ، من نساء ملوك ورؤساء وعامة الشعب ( ع 16 ) ، ما أصعب أن يتحدى الإنسان الله نفسه !

ملكة السموات : يقصد بها القمر

كانوا يدعون الشمس " ملكا " والقمر " ملكة " .



( 4 ) رسالة إرميا الأخيرة
" كلم ارميا كل الشعب الرجال والنساء وكل الشعب الذين جاوبوه بهذا الكلام قائلا :

أليس البخور الذي بخرتموه في مدن يهوذا وفي شوارع اورشليم انتم وآباؤكم وملوككم ورؤساؤكم وشعب الارض هو الذي ذكره الرب وصعد على قلبه؟

ولم يستطع الرب ان يحتمل بعد من اجل شر اعمالكم ،

من اجل الرجاسات التي فعلتم ،

فصارت ارضكم خربة ودهشا ولعنة بلا ساكن كهذا اليوم.

من اجل انكم قد بخرتم واخطأتم الى الرب ،

ولم تسمعوا لصوت الرب ،

ولم تسلكوا في شريعته وفرائضه وشهاداته ،

من اجل ذلكم قد اصابكم هذا الشر كهذا اليوم.

ثم قال ارميا لكل الشعب ولكل النساء :

اسمعوا كلمة الرب يا جميع يهوذا الذين في ارض مصر.

هكذا تكلم رب الجنود اله اسرائيل قائلا :

انتم ونساؤكم تكلمتم بفمكم واكملتم باياديكم قائلين :

اننا انما نتمم نذورنا التي نذرناها ان نبخر لملكة السموات ونسكب لها سكائب فانهنّ يقمن نذوركم ويتممن نذوركم.

لذلك اسمعوا كلمة الرب يا جميع يهوذا الساكنين في ارض مصر :

هانذا قد حلفت باسمي العظيم قال الرب ان اسمي لن يسمى بعد بفم انسان ما من يهوذا في كل ارض مصر قائلا حيّ السيد الرب.

هانذا اسهر عليهم للشر لا للخير فيفنى كل رجال يهوذا الذين في ارض مصر بالسيف والجوع حتى يتلاشوا.

والناجون من السيف يرجعون من ارض مصر الى ارض يهوذا نفرا قليلا ،

فيعلم كل بقية يهوذا الذين أتوا الى ارض مصر ليتغربوا فيها كلمة ايّنا تقوم .

وهذه هي العلامة لكم يقول الرب اني اعاقبكم في هذا الموضع لتعلموا انه لا بد ان يقوم كلامي عليكم للشر.

هكذا قال الرب :

هانذا ادفع فرعون حفرع ملك مصر ليد اعدائه وليد طالبي نفسه كما دفعت صدقيا ملك يهوذا ليد نبوخذراصر ملك بابل عدوه وطالب نفسه " ع 20 – 30

يقدم لهم علامة لتأكيد كلماته وهى أنهم إذ يتكلون على فرعون لحمايتهم من ملك بابل ، إذ كانوا يتوقعون منه ما لم يتوقعوه من صدقيا ، لكن باطلا يستطيع أن يحمى حتى عرشه أو نفسه .

لقد ظن اليهود أن مصر بلد حصين ، تحميه حواجز طبيعية ، لن يستطيع عدو أن يقتحمها ، لهذا يؤكد هنا انهيار فرعون حفرع أمام ملك بابل .

يقول المؤرخون أن فرعون هذا مات ميتة شنيعة .

يذكر هيرودت أن قائد جيشه وهو شاب من أقربائه يسمى أحمس تمرد عليه ونصب نفسه ملكا على مصر ، وحاول حفرع أن يهزم أحمس فى معركة فى عام 566 ق.م. ، لكنه قتل ، كما تنبأ إرميا . ولا يعرف إن كان أرميا قد عاش ليرى تحقيق ذلك أم لا ، إذ حدثت القلاقل فى مصر ، ظهر نبوخذنصر هناك .

هذا هو الحديث الأخير لإرميا النبى الذى تم فى مصر ، لم نسمع عنه بعد ذلك شيئا فى الكتاب المقدس ، ولم يخبرنا تلميذه باروخ عن رحيله من العالم ، لكن جاء فى التقليد المسيحى أن اليهود رجموه فى تحفنيس .

+ + +
إرميا – الإصحاح الخامس والأربعون

حديث معزى مع باروخ

جاء هذا الإصحاح بعد الإصحاح الرابع والأربعين المشتمل على التهديدات القاسية ضد اليهود فى مصر ، الذين كان من بينهم باروخ الذى حمل إلى مصر قسرا . وكأن هذه الرسالة تقدم استثناء لباروخ مما قيل عن الذين فى مصر .

كان باروخ فى حاجة إلى مساندة إلهية لكى يخلص من حالة اليأس التى تسربت إلى نفسه

مع قصر هذه الرسالة فإنها حديث إلهى مملوء بالرجاء الحى ، موجه إلى كل مؤمن يعمل فى كرم الرب لكى يمتلىء رجاءا ، مهما بدت الظروف قاسية .

إنها رسالة إلهية تعلن عن عنايته التى لن تخيب ، وحبه الشديد للعاملين لحسابه ، ونظراته المملوءة حنانا وترفقا . فإنه يهتم بنفسياتهم كما بكل احتياجاتهم .



( 1 ) تاريخ الحديث
من الناحية التاريخية يأتى هذا الإصحاح بعد 36 : 8 ، فالعبارة التالية تشير إلى الكلام الذى أملاه إرميا إلى باروخ وقرىء على الملك يهوياقيم ومستشاريه ثم ألقى فى النار بكل احتقار .

" الكلمة التي تكلم بها ارميا النبي الى باروخ بن نيريا عند كتابته هذا الكلام في سفر عن فم ارميا في السنة الرابعة ليهوياقيم بن يوشيا ملك يهوذا قائلا " ع 1



( 2 ) حالة إحباط
" هكذا قال الرب اله اسرائيل لك يا باروخ.

قد قلت ويل لي لان الرب قد زاد حزنا على المي.

قد غشي علي في تنهدي ولم أجد راحة " ع 2 – 3

يبدو أن باروخ شعر بأن رفض الملك لكلمة الله إهانة موجهة إليه شخصيا ، أو موجهة إليه مع أرميا ، لا إلى الرب الذى أمر بكتابة هذا الكلام على الدرج ، وهذا أوجد عنده شعور بالخيبة والفشل ، لذلك تنهد باروخ ولم يجد راحة . لقد كان مضغوطا بالخوف ولم يقدر أن ينام ، وتثقل بالحزن والألم فدخل فى حالة إحباط .

سبق أن رأينا إرميا النبى يتعرض لنفس المشاعر إلى حين . هذا هو الضعف البشرى الذى يلاحق حتى الأنبياء أحيانا ، لكن الله لا يتركهم بلا عون !



( 3 ) رسالة رجاء
إذ استخدم الله باروخ أداة لإعلان مشورته الإلهية إلى الآخرين لا يمكن أن يهمله الرب عندما يدخل فى حالة احباط ، لذلك يوجه الرب إليه الرسالة الخاصة التالية :

" هكذا تقول له :

هكذا قال الرب :

هانذا اهدم ما بنيته واقتلع ما غرسته وكل هذه الارض.

وانت فهل تطلب لنفسك امورا عظيمة ؟! لا تطلب.

لاني هانذا جالب شرا على كل ذي جسد يقول الرب ،

واعطيك نفسك غنيمة في كل المواضع التي تسير اليها " ع 5

إن كان الحكم قد صدر على كل الدول فى ذلك الحين ، لكن جاء الأمر الإلهى مشددا على شعبه ، فقد بناه بنفسه وغرسه ككرم خاص به ، لكن بسبب العصيان قام الله نفسه بهدمه واقتلاعه .

يقدم الرب إلى باروخ كلمة تصلح شعارا لكل واحد منا ، هذه الكلمة هى : " وأنت ، فهل تطلب لنفسك أمورا عظيمة ؟ لا تطلب " . فكم يميل القلب إلى طلب الأمور العظيمة .

كان باروخ رجلا متعلما ، أعد ليكون كاتبا ، وكان أخوه سرايا رئيس المحلة عند صدقيا الملك ( 51 : 59 ) ، لذلك ربما ترجى باروخ أن ينال منصبا فى القصر الملكى لخدمة شعبه ، لكنه يرى كل شىء ينهار أمامه .

لننظر إلى مسيحنا الذى لم يكن له موضع فى المنزل عند ولادته ، استعار الجحش والأتان ليركب عليهما ، كما استعار من إنسان علية لعشاء الفصح ، بينما أقرضه آخر قبره الجديد . قيل عنه : " وأخر كثيرات كن يخدمنه من أموالهن " ( لو 8 : 3 ) . كانت للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار ، أما هو فلم يكن له موضع يسند فيه رأسه ( مت 8 : 10 ) ، قيل عن الآخرين : فمضى كل واحد إلى بيته ، أما يسوع فمضى إلى جبل الزيتون " ( يو 7 : 53 ، 8 : 1 ) ، لأنه لم يكن له بيت هنا . وينطبق عليه تماما القول : " لماذا تكون كغريب فى الأرض وكمسافر يميل ليبيت ؟! " ( إر 14 : 8 ) .

لم يكن له موضع بين العظماء أثناء وجوده بالجسد على الأرض ، بل كان دائما غريبا . كان مرفوضا حتى من خاصته ( يو 1 : 11 ) ، ليتنا نحن أيضا لا نطلب أمورا عظيمة فى هذا العالم ، الأمور العظيمة المختصة بنا آتية عما قريب وهى الأمور الباقية والثابتة ، لأن الأمور التى ترى هى وقتية أما التى لا ترى فهى أبدية ( 2 كو 4 : 18 )

نجد توبيخا لباروخ لشعوره بالأكتئاب فيما يخص مستقبله . حقا سيجىء القضاء ، لكن هذا القضاء لا يمكن أن يمسه بأى سوء ، فليأت السيف ولتأت المجاعة وليأت الوباء ويهلك الكثيرون أما باروخ فيحفظه الرب . وإن هاج الناس عليه لا يمكن أن يصيبه أذى أو سوء ، لأن الرب سند له ! .

+ + +
إرميا – الإصحاح السادس والأربعون

ارتعاب مصر الوثنية

تشمل الإصحاحات من 46 إلى 51 نبوات عن الأمم .



( 1 ) دعوة إلى معركة
" كلمة الرب التي صارت الى ارميا النبي عن الامم.

عن مصر عن جيش فرعون نخو ملك مصر ،

الذي كان على نهر الفرات في كركميش الذي ضربه نبوخذراصر ملك بابل ،

في السنة الرابعة ليهوياقيم بن يوشيا ملك يهوذا " ع 1 – 2 .

بقى الجيش المصرى مرابضا فى كركميش ( فى الطريق بين بابل ومصر ) لمدة أربع سنوات ( 609 – 605 ق.م. ) خلالها كان فرعون مسيطرا على سوريا ومصر ، يقيم لهم ملوكا يحركهم كما يشاء كدميات ، أما القوة الرئيسية الأخرى أى البابلية فكانت منشغلة بأمور أخرى ، وأخيرا هجم الجيش البابلى على المصريين فى كركميش لأقتلاعهم تماما .

تصف النبوة ما كان عليه جيش مصر وذلك فى شكل دعوى إلى المعركة موجهة من قادة الجيش المصرى إلى رجالهم الأبطال :

" اعدّوا المجن والترس وتقدموا للحرب.

اسرجوا الخيل واصعدوا ايها الفرسان وانتصبوا بالخوذ.

اصقلوا الرماح.البسوا الدروع " ع 3 – 4 .

طلب القادة أن يعد الكل المجن والترس ، أى يحملوا العدة الحربية بكل احجامها وأنواعها ، وأن يستعد الفرسان وقادة المركبات . فقد عرفت مصر كأفضل مصدر للأنواع الجيدة للخيول ( 1 مل 10 : 28 ) .



( 2 ) ارتعاب مصر
" لماذا اراهم مرتعبين ومدبرين الى الوراء وقد تحطمت ابطالهم وفرّوا هاربين ولم يلتفتوا ؟!

الخوف حواليهم يقول الرب.

الخفيف لا ينوص والبطل لا ينجو.

في الشمال بجانب نهر الفرات عثروا وسقطوا " ع 5 – 6 .

رأى إرميا بروح النبوة كيف انهار جيش فرعون عند هزيمتهم على يدى نبوخذنصر ، فقد كانت الضربة غير متوقعة وذلك بالنسبة للأستعدادات الضخمة التى كانت لجيش فرعون ولكبريائهم وتشامخهم كأعظم قوة عالمية فى ذلك الحين .



( 3 ) كبرياء مصر
" من هذا الصاعد كالنيل كانهار تتلاطم امواهها ؟!

تصعد مصر كالنيل وكانهار تتلاطم المياه.

فيقول اصعد واغطي الارض.

اهلك المدينة والساكنين فيها " ع 7 – 8

خطية فرعون هى الكبرياء ، إذ كان بجيشه القوى يظن أنه قادر أن يفعل كل شىء . فى تشامخه ظن أنه كنهر النيل الذى فى فترة فيضانه تمتلىء قنواته كأنهار تجرى حوله لتغطى الأراضى بمياهها وطميها . فى كبرياء يقول فرعون : " نهر لى وأنا عملته لنفسى " حز 29 : 3 .



( 4 ) يوم للسيد الرب
" اصعدي ايتها الخيل وهيجي ايتها المركبات ولتخرج الابطال.

كوش وفوط القابضان المجن واللوديون القابضون والمادون القوس.

فهذا اليوم للسيد رب الجنود يوم نقمة للانتقام من مبغضيه ،

فياكل السيف ويشبع ويرتوي من دمهم.

لان للسيد رب الجنود ذبيحة في ارض الشمال عند نهر الفرات " ع 9 – 10 .

إذ يتطلع إرميا النبى إلى المعركة ويرى انهيار فرعون وجيشه مع القوات المرتزقة الذين أستأجرهم ، يدعو ذلك اليوم " يوم للسيد رب الجنود " . إنه ليس كيوم معركة هرمجدون " يوم الله القادر على كل شىء " ( رؤ 16 : 14 ) ، إنما يشبهه .

هو يوم نقمة حيث يسقط فرعون وجيشه مع القوات المرتزقة أو المتحالفة معه القادمة من كوش ( أثيوبيا أو النوبة ) وفوط ( ليبيا ) واللوديون ( أفريقيون غالبا ) .



( 5 ) سقوط مصر
" اصعدي الى جلعاد وخذي بلسانا يا عذراء بنت مصر.

باطلا تكثرين العقاقير.

لا رفادة لك.

قد سمعت الامم بخزيك ،

وقد ملأ الارض عويلك ،

لان بطلا يصدم بطلا فيسقطان كلاهما معا " ع 11 – 12 .

إذ سقط جيش فرعون لم يعد يرى النبى فى الجيش أبطالا ، بل رآه كله أشبه بفتاة أو ببنت ضعيفة مجروحة ، جراحاتها خطيرة لا يرجى شفائها .

إنها دعوة إلى الأمم التى يرمز لها بمصر لتترك عقاقيرها الكثيرة وتلجأ إلى كنيسة المسيح ، هناك تتحد مع المخلص الذى يضمد جراحات النفس ويشفيها .



( 6 ) قضاء من بابل
" الكلمة التي تكلم بها الرب الى ارميا النبي في مجيء نبوخذراصر ملك بابل ليضرب ارض مصر.

اخبروا في مصر واسمعوا في مجدل واسمعوا في نوف وفي تحفنحيس قولوا انتصب وتهيأ لان السيف ياكل حواليك.

لماذا انطرح مقتدروك ؟!

لا يقفون لان الرب قد طرحهم.

كثر العاثرين حتى يسقط الواحد على صاحبه ويقولوا :

قوموا فنرجع الى شعبنا والى ارض ميلادنا من وجه السيف الصارم.

قد نادوا هناك فرعون ملك مصر هالك.

قد فات الميعاد " ع 13 – 17 .

يرى البعض أن الحديث هنا عن المعركة التى تمت بعد معركة كركميش بحوالى 15 أو 16 عاما حيث جاء ملك مصر بجيشه العظيم لمحاربة نبوخذنصر أثناء حصاره أورشليم ، اضطر نبوخذنصر إلى فك الحصار مؤقتا حتى يحقق نصرته على جيش فرعون ويعود ثانية إلى محاصرة المدينة واقتحامها ( 37 : 1 – 10 ) . بعد عودته إلى بابل تحققت هذه النبوة إذ عاد ليقيم حربا مع مصر ليهزمها تماما ، فصارت بابل القوة العظمى الوحيدة فى العالم فى ذلك الحين ( دا 2 : 37 – 42 ؛ 7 : 4 ) .

يكشف ع 16 عن انهيار الجنود المرتزقة أو المتحالفة مع فرعون فقد أخذوا درسا قاسيا من المعركة ، وقرروا العودة إلى بلادهم ، إذ قالوا : " قوموا فنرجع إلى شعبنا وإلى أرض ميلادنا من وجه السيف الصارم " ( ع 16 ) .



( 7 ) سبى وخراب
أخيرا يصور لنا الخراب الذى حل بمصر التى ظنت أنها قدرة على إنقاذ يهوذا من أيدى البابليين :

أ – ارتفاع اسم بابل أو ملكها نبوخذنصر

" حيّ انا يقول الملك رب الجنود ،

اسمه كتابور بين الجبال وككرمل عند البحر يأتي " ع 18

يبدو أن إرميا النبى رأى فى نبوخذنصر الذى غزا مصر بقوة جبلا عاليا يرتفع فوق السهل ، إنه مثل جبل تابور الذى يرتفع حوالى 1800 قدما كجبل منفرد فى سهل يزرعيل فى شمال إسرائيل ، أو مثل جبل الكرمل عند البحر الذى تبلغ قمته حوالى 1700 قدما وينحدر سفحه الغربى بحدة نحو البحر المتوسط .

ب – صارت مصر بنتا عاجزة عن التصرف :

" اصنعي لنفسك أهبة جلاء ايتها البنت الساكنة مصر ،

لان نوف تصير خربة وتحرق فلا ساكن " ع 19

جاءت الضربة قاضية فى هذه المرة ، حيث حطمت مصر كلها ، خاصة المدن الكبرى . يصور مصر بفتاة مسبية لا تقدر على الدفاع عن نفسها أو الهروب من الذين أسروها ، هذا عن جيشها العظيم وملكها فرعون المتشامخ ، أما عن الأرض فصارت نوف وهى من المدن الكبرى كما رأينا خرابا ، أحرقتها النيران ، لا يقطنها إنسان .

جـ - صارت مصر كعجلة مسمنة لا تصلح إلا للذبح

" مصر عجلة حسنة جدا.

الهلاك من الشمال جاء جاء " ع 20

لقد ظن فرعون بجيشه الذى من بين معبوداته الرئيسية عجل أبيس ، أنه قادر أن يخلص شعب يهوذا الذى فى نظره يعجز الله رب الجنود عن إنقاذه . لم يدرك فرعون أنه قد حول بهذا الفكر مصر إلى عجلة تحمل الصورة الحسنة جدا ، وذلك بسبب شهرتها فى العالم كله ، وقوة جيشها ، وإمكانياتها من جهة الخيول والمركبات وكل العدة الحربية . لكنها عجلة سمينة عاجزة عن أى عمل ، لا تصلح إلا لذبحها ، يأتى الذين من الشمال ( بابل ) ليذبحوها .

د – حولت حلفاءها والجنود المرتزقة إلى عجول سمينة

" ايضا متسأجروها في وسطها كعجول صيرة.

لانهم هم ايضا يرتدون يهربون معا.

لم يقفوا لان يوم هلاكهم اتى عليهم وقت عقابهم " ع 21

لم تصر مصر الوثنية وحدها عجلة كمعبودها عجل أبيس ، وإنما حولت مستأجريها أى القوات المرتزقة الأجيرة والتى حلت فى وسطها وشاركتها عبادة العجل إلى عجول صيرة أى سمينة . جاءوا للدفاع عنها مع جيشها فصارت ذبائح سمينة للقتل .

هـ - صارت حركتها كحفيف الحية

" صوتها يمشي كحية ،

لانهم يسيرون بجيش وقد جاءوا اليها بالفؤوس كمحتطبي حطب " ع 22

استخدم إرميا النبى تشبيه الحية الخارجة من الغابة لتضرب بالفؤوس ، لأنه كان للحية مكانة عالية بين الآلهة عند المصريين ، إنها عاجزة ليس فقط عن حماية العابدين لها ، بل وحتى عن حماية نفسها .

و – صارت كشجرة تسقط تحت ضربات فؤوس كثيرة

" يقطعون وعرها يقول الرب وان يكن لا يحصى لانهم قد كثروا اكثر من الجراد ولا عدد لهم " ع 23

ز – صارت كفتاة بيعت لشعب معاد لها

" قد أخزيت بنت مصر ودفعت ليد شعب الشمال.

قال رب الجنود اله اسرائيل :

هانذا اعاقب آمون نو وفرعون ومصر وآلهتها وملوكها فرعون والمتوكلين عليه. وادفعهم ليد طالبي نفوسهم وليد نبوخذراصر ملك بابل وليد عبيده " ع 24 – 26



( 8 ) تعمير مصر
" ثم بعد ذلك تسكن كالايام القديمة يقول الرب " ع 26

لا يختم على مصر بالخراب بل بالتعمير ، فالله وإن كان يؤدب لكنه يشتاق إلى تقديس كل بشر . لقد كشف بتأديباته عن جراحات النفس لا لتبقى فى آلامها بل لتطلب يد الطبيب السماوى ، فيضمد جراحاتها ، ويقدم لها نفسه بلسما من جلعاد فتنعم بكمال الصحة .



( 9 ) إصلاح إسرائيل الجديد

" وانت فلا تخف يا عبدي يعقوب ولا ترتعب يا اسرائيل ،

لاني هانذا اخلصك من بعيد ونسلك من ارض سبيهم فيرجع يعقوب ويطمئن ويستريح ولا مخيف.

اما انت يا عبدي يعقوب فلا تخف لاني انا معك لاني افني كل الامم الذين بددتك اليهم.

اما انت فلا افنيك بل اؤدبك بالحق ولا ابرئك تبرئة " ع 27 – 28

التقينا بهذا النص قبلا فى ( إر 30 : 10 – 11 ) يتبعه وعد مسيانى ( داود ملكهم إر 30 : 9 ) . هنا نلاحظ أن الوعد قد جاء مباشرة بعد تقديم وعد إلهى لمصر بتعميرها بعد الخراب ، وكأن ما تناله مصر من وعود مرتبط بخلاص إسرائيل الجديد ، وتمتع الأمم بالإيمان الحى .

للنص تفسيران:

أولا : التفسير التاريخى : إذ تحقق ذلك بالعودة من السبى البابلى ...

ثانيا : التفسير التأويلى : إسرائيل هنا هى كنيسة العهد الجديد ، الشعب القادم من كل الأمم ، يعقوب المجاهد الروحى الذى انعتق من سبى الخطية ودخل إلى التمتع بأورشليم العليا ، ونال عربون السمويات .

+ + +
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://eng.roniajesus@yahoo.com
بحبك يا مارمينا
خادم المنتدى
avatar

انثى عدد الرسائل : 785
العمر : 29
المزاج : نشكرربناعلي كل حال
اعلام الدول :
المهنة :
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: *** موضوع متكامل لتفسير سفر ارميا كتابيا ***   الجمعة فبراير 12, 2010 11:42 pm

إرميا – الإصحاح السابع والأربعون

سيف الرب على الفلسطينيين الوثنيين

والقوات المتحالفة معهم



( 1 ) نبوات ضد الفلسطينيين الوثنيين
" كلمة الرب التي صارت الى ارميا النبي ،

عن الفلسطينيين قبل ضرب فرعون غزة " ع 1

يتحدث عن انهيار الفلسطينيين هكذا :

"هكذا قال الرب :

ها مياه تصعد من الشمال وتكون سيلا جارفا فتغشي الارض وملأها،

المدينة والساكنين فيها ،

فيصرخ الناس ويولول كل سكان الارض " ع 2

أ – يصعد الجيش البابلى الذى زحف بقوة عليهم بعد غلبته على المصريين فى كركميش كمياة تنهار عليهم من الشمال ( ع 3 ) ، هنا لا يقصد بـ " الشمال " الأتجاه الجغرافى فحسب ، لكنه يرمز للقوة المضادة أيا كان مصدرها .

ب – يحل الجيش المهاجم عليهم كسيل جارف ( ع 2 ) يغرق الأرض وكل ملئها ، المدينة والساكنين فيها ( ع 2 ) . يشبه الكلدانيون بالسيل الجارف أو فيضان مياة كثيرة تصدر عن نهرهم أى الفرات . كثرة المياة تعنى كثرة الجماهير التى تحل على موقع ما كفيضان .

جـ - " من صوت قرع حوافر اقويائه ،

من صرير مركباته ،

وصريف بكراته ،

لا تلتفت الآباء الى البنين بسبب ارتخاء الايادي " ع 3

يفقدون حتى العواطف الطبيعية التى تربط الوالدين بأبنائهم ، إذ لا يلتفت الآباء إلى بنيهم حيث ترتخى أياديهم بسبب صوت الجيش المرعب الصادر عن حوافز الخيول والمركبات العسكرية والبكرات . ليس لديهم الشجاعة ولا القوة للعودة إلى الخلف لإنقاذ أبنائهم الذين تركوهم .

حقا إذ تدخل الخطية إلى القلب ترهبه فلا يبالى الإنسان بخلاص نفسه وخلاص بنيه ... لا يلتفت إليهم ، بل يصير فى رعب ورعدة .

د – : " بسبب اليوم الآتي لهلاك كل الفلسطينيين لينقرض من صور وصيدون كل بقية تعين ،

لان الرب يهلك الفلسطينيين بقية جزيرة كفتور " ع 4

يحطم المتحالفين معهم ، صور وصيدا ( ع 4 ) ويهلك الفلسطينيون فى جذورهم إذ يشير إليهم فى جزيرة كفتور ، وهى تشير فى العهد القديم إلى جزيرة كريت ، الأرض التى جاء منها الفلسطينيون أصلا ( عا 9 : 7 ) . ربما قصد بالكريتيين هنا جماعة من الفلسطينيين كانوا قد قدموا من جزيرة كريت فى الربع الأول من القرن الثانى عشر ق.م.

هـ - " أتى الصلع على غزة " ع 5

تشبه فلسطين بسيدة أو فتاة قصت شعرها حتى القرع ، وجرحت جسمها . هذه وسائل وثنية تستخدم للتعبير عن الحزن الشديد ( لا 19 : 28 ) ، خاصة عند موت الأقرباء جدا ( 16 : 6 ، 41 : 5 ) أو هو وصف يعبر عن مسح غزة من كل إنسان كما بموسى فلا يترك فيها أحد . ربما يقصد بالصلع أن العدو سلبهم كل ممتلكاتهم من ذهب وفضة وحجارة كريمة فصاروا كالقرع بلا زينة .

و – " أهلكت اشقلون مع بقية وطائهم " ع 5

أشقلون : هى إحدى المدن الفلسطينية الخمس الرئيسية .

ط – تصاب النفس بالجراحات إراديا ، فمن يخضع للخطية يحطم نفسه بالجراحات الداخلية ، لذا يقال لها بروح التوبيخ :

" حتى متى تخمشين نفسك ؟!

آه يا سيف الرب حتى متى لا تستريح ؟!

انضم الى غمدك اهدأ واسكن.

كيف يستريح والرب قد اوصاه ؟!

على اشقلون وعلى ساحل البحر هناك واعده " ع 5 – 7

يسمى سيف بابل هنا " سيف الرب " ، لأنه يشبه المنجل فى يد الله ، به يحصد سكان المدن الذين كمل شرهم وسقطوا تحت الغضب الإلهى .

كما أن كلمة الله لا ترجع فارغة حتى تحقق رسالتها ، هكذا سيف الرب ( أو تأديبه ) لا يتوقف حتى يتمم ما أرسل لأجله .

( 2 ) نبوات ضد صور وصيدا
" لينقرض من صور وصيدون كل بقية تعين " ع 4

فى سفر إشعياء النبى يشبه الله صور " بزانية تزنى مع كل ممالك البلاد على وجه الأرض " ( إش 23 : 17 ) ، لكنها إذ تتمتع بالإيمان الحى " تكون تجارتها وأجرتها قدسا للرب " ( إش 26 : 18 ) .

نالت كل من صور وصيدا نصيبهما من الجيش البابلى لمنع أية قوة عسكرية فينيقية تهب لنجدة فلسطين من أيدى البابليين . قدم حزقيال النبى نبوات ضد صور وصيدا ( حز 27 ، 26 ) .

+ + +
__________________
إرميا – الإصحاح الثامن والأربعون

نبوات ضد موآب

بدأت النبوات ضد الأمم بمصر الوثنية التى تشير إلى محبة العالم ، ثم ضد الفلسطينيين الوثنيين الذى يشيرون إلى روح العنف والعداوة ، ثم صور وصيدا اللتين تشيران إلى المتحالفين مع الشر . هنا يتحدث عن موآب الذى وإن اتسم بالكبرياء كغيره من الشعوب المقاومة لله لكن سمته الرئيسية هى الفساد ، فبجانب أن أبيهم موآب هو ثمرة علاقة أمه بأبيها لوط وهو فى حالة سكر ، فإن نساء موآب أقاموا علاقة زنى مع شعب الله وأغروهم على ارتكاب النجاسة مع عبادة الأصنام ، عندئذ يتخلى الله عنهم فيضعفون وينهارون ( عدد 25 : 1 – 3 ) .

يشير موآب إلى " روح عدم التمييز " فقد ظن أنه لا فرق بين الله الحى والآلهة الوثنية ، إلههم ( الإله كموش ) ، وحسب بهلاك يهوذا وتدمير أورشليم أن لا خلاص للشعب مرة أخرى .



( 1 ) الله الحى ضد كموش
" عن موآب.هكذا قال رب الجنود اله اسرائيل :

ويل لنبو لانها قد خربت.

خزيت وأخذت قريتايم .

خزيت مسجاب وارتعبت.

ليس موجودا بعد فخر موآب.

في حشبون فكروا عليها شرا.

هلم فنقرضها من ان تكون امة.

وانت ايضا يا مدمين تصمّين ويذهب وراءك السيف.

صوت صياح من حورونايم هلاك وسحق عظيم.

قد حطمت موآب وأسمع صغارها صراخا.

لانه في عقبة لوحيت يصعد بكاء على بكاء ،

لانه في منحدر حورونايم سمع الاعداء صراخ انكسار " ع 1 – 5

أولا : واضح هنا أن الهجوم ضد الإله كموش ، فقد دعى الموآبيون أمة كموش ( عد 21 : 29 ) وشعب كموش ( ع 46 ) ، كما دعى كموش " رجس الموآبيين " .

كانت هناك صلة بين كموش إله الموآبيين ، وملكوم إله العمونيين ، وفى العبادة لكليهما كان الأطفال يقدمون ذبائح بغجازتهم فى النار ( 2 مل 3 : 27 ) .

ثانيا : يعلن الله عن نفسه أنه : " رب الجنود إله إسرائيل " ع 1 . يقوم بتأديب موآب . هو رب الجنود أو القوات السمائية الذى لا يغلب ، وهو إله إسرائيل أى المحب لشعبه والمدافع عن مؤمنيه المقدسين له .

المدن الوارد ذكرها فى الأعداد السابقة – للتأديب - مدن موآبية .



( 2 ) دعوة للهروب
إذ ينحدر سكان المرتفعات بدموع كل يطلب من الآخر أن يهرب يجدوا الصاعدين من السهول قادمين ببكاء يطلبون الهروب ، فيرتبك الجميع ولا يعرفون إلى أين يذهبون .

" اهربوا نجّوا انفسكم وكونوا كعرعر في البرية ،

فمن اجل اتكالك على اعمالك وعلى خزائنك ستؤخذين انت ايضا ويخرج كموش الى السبي كهنته ورؤساؤه معا.

ويأتي المهلك الى كل مدينة ،

فلا تفلت مدينة فيبيد الوطاء ويهلك السهل كما قال الرب.

اعطوا موآب جناحا لانها تخرج طائرة وتصير مدنها خربة بلا ساكن فيها.

ملعون من يعمل عمل الرب برخاء وملعون من يمنع سيفه عن الدم " ع 6 – 10 .

نجد هنا دعوة إلى الهروب لنجاة النفس :

1 – الهروب من أسوار المدن إلى عرى ( عرعر ) البرية . لعلها دعوة إلى عدم الثقة فى الحصون البشرية التى يصنعها الإنسان لنفسه فى غير اتكال على الله .

2 – عدم الأتكال على الأعمال الذاتية والخزائن ، فإنها تقيم إلها ( كموش ) لا يقدر أن يخلص نفسه ولا كهنته ولا رؤساءه . إذ يحمل الموآبيون تماثيل كموش معهم إلى المعركة تؤخذ منهم إلى أرض السبى علامة نصرة آلهة بابل على آلهة موآب .

3 – لا يتحقق الهروب بتغيير المكان بل بتغيير الأعماق ، فالتدمير يبلغ كل مدينة ، يبيد المناطق العالية ويهلك الأماكن السهلة ، لا المرتفعات ولا الوديان تقدر أن تخلص بل يد الرب العاملة فى قديسيه .

4 – الحاجة إلى جناحى الروح لكى تطير النفس من وجه الشر ( ع 9 ) ، فلا تقطن بعد فى الأماكن الخربة . ولعله هنا يحمل معنى التوبيخ فى شىء من السخرية ، فإنه إذ يحل الخراب فجأة لا يعرف موآب إلى أين يذهب ، فالأرض كلها قد تدمرت . إنه فى حاجة إلى جناح يطير به بسرعة لكى يرتفع عن كل الأرض ... ولكن إلى أين ؟

5 – الجدية فى العمل ، إذ ملعون من يعمل عمل الرب برخاوة ( ع 10 ) ... هنا دعوة إلى بابل للعمل بكل جدية لتحقيق ما سمح به الرب من تأديب لموآب ، وفى نفس الوقت هى دعوة إلهية لكل نفس فى ممارستها للعمل الإلهى بإخلاص وجدية ، فى غير رخاوة .

+ أشار إرميا إلى أن الأهمال أمر خطير :

" ملعون من يعمل عمل الرب برخاوة " 48 : 10 . من كان فى قائمة خدام الرب يلزمه أن يكون مجتهدا ومتيقظا . عندما يمسح الخطية من حياته بغيرته يتهيأ للأقتراب نحو الله ، الذى يدعوه الكتاب نارا آكلة ( تث 4 : 24 ؛ 9 : 3 ؛ عب 12 : 29 ) .

يعلق الأب غريغوريوس الكبير على عبارة " ملعون من يمنع سيفه عن الدم " قائلا :

[ الذين يمنعون السيف عن الدم إنما يمنعون كلمة الكرازة عن قتل الحياة الجسدانية ( الشهوانية ) ، وقد قيل عن هذا السيف : " سيفى يفترس الجسد " تث 32 : 42 . ]

الأب بينوفيوس يقول :

+ هذا هو السلاح الذى يقطع وينقى كل أمر شهوانى وأرضى ينمو فى نفوسنا . إنه يجعل الناس يموتون عن الخطية ، ويعيشون لله ، ويزدهرون بالفضائل الروحية .



( 3 ) خراب موآب
" مستريح موآب منذ صباه وهو مستقر على درديه ،

ولم يفرغ من اناء الى اناء ولم يذهب الى السبي .

لذلك بقي طعمه فيه ورائحته لم تتغيّر.

لذلك ها ايام تاتي يقول الرب وارسل اليه مصغين فيصغونه ويفرغون آنيته ويكسرون اوعيتهم.

فيخجل موآب من كموش كما خجل بيت اسرائيل من بيت ايل متكلهم " ع 11 – 13

إذ جاء النداء أن يعطى موآب جناحا ليطير لعله يجد موضعا غير الأرض يستريح فيه ، وهذا أمر صعب أو يكاد يكون مستحيلا ، الآن يكشف عن عدم خبرة موآب فى الحرب . حقا إن موآب أمة قديمة ومستقرة قبل ظهور إسرائيل ، عاشت فى مجد وأمان منذ صباها . لقد عاش موآب أغلب زمانه مستريحا منذ صباه ، مثل الخمر المستقرة رواسبها فى إناء لا يتحرك .

لقد دخل فى معارك مع إسرائيل ، ومنذ حوالى 40 عاما حمل شلمناصر بعضا من الموآبيين إلى السبى ، لكنه إذا قورن ذلك بالأمم المحيطة يحسب موآب مستريحا ، لم يفرغ من إناء إلى إناء ، أى يحمل بين الآن والآخر إلى السبى .

سيخجل موآب من كموش إلهه المحمول مسبيا إلى بابل ، كما خجل بنو إسرائيل من عجلى الذهب اللذين أقامها الملك يربعام فى بيت إيل طالبا من الأسرائيليين أن يتعبدوا لهما .

" كيف تقولون نحن جبابرة ورجال قوة للحرب.

أهلكت موآب وصعدت مدنها وخيار منتخبيها نزلوا للقتل يقول الملك رب الجنود اسمه.

قريب مجيء هلاك موآب وبليتها مسرعة جدا.

اندبوها يا جميع الذين حواليها وكل العارفين اسمها ،

قولوا كيف انكسر قضيب العزّ عصا الجلال ؟!

انزلي من المجد ،

اجلسي في الظماء ،

ايتها الساكنة بنت ديبون ،

لان مهلك موآب قد صعد اليك واهلك حصونك " ع 14 – 18 .

يعبر عن كارثة موآب التى حلت بإلهه كما بمدنه وأبطاله وسلطانه :

أ – بينما ظن الموآبيون الذين عاشوا أغلب زمانهم جبابرة أنهم رجال قوة للحرب ، إذا بمدنهم تخرب .

ب – دخل منتخبوه فى معركة ضد الملك رب الجنود ، فسقطوا قتلى .

ج – انهار اسمه وعزه وسلطانه ، فانكسر قضيب عزه وعصا جلاله .

إذ لجأوا إلى ديبون المدينة المرتفعة الحصينة ، التى تحتضن مرتفع كموش ، صعد إليهم الهلاك وحطم حصونهم .

" قفي على الطريق وتطلعي يا ساكنة عروعير.

اسألي الهارب والناجية قولي ماذا حدث " ع 19

من هول الكارثة هربوا من المدن التى فى المرتفعات كما كانوا يسألون بعضهم البعض : ماذا حدث ؟! ولا إجابة !

" قد خزي موآب لانه قد نقض.

ولولوا واصرخوا اخبروا في ارنون ان موآب قد أهلك " ع 20

" وقد جاء القضاء على ارض السهل ،

على حولون وعلى يهصة وعلى ميفعة

وعلى ديبون وعلى نبو وعلى بيت دبلاتايم

وعلى قريتايم وعلى بيت جامول وعلى بيت معون

وعلى قريوت وعلى بصرة وعلى كل مدن ارض موآب البعيدة والقريبة " ع 21 – 24

" عضب قرن موآب وتحطمت ذراعه يقول الرب :

اسكروه لانه قد تعاظم على الرب فيتمرغ موآب في قيائه وهو ايضا يكون ضحكة.

أفما كان اسرائيل ضحكة لك.

هل وجد بين اللصوص حتى انك كلما كنت تتكلم به كنت تنغض الراس ؟! "ع 25

يشير قطع القرن وكسر الذراع إلى انتهاء القوتين السياسية والعسكرية لموآب ، لم يعد لموآب قرن عز أمام الأمم ولا ذراع عسكرى للدفاع عن نفسه .

كان موآب يستهزىء بإسرائيل عند سبيه حاسبا هذا ضعفا أو عجزا فى الله إلههم ( حز 25 : 8 ) ، وكان يسخر بإسرائيل محركا رأسه كمن يسخر بلص ألقى القبض عليه .



( 4 ) حيثيات الحكم
" خلوا المدن واسكنوا في الصخر يا سكان موآب ،

وكونوا كحمامة تعشعش في جوانب فم الحفرة.

قد سمعنا بكبرياء موآب.

هو متكبر جدا.بعظمته وبكبريائه وجلاله وارتفاع قلبه.

انا عرفت سخطه يقول الرب انه باطل.اكاذيبه فعلت باطلا " ع 26 – 30 .

توجه الدعوة إلى موآب لإخلاء المدن والسكن فى الكهوف السرية التى فى الصخور ، فيكون كحمامة بلا قوة تضع عشها فى فم صخرة .

يصير موآب كحمامة لا تضع عشها فى الحدائق على الأشجار ، بل منفردة فى صخرة بعيدة . يتحول موآب من طير مغرد إلى طير حزين فى عزلة لا يعرف إلا الصراخ .



( 5 ) مرثاة على موآب
أ – يبدأ إرميا النبى بإعلان حبه للأمم مثل سيده الذى لا يسر بموت الأشرار بل يرجعوا فيحيوا . فهو وإن كان يتنبأ على موآب بالخراب لكنه يولول عليه ، ويصرخ من الخارج ، كما يئن قلبه من الداخل ، يبكى فتجرى دموعه كمياة ينابيع غزيرة لا تتوقف .

" من اجل ذلك اولول على موآب وعلى موآب كله اصرخ.

يؤنّ على رجال قير حارس.

ابكي عليك بكاء يعزير يا جفنة سبمة.

قد عبرت قضبانك البحر وصلت الى بحر يعزير " ع 31 – 32



ب – فقد موآب حقوله وبالتالى محاصيله ، فتحولت جناته إلى برارى .

" وقع المهلك على جناك وعلى قطافك.

ونزع الفرح والطرب من البستان ومن ارض موآب " ع 32 – 33



جـ - انتزع الفرح من بساتينه ، فحيث لا حصاد ولا ثمر لا يوجد فرح ولا طرب .

" وقد ابطلت الخمر من المعاصر.لا يداس بهتاف.جلبة لا هتاف " ع 33

د – يشبه موآب بعجلة عمرها ثلاث سنوات أخذ منها العجل رفيقها فتجرى من موضع إلى آخر بغير خطة ، فى حالة هيسترية

" قد اطلقوا صوتهم من صراخ حشبون الى العالة الى ياهص من صوغر الى حورونايم كعجلة ثلاثية لان مياه نمريم ايضا تصير خربة " ع 34

عالة ، وصوغر ، ونمريم ، مدن موآبية .

هـ - يستخدم موآب كل ما يعبر عن الحزن الشديد : قرع الرأس ، جز اللحية ، وتجريح الأيادى ، ولبس المسوح على الأحقاء ، ونوح علنى على السطوح وفى الشوارع .

" وابطل من موآب يقول الرب من يصعد في مرتفعة ومن يبخر لآلهته.

من اجل ذلك يصوّت قلبي لموآب كناي

ويصوت قلبي لرجال قير حارس كناي لان الثروة التي اكتسبوها قد بادت.

لان كل راس اقرع ،

وكل لحية مجزوزة ،

وعلى كل الايادي خموش ،

وعلى الاحقاء مسوح.

على كل سطوح موآب وفي شوارعها كلها نوح " ع 35 – 38

ز – فقد قيمته فى عينى الله فصار كإناة لا مسرة به .

" لاني قد حطمت موآب كاناء لا مسرة به يقول الرب.

يولولون قائلين كيف نقضت ؟!

كيف حولت موآب قفاها بخزي ،

فقد صارت موآب ضحكة ورعبا لكل من حواليها " ع 38 – 39 .



( 6 ) الغزو البابلى
" لانه هكذا قال الرب ها هو يطير كنسر ويبسط جناحيه على موآب.

قد أخذت قريوت وأمسكت الحصينات وسيكون قلب جبابرة موآب في ذلك اليوم كقلب امرأة ماخض.

ويهلك موآب عن ان يكون شعبا لانه قد تعاظم على الرب.

خوف وحفرة وفخ عليك يا ساكن موآب يقول الرب " ع 40 – 43

إذ ظن موآب فى نفسه يحمل قوة لمقاومة الله " يهلك عن أن يكون شعبا " ع 42 . يفقد كيانه أمام الأمم ، ولا يكون له ملك ولا حكومة مدنية تدير أموره .



( 7 ) هروب موآب
" الذي يهرب من وجه الخوف يسقط في الحفرة ،

والذي يصعد من الحفرة يعلق في الفخ ،

لاني اجلب عليها اي على موآب سنة عقابهم يقول الرب.

في ظل حشبون وقف الهاربون بلا قوة.

لانه قد خرجت نار من حشبون ولهيب من وسط سيحون فاكلت زاوية موآب وهامة بني الوغا.

ويل لك يا موآب.

باد شعب كموش لان بنيك قد أخذوا الى السبي وبناتك الى الجلاء " ع 44 – 46

لا مجال للهروب ، فمن يهرب من الخوف يجد نفسه ساقطا فى حفرة ، وإن صعد من الحفرة يجد فخا قد اقتنصه . من هرب من قريته ليجد أمانا فى حشبون الحصينة وجد نارا تخرج منها لتلتهمه . إذ يهربون إلى العاصمة حشبون يحتمون فى أسوارها يشعرون بالضعف الشديد ، وتخرج نار من هناك تأكلهم .



( 8 ) إصلاح موآب
" ولكنني ارد سبي موآب في آخر الايام يقول الرب الى هنا قضاء موآب " ع 47

بلا شك عند عودة اليهود فى أيام كورش عاد بعض من الموآبيين والعمونيين والفلسطينيين لكن لم ينل أحد منهم استقلاله ، ولا صار لهم ملوك . لذا يرى كثير من الدارسين أن هذه النبوة قد تحققت بقبول هذه الشعوب الإيمان بالسيد المسيح فنزع عنهم سبيهم الداخلى ، وتمتعوا بمجد حرية أولاد الله .

+ + +
__________________

إرميا – الإصحاح التاسع والأربعون

نبوات ضد الأمم

بدأت النبوات ضد الأمم الغريبة بمصر الوثنية ( إر 46 ) إشارة إلى أن مدخل الخطية هو الرخاوة والتعلق بالعالم .

ثم فلسطين الوثنية ( إر 47 ) بكونها رمزا للعداوة والعنف فى ذلك الحين ، فإن انشغال القلب والفكر بالماديات يولد أنانية تبعث عداوة ضد الغير بلا سبب .

ثم صور وصيدا ( إر 47 : 4 ) بكونهما رمزا للتحالف مع الشر ، فالعنف يدفع بالنفس إلى الأرتباط بالعنفاء دون مبرر .

بعد ذلك موآب ( إر 47 ) بكونها رمزا للفساد .

الآن فى هذا الإصحاح يقدم لنا النبى نبوات ضد ست أمم :



( 1 ) بنو عمون البنت المرتدة
ينتسب بنو عمون إلى عمون ابن ابنة لوط الصغرى ، أنجبته من أبيها بعد أن سكر ( تك 19 : 38 ) .

وكما يقول القديس جيروم : [ بالحقيقة لم يكن لوط يعرف ماذا كان يفعل ، ولا كانت خطيته بإرادته ، ومع هذا فخطأه عظيم إذ جعله أبا لموآب وعمون عدوى إسرائيل ] .

يبدأ نبواته ضد بنى عمون بعتابه إياهم إذ حاولوا عبر العصور الأستيلاء على أرض جاد واحتلال مدنه فيقول :

" عن بني عمون.هكذا قال الرب :

أليس لاسرائيل بنون او لا وارث له ؟!

لماذا يرث ملكهم ( ملكوم )جاد وشعبه يسكن في مدنه " ع 1

يترجم البعض الكلمة العبرية " ملكوم " وليس " ملكهم " ، وهو الإله القومى لبنى عمون . إنه يربخهم إذ ظنوا أن إلههم ملكوم ( 1 مل 19 : 38 ) يرث ما للرب . وإن كان الأسرائيليون أنفسهم قد عبدوه أو تأثروا بعبادته .

هنا يقدم إرميا النبى عشرة نبوات تكشف عن عمل الخطية فى حياة الإنسان :

أ – سماع إنذار الحرب فى ربة العمونيين كجلبة ، فإنها تحول المدن الداخلية إلى معركة لا يسمع فيها صوت بوق كلمة الله المفرح بل صوت الحرب ، فتتحول أعماق النفس من مدينة الله المتهللة إلى موقع حرب كله صراخ وضجيج .

" لذلك ها ايام تأتي يقول الرب واسمع في ربة بني عمون جلبة حرب " ع 2

ربة بنى عمون : عاصمة عمون ، حاليا عمان عاصمة الأردن .

ب – تحول ربة إلى تل خرب ، فإن الخطية تحطم كل بنيان داخلى لتجعل منه كومة خراب لا يقدر كائن بشرى أو سماوى أن يقطن فيها .

" وتصير تلا خربا " ع 2 .

جـ - حرق بناتها ، وفقدان ما ورثته ، وولولة وصراخ ، وسيى الملك والكهنة :

" وتحرق بناتها بالنار ،

فيرث اسرائيل الذين ورثوه يقول الرب.

ولولي يا حشبون لان عاي قد خربت.

اصرخن يا بنات ربة.

تنطقن بمسوح.

اندبن وطوّفن بين الجدران ،

لان ملكهم يذهب الى السبي هو وكهنته ورؤساؤه معا " ع 2 - 3

د – امتلاء أوديتها بالدماء ، ويحل بها الخوف من كل جانب ويطرد الجميع :

" ما بالك تفتخرين بالاوطية.

قد فاض وطاؤك دما ايتها البنت المرتدّة والمتوكلة على خزائنها قائلة :

من يأتي اليّ ؟!

هانذا اجلب عليك خوفا يقول السيد رب الجنود من جميع الذين حواليك ،

وتطردون كل واحد الى ما امامه وليس من يجمع التائهين " ع 4 – 5

ر – إصلاح وعودة روحية : الوعد هنا يشبه الوعد الإلهى لمصر ( 46 : 26 ) وموآب ( 48 : 47 ) . فى أيام فارس نرى طوبيا حاكما محليا لعمون ( نح 2 : 10 ، 19 ؛ 4 : 7 ) .

" ثم بعد ذلك ارد سبي بني عمون يقول الرب " ع 6

هذه النبوات العشرة التى تحققت فى بنى عمون الأبنة المرتدة المتكلة على خزائنها والتى تظن أنها فوق كل قانون ، لا تستطيع يد أن تمتد إليها ( ع 4 ) ، تتحقق مع النفس التى ترتد عن مسيحها لتتكل على ذاتها وإمكانياتها البشرية ، فتظن أنه ليس من يقدر أن يؤدبها . لكن الله فى حبه يكشف لها عن ثمر خطاياها ، فتجنى مرارة الخطية لتقبل مسيحها فيردها إليه ، ويرجع إليها ويحملها معه إلى حضن أبيه .



( 2 ) أدوم المتشامخ

أدوم تعنى " دموى " أو " أحمر " أو سافك دم ، فهو يمثل الشيطان الذى لا يطيق مملكة الله ، إذ هو محب للقتال بطبعه .

" عن ادوم.

هكذا قال رب الجنود :

ألا حكمة بعد في تيمان.

هل بادت المشورة من الفهماء هل فرغت حكمتهم.

اهربوا التفتوا تعمقوا في السكن يا سكان ددان " 7 – 8

تيمان : اسم عبرى معناه " اليمينى أو الجنوبى " حفيد عيسو ( تك 36 : 11 ) ،

سكان ددان : من نسل إبراهيم خلال قطورة ( تك 25 : 1 – 3 ) ، تقع ددان الآن فى وادى القرى فى شمال الحجاز .

يقدم إرميا النبى النبوات التالية عن أدوم :

أ – حلول كارثة على أدوم :

" لاني قد جلبت عليه بلية عيسو حين عاقبته ،

لو اتاك القاطفون أفما كانوا يتركون علالة ؟

او اللصوص ليلا أفما كانوا يهلكون ما يكفيهم " ع 8 – 9 .

ب – تجريد عيسو وتعريته : فقد ظن أنه قادر على سفك الدماء دون معاقبته ، إذ يهلك ويختبىء وسط الجبال العالية وفى الصخور . ولكن الله يفضحه ( يجرده ) ، فيصير عاريا أمام الكل ، ويكشف عن الأماكن التى يختبىء فيها .

" ولكنني جردت عيسو وكشفت مستتراته فلا يستطيع ان يختبئ " ع 10 .

جـ - هلاك نسله وإخوته وجيرانه :

" هلك نسله واخوته وجيرانه فلا يوجد " ع 10

د – اهتمام الله بأيتامه وأرامله :

إن كان الله يؤدب بحزم شديد لكنه يفتح أبواب الرجاء ، مؤكدا أنه يهتم بالأيتام والأرامل الذين فقدوا الآباء والأزواج فى المعركة أو بسبب السبى .

" اترك ايتامك انا احييهم واراملك عليّ ليتوكلن " ع 11

هـ - يشرب من كأس التأديب :

" لأنه هكذا قال الرب :

" ها ان الذين لا حق لهم ان يشربوا الكاس قد شربوا فهل انت تتبرأ تبرؤا ؟!

لا تتبرأ بل انما تشرب شربا " ع 12 .

و – حلول العار والخراب واللعنة ببصرة ، المدينة الرئيسية لأدوم وعاصمتها ، وهى غير بصرة موآب ، ربما فى موقعها حاليا بصيرة تبعد حوالى 25 ميلا إلى الجنوب الشرقى من البحر الميت .

" لاني بذاتي حلفت يقول الرب ان بصرة تكون دهشا وعارا وخرابا ولعنة وكل مدنها تكون خربا ابدية " ع 13

ز – إثارة الشعوب للحرب ضده فيصير بينهم صغيرا ومحتقرا :

" قد سمعت خبرا من قبل الرب وأرسل رسول الى الامم قائلا :

تجمعوا وتعالوا عليها وقوموا للحرب.

لاني ها قد جعلتك صغيرا بين الشعوب ومحتقرا بين الناس " ع 14 – 15 .

ح – كسر كبريائه

" قد غرّك تخويفك كبرياء قلبك يا ساكن في محاجيء الصخر ،

الماسك مرتفع الاكمة.

وان رفعت كنسر عشك فمن هناك احدرك يقول الرب " ع 16

عرفت أدوم بكثرة الأماكن الخفية فى الجبال ووسط الصخور . ربما يقصد بالصخر هنا أم البيارة ، موضع مشهور من خلاله ترى بتراء أو بيترا ( صخرة ) وهى خلفها .

ط – تصير مهجورة :

" وتصير ادوم عجبا ،

كل مار بها يتعجب ويصفر بسبب كل ضرباتها.

كانقلاب سدوم وعمورة ومجاوراتها يقول الرب لا يسكن هناك انسان ولا يتغرب فيها ابن آدم " ع 17 – 18 .

ى – تصير مثلا أمام الأمم حيث يهاجمها نبوخذنصر كأسد مفترس خارج من عرينه بسبب فيضان نهر الأردن وبلوغ المياة إلى عرينه .

" هوذا يصعد كاسد من كبرياء الاردن الى مرعى دائم.

لاني اغمز واجعله يركض عنه.

فمن هو منتخب فاقيمه عليه.

لانه من مثلي ومن يحاكمني ومن هو الراعي الذي يقف امامي ؟!" ع 19

ك – يسبى كغنم صغير عاجز عن المقاومة :

" لذلك اسمعوا مشورة الرب التي قضى بها على ادوم ،

وافكاره التي افتكر بها على سكان تيمان.

ان صغار الغنم تسحبهم.

انه يخرب مسكنهم عليهم " ع 20 .

ل – تهتز الأرض من صراخهم الذى يدوى حتى بحر سوف :

" من صوت سقوطهم رجفت الارض.

صرخة سمع صوتها في بحر سوف " ع 21

م – ينهار فتتحول قلوب جبابرة الحرب إلى قلب إمرأة ماخض عاجزة حتى عن الحركة

بينما يشبه نبوخذنصر بالأسد والنسر ، يشبه أدوم بإمرأة ماخض فى ضعف شديد وخوف ، لا تجد من يعينها .

" هوذا كنسر يرتفع ويطير ويبسط جناحيه على بصرة ،

ويكون قلب جبابرة ادوم في ذلك اليوم كقلب امرأة ماخض " ع 22



( 3 ) سوريا الهاربة المرتعدة

يقدم لنا النبى دمشق عاصمة سوريا كهاربة مرتعدة ، ومعها حماة وأرفاد وهما مدينتان أو دويلتان آراميتان فى وسط وشمال سوريا ، كثيرا ما يرد ذكرهما فى النصوص الأشورية فى القرن الثامن وما قبل ذلك .

يتنبأ عن سوريا بالآتى :

أ – سقوط مدنها الكبرى فى الخزى .

ب – تصاب مدنها بحالة إحباط وصغر نفس .

جـ - فقدان الهدوء .

د – رخاوة ورعب .

هـ - فقدان شبابها وأبطالها .

ز – احتراق أسوارها وقصورها .

" عن دمشق.خزيت حماة وارفاد.

قد ذابوا لانهم قد سمعوا خبرا رديئا.

في البحر اضطراب لا يستطيع الهدوء.

ارتخت دمشق والتفتت للهرب.

امسكتها الرعدة واخذها الضيق والاوجاع كماخض

كيف لم تترك المدينة الشهيرة قرية فرحي.

لذلك تسقط شبانها في شوارعها وتهلك كل رجال الحرب في ذلك اليوم يقول رب الجنود.

واشعل نارا في سور دمشق فتاكل قصور بنهدد " ع 23 – 27 .



( 4 ) قيدار فاقدة الخيام
" عن قيدار وعن ممالك حاصور التي ضربها نبوخذراصر ملك بابل.

هكذا قال الرب.قوموا اصعدوا الى قيدار اخربوا بني المشرق.

يأخذون خيامهم وغنمهم ويأخذون لانفسهم شققهم وكل آنيتهم وجمالهم ،

وينادون اليهم الخوف من كل جانب " ع 28 – 29

عرف أهل قيدار كرعاة يعيشون فى الخيام ، غير أن بعضهم كانوا يسكنون المدن ( إش 42 : 11 ) . هاجمهم الكلدانيون واستولوا على خيامهم وأغنامهم وشققهم ( الستائر ) وأوانيهم ، وجردوهم من كل شىء ، وتركوهم هاربين فى البرارى ، إذ شعر الكلدانيون أنهم لا ينتفعون شيئا من سبيهم إلى بابل ، بل يمثلون ثقلا عليهم .



( 5 ) حاصور مسكن بنت آوى
حاصور : قريبة من الفرات والخليج الفارسى .

" اهربوا انهزموا جدا تعمقوا في السكن يا سكان حاصور يقول الرب ،

لان نبوخذراصر ملك بابل قد اشار عليكم مشورة وفكر عليكم فكرا.

قوموا اصعدوا الى امة مطمئنة ساكنة آمنة يقول الرب ،

لا مصاريع ولا عوارض لها.تسكن وحدها.

وتكون جمالهم نهبا وكثرة ماشيتهم غنيمة ،

واذري لكل ريح مقصوصي الشعر مستديرا ،

وآتي بهلاكهم من كل جهاته يقول الرب.

وتكون حاصور مسكن بنات آوى وخربة الى الابد.

لا يسكن هناك انسان ولا يتغرب فيها ابن آدم " ع 30 – 33 .

ما حل بقيدار يحل بحاصور . الذين يهربون لا يجدون أمة آمنة يلجأون إليها ، لكنهم يجدون حتى الرياح تهاجمهم من كل جانب . تقف الطبيعة ضدهم ، لأنهم يقاومون خالق الطبيعة . تصير أرضهم خرابا لا يسكنها إنسان بل الذئاب وبنات آوى .



( 6 ) عيلام صاحب القوس المنكسر
عيلام : اسم عبرى من أصل أكادى معناه " مرتفعات " تقع شرقى نهر التيجر ، شرق بابل فى سهل خزيستان ، وهى من أقدم المراكز الثقافية .

تنبأ عنهم هكذا :

أ – تحطيم قوسهم :

" كلمة الرب التي صارت الى ارميا النبي على عيلام في ابتداء ملك صدقيا ملك يهوذا قائلة :

هكذا قال رب الجنود : هانذا احطم قوس عيلام اول قوتهم " ع 34 ، 35 .

ب – هجوم الكلدانيين عليهم من كل جانب كما تهب الرياح من أربعة جهات المسكونة ، فيصيروا كالقش الطائر فى الهواء ليس له موضع استقرار .

" واجلب على عيلام اربع رياح من اربعة اطراف السماء واذريهم لكل هذه الرياح ولا تكون امة الا ويأتي اليها منفيو عيلام " ع 36 .

جـ - سقوطهم فى حالة رعب :

" واجعل العيلاميين يرتعبون امام اعدائهم وامام طالبي نفوسهم ،

واجلب عليهم شرا حمو غضبي يقول الرب " ع 37

د – قتلهم بالسيف :

"وارسل وراءهم السيف حتى افنيهم ،

واضع كرسيي في عيلام ،

وابيد من هناك الملك والرؤساء يقول الرب " ع 38 .

هـ - ردهم من السبى وتمتعهم بالحرية الداخلية فى المسيح يسوع .

كان بعض العيلاميون حاضرين يوم العنصرة فى أورشليم حينما حل الروح القدس على الكنيسة الأولى ( أع 2 ) .

" ويكون في آخر الايام اني ارد سبي عيلام يقول الرب " ع 39 .

+ + +
إرميا – الإصحاح الخمسون

سقطت .. سقطت أساسات بابل !!

يختم إرميا النبى نبواته ضد الأمم ببابل ( إر 50 ، 51 ) . لا نعجب إن جاءت المساحة هنا تكاد تعادل مساحة ما ورد عن الأمم معا ، ذلك بسبب خطورة بابل البالغة على كل غرب آسيا فى نهاية القرن السابع ق . م . وبدء القرن السادس . حتى فى النبوات الخاصة بالأمم الأخرى وجدت اشارات إلى بابل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ( 46 : 2 ، 13 ، 25 ، 49 : 28 – 33 ) . كانت بابل تمثل العدو الرئيسى لشعب الله ، والأمة المتشامخة على جميع ممالك الأرض .



( 1 ) الغزو الفارسى
تفتتح النبوات ضد بابل بالكلمات :

"الكلمة التي تكلم بها الرب عن بابل ،

وعن ارض الكلدانيين على يد ارميا النبي " ع 1

تصور لنا النبوة هنا إرميا النبى فى حضرة الله يقف لا ليسمع إلى كلمته فحسب وإنما يتسلمها بيده . وكأن الكلمة هنا ليست صوتا يسمع فحسب وإنما أمرا تستلمه النفس بيدها الداخلية كهبة إلهية . فإن إدانة الشر الذى يصحبه حرية مجد أولاد الله هو عطية تتسلمها النفس وتعتز بها .

يرى العلامة أوريجانوس ، أن تعبير " على يد إرميا " إر 50 : 1 هو استخدام أسماء الأعضاء الجسدية للأعضاء الخاصة بالنفس ، وذلك كالقول :

" الحكيم عيناه فى رأسه " جا 2 : 14

" من له أذنان للسمع فليسمع " مر 4 : 9

" لا تعثر رجلك " أم 3 : 23

" يارب لقد حبل بنا فى الرحم بمخافتك " إش 26 : 18

" حلقهم قبر مفتوح " مز 5 : 9 .



" اخبروا في الشعوب وأسمعوا وارفعوا راية.

أسمعوا لا تخفوا.

قولوا أخذت بابل

خزي بيل.انسحق مرودخ.خزيت اوثانها انسحقت اصنامها ،

لانه قد طلعت عليها امة من الشمال هي تجعل ارضها خربة فلا يكون فيها ساكن.

من انسان الى حيوان هربوا وذهبوا " ع 2 – 3

" بيل " يعنى " بعل " أو " السيد " كان مستخدما فى ذلك الوقت للإله مردوخ . وهو إله الشمس عندهم .

" مردوخ " لقب حمله أشخاص كثيرون ، وهو إسم ملك الآلهة مذكور مع بيل .

ماذا قدمت كلمة الرب لإرميا ؟

قدمت خلاصا للمؤمنين وحرية لأولاد الله وذلك بعد تأديبهم ورجوعهم إليه ، يصحب هذا تحطيم للشر ونهاية له .

كثيرا ما يستخدم إرميا النبى تعبير " أمة من الشمال " إشارة إلى حلول ضيق ما أيا كان مصدره .



( 2 ) تجميع إسرائيل
" في تلك الايام وفي ذلك الزمان يقول الرب :

يأتي بنو اسرائيل هم وبنو يهوذا معا ،

يسيرون سيرا ويبكون ويطلبون الرب الههم.

يسألون عن طريق صهيون ووجوههم الى هناك قائلين :

هلم فنلصق بالرب بعهد ابدي لا ينسى.

كان شعبي خرافا ضالة.

قد اضلتهم رعاتهم.على الجبال اتاهوهم ساروا من جبل الى اكمة.

نسوا مربضهم.

كل الذين وجدوهم اكلوهم وقال مبغضوهم لا نذنب من اجل انهم اخطأوا الى الرب مسكن البر ورجاء آبائهم الرب " ع 4 – 7

تحقق ذلك بالعودة من السبى البابلى . غير أنه جاء فى سفر التعزية ( إر 30 – 33 ) أن اصلاح إسرائيل الذى يرد له وحدته معا مع توبته وتجديد العهد الذى لا ينكسر يشير إلى الإصلاح المسيانى لإقامة شعب الله ، إسرائيل الجديد ، كنيسة العهد الجديد .

كما يتحقق ذلك كل يوم بالنسبة لكل نفس تعود إلى إلهها وتتمتع بالعهد الجديد .



( 3 ) الغزو
" اهربوا من وسط بابل ،

واخرجوا من ارض الكلدانيين ،

وكونوا مثل كراريز امام الغنم " ع 8

هنا وعد إلهى مع التزام من جانب الإنسان . فهو يفتح لنا باب للهروب من وسط بابل لكى ننطلق نحو أورشليم العليا ونعطى القفا للخطية والفساد ، ويهبنا القوة والطاقة للخروج .

" كراريز " أى الجداء التى تقود الغنم . هكذا يقود اليهود الأمم فى عودتهم من السبى .

والآن نهاية بابل قربت ، والسبى ينتهى ! صورة رعوية رائعة ! عند فتح الباب تخرج الجداء فورا إذ لا تطيق القيود ، فينطلق اليهود نحو بيتهم فى مقدمة الشعوب المسبية التى تنعم بالحرية .

" لاني هانذا اوقظ واصعد على بابل جمهور شعوب عظيمة من ارض الشمال فيصطفون عليها.

من هناك تؤخذ.

نبالهم كبطل مهلك لا يرجع فارغا.

وتكون ارض الكلدانيين غنيمة.

كل مغتنميها يشبعون يقول الرب.

لانكم قد فرحتم وشمتم يا ناهبي ميراثي ،

وقفزتم كعجلة في الكلإ ( العشب ) وصهلتم كخيل ،

تخزى امكم جدا.تخجل التي ولدتكم.

ها آخرة الشعوب برية وارض ناشفة وقفر.

بسبب سخط الرب لا تسكن بل تصير خربة بالتمام.

كل مار ببابل يتعجب ويصفر بسبب كل ضرباتها.

اصطفوا على بابل حواليها يا جميع الذين ينزعون في القوس.

ارموا عليها.

لا توفروا السهام لانها قد اخطأت الى الرب.

اهتفوا عليها حواليها.

قد اعطت يدها.

سقطت أسسها نقضت اسوارها.

لانها نقمة الرب هي فانقموا منها.

كما فعلت افعلوا بها.

اقطعوا الزارع من بابل وماسك المنجل في وقت الحصاد.

من وجه السيف القاسي يرجعون كل واحد الى شعبه ،

ويهربون كل واحد الى ارضه " ع 9 – 16

لم يكن الأمر بالغزو الفارسى على بابل حكما مجحفا ، لكن الله يقدم حيثيات لهذا الحكم أهمها :

أ – فرح البابليون وشمتوا عندما نهبوا ميراث الرب ( ع 11 ) ، هكذا يحسب الله من يسىء إلى مؤمنيه ويشمت فيهم حتى فى لحظات تأديب الله لهم إهانة إلى ميراث الرب نفسه .

ب – أخطأت بابل إلى الرب ( ع 14 ) ، إذ ظنت أنه عاجز عن الوقوف أمام إلههم الباطل مردوخ .

جـ - " كما فعلت افعلوا بها " ( ع 15 ) ، بالكيل الذى به كالت يكال لها !

أما القضاء فهو مشابه لما قيل عن الأمم الأخرى ولكن بصورة أشد ، لأنها كانت أعنف منهم .

ويلاحظ أن العقوبة هنا جاءت متشابهة تماما لما فعلته بابل بالأمم الأخرى .



( 4 ) عودة إسرائيل
" اسرائيل غنم متبددة.

قد طردته السباع.

اولا اكله ملك اشور ثم هذا الاخير نبوخذراصر ملك بابل هرس عظامه.

لذلك هكذا قال رب الجنود اله اسرائيل.

هانذا اعاقب ملك بابل وارضه كما عاقبت ملك اشور.

وارد اسرائيل الى مسكنه فيرعى كرمل وباشان ،

وفي جبل افرايم وجلعاد تشبع نفسه.

في تلك الايام وفي ذلك الزمان يقول الرب يطلب اثم اسرائيل فلا يكون وخطية يهوذا فلا توجد لاني اغفر لمن ابقيه " ع 17 – 20

يتحدث هنا عن جميع الأسباط ، إذ اشترك اسرائيل ويهوذا معا فى السبى فتبددوا كغنم تطارده السباع ، ويشترك الكل معا فى التمتع بعمل الله ودهم من السبى .

صورة رائعة لعمل الله مع النفس الراجعة إليه بعد تأديبها .



( 5 ) قضاء على بابل
يقدم النبى قضاء ضد بابل : الشعب وقياداته وجيشه ، والأرض والحقول والمدن ، والمبدأ هو : " كافئوها نظير عملها افعلوا بها حسب كل ما فعلت " ( ع 29 ) .

والعجيب أنه قد تم الإعلان عن خراب بابل المجيدة فى صهيون ( ع 28 ) .

" اصعد على ارض مراثايم.عليها وعلى سكان فقود.

اخرب وحرم وراءهم يقول الرب

وافعل حسب كل ما امرتك به.

صوت حرب في الارض وانحطام عظيم.

كيف قطعت وتحطمت مطرقة كل الارض ؟!

كيف صارت بابل خربة بين الشعوب ؟!

قد نصبت لك شركا فعلقت يا بابل وانت لم تعرفي.

قد وجدت وأمسكت لانك قد خاصمت الرب.

فتح الرب خزانته واخرج آلات رجزه لان للسيد رب الجنود عملا في ارض الكلدانيين.

هلم اليها من الاقصى.

افتحوا اهرائها.

كوّموها عراما وحرّموها ولا تكن لها بقية.

اهلكوا كل عجولها.لتنزل للذبح.

ويل لهم لانه قد اتى يومهم زمان عقابهم.

صوت هاربين وناجين من ارض بابل ليخبروا في صهيون بنقمة الرب الهنا نقمة هيكله.

ادعوا الى بابل اصحاب القسي.

لينزل عليها كل من ينزع في القوس حواليها.

لا يكن ناج كافئوها نظير عملها.

افعلوا فيها حسب كل ما فعلت.

لانها بغت على الرب على قدوس اسرائيل.

لذلك يسقط شبانها في الشوارع ،

وكل رجال حربها يهلكون في ذلك اليوم يقول الرب.

هانذا عليك ايتها الباغية يقول السيد رب الجنود ،

لانه قد أتى يومك حين عقابي اياك.

فيعثر الباغي ويسقط ولا يكون له من يقيمه ،

واشعل نارا في مدنه فتاكل كل ما حواليها " ع 21 – 32

يرى البعض أن إرميا ذكر ثلاثة أسماء رمزية لبابل :

أ‌- مراثايم ( ع 21 ) : معناها " تمرد مزدوج " لأن الأمبراطورية البابلية تأسست على التمرد المزدوج .

ب – فقود :تعنى " عقوبة " لأن الله يفقد هذه الأمبراطورية بالقضاء أو العقوبة ..

جـ - شيشك ( 25 : 26 ؛ 51 : 41 ) ، وهو الأسم الشفرى لمدينة بابل .

كانت بابل أشبه بصياد وضع الفخاخ ليصطاد الأمم ، واحدة تلو الأخرى ، تسقط الأمة فى الفخ فتسخر بها وتقتلها ، والآن سقطت بابل نفسها فى ذات الفخ لتصير أضحوكة الأمم وتنال جزاءها .

يرمز هنا ( ع 23 ) لنبوخذنصر بالمطرقة التى هشمت كل ممالك الأرض فى ذلك الحين ، لكن جاء الوقت لتحطيم المطرقة ذاتها وسحقها .



( 6 ) ضيق مشترك

" هكذا قال رب الجنود ان بني اسرائيل وبني يهوذا معا مظلومون ،

وكل الذين سبوهم امسكوهم.ابوا ان يطلقوهم.

وليهم قوي.رب الجنود اسمه.

يقيم دعواهم لكي يريح الارض ويزعج سكان بابل " ع 33 – 34

سمح الله لهم بالسبى لكى يتمتعوا بالوحدة التى حرموا منها فى أرض الموعد . ففى عبودية مصر وأيضا فى بابل كان الكل معا فى مذلة ، وكما أبى فرعون أن يطلقهم هكذا أبى البابليون أن يطلقوهم ( ع 33 ) . لكن فى كلتا الحالتين اكتشفوا أن " وليهم قوى ، رب الجنود اسمه " ( ع 34 ) هو الذى يحررهم .



( 7 ) قضاء عاجل

" سيف على الكلدانيين يقول الرب وعلى سكان بابل وعلى رؤسائها وعلى حكمائها. سيف على المخادعين فيصيرون حمقا.

سيف على ابطالها فيرتعبون.

سيف على خيلها وعلى مركباتها وعلى كل اللفيف الذي في وسطها فيصيرون نساء.

سيف على خزائنها فتنهب.

حرّ على مياهها فتنشف لانها ارض منحوتات هي وبالاصنام تجنّ " ع 35 – 38

أمر السيف أن يضرب ليعلن عجز آلهة بابل وأصنامها عن الحركة والدفاع عن العابدين لها :

- سيف على الكلدانيين ( الشعب )

- سيف على الرؤساء ( الأباطرة ورجال الدولة ) .

- سيف على الحكماء ( المشيرون ) .

- سيف على المخادعين ( الأنبياء الكذبة والمنجمون ) .

- سيف على أبطالها ( الجيش ) .

- سيف على خيلها ... ( الإمكانيات الحربية ) .

- سيف على اللفيف الذى فى وسطها ( حلفاؤها ) .

- سيف على خزائنها ( التى امتلأت بما نهبوه ) .

- حر على مياهها ( تتحول الحقول إلى برارى ) .



( 8 ) قضاء مستقبلى

" لذلك تسكن وحوش القفر مع بنات آوى ،

وتسكن فيها رعال النعام ولا تسكن بعد الى الابد ولا تعمر الى دور فدور. كقلب الله سدوم وعمورة ومجاوراتها يقول الرب ،

لا يسكن هناك انسان ولا يتغرب فيها ابن آدم " ع 39 – 40 .

هذه الكلمات حقيقية بالنسبة لخرائب بابل ، فلا يزال يتجنبونها ظانين إياها أماكن تختبىء فيها الحيوانات المفترسة ومملوءة بالأرواح الشريرة ( إش 13 : 19 – 22 ) .



( 9 ) غزو عاجل

" هوذا شعب مقبل من الشمال وامة عظيمة ويوقظ ملوك كثيرون من اقاصي الارض.

يمسكون القوس والرمح.

هم قساة لا يرحمون.

صوتهم يعج كبحر

وعلى خيل يركبون مصطفين كرجل واحد لمحاربتك يا بنت بابل.

سمع ملك بابل خبرهم فارتخت يداه.

اخذته الضيقة والوجع كماخض .

ها هو يصعد كأسد من كبرياء الاردن الى مرعى دائم.

لاني اغمز واجعلهم يركضون عنه.

فمن هو منتخب فاقيمه عليه ؟!

لانه من مثلي ومن يحاكمني ومن هو الراعي الذي يقف امامي ؟!

لذلك اسمعوا مشورة الرب التي قضى بها على بابل ،

وافكاره التي افتكر بها على ارض الكلدانيين.

ان صغار الغنم تسحبهم.انه يخرب مسكنهم عليهم.

من القول أخذت بابل رجفت الارض وسمع صراخ في الشعوب " ع 41 – 46

من الجانب التاريخى ، الذين كانوا فى السبى كانوا فاقدى الرجاء فى الخلاص من جبروت الأمبراطورية البابلية ، فكانت كلمات إرميا هذه أشبه بعظات نظرية غير عملية ، لكن الذين آمنوا بكلمة الرب امتلأوا رجاء ووثقوا فى يد الله العاملة لخلاصهم ، فكانت نبوات وكلمات إشعياء وإرميا وحزقيال مصدر عزاء لهم فى غربتهم .

+ + +
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://eng.roniajesus@yahoo.com
بحبك يا مارمينا
خادم المنتدى
avatar

انثى عدد الرسائل : 785
العمر : 29
المزاج : نشكرربناعلي كل حال
اعلام الدول :
المهنة :
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: *** موضوع متكامل لتفسير سفر ارميا كتابيا ***   الجمعة فبراير 12, 2010 11:42 pm

إرميا – الإصحاح الحادى والخمسون

اهربوا من بابل !

اعلن الله فى الإصحاح السابق على لسان إرميا النبى عن تقطيع بابل – مطرقة الأرض – وتحطيمها ، فكما سحقت الأمم سحقت هى أيضا ، لأنها مدينة ضد المسيح ، تقدم للعالم إبليس الذى هو بالحقيقة مطرقة كل الأرض ، وقد سحقه رب المجد بالصليب ( كو 2 : 15 ) ولم يعد له سلطان على أولاد الله .

فى هذا الإصحاح يعلن الله عن التزامنا بالهروب سريعا من بابل ، لأننا فى حاجة إلى بلسان يشفى جراحات نفوسنا الخطيرة ، هذا البلسان هو رب المجد يسوع المصلوب الذى لن يوجد فى بابل بل فى جلعاد الجديدة التى هى الكنيسة .



( 1 ) ريح مهلكة

" هكذا قال الرب :

هانذا اوقظ على بابل وعلى الساكنين في وسط القائمين عليّ ريحا مهلكة.

وارسل الى بابل مذرين فيذرونها ويفرغون ارضها ،

لانهم يكونون عليها من كل جهة في يوم الشر.

على النازع في قوسه فلينزع النازع ،

وعلى المفتخر بدرعه ،

فلا تشفقوا على منتخبيها بل حرموا كل جندها.

فتسقط القتلى في ارض الكلدانيين والمطعونون في شوارعها " ع 1 – 4

فى الإصحاحات السابقة يشير النبى إلى بابل إما بإسمها الذى يعنى " بلبلة " ، أو باسم " الكلدانيين " الذى يشير إلى انغماسهم فى العقائد الخاطئة حيث يرفضون العناية الإلهية ، حاسبين أن كل حياتهم حتى سلوكهم تديره حركة النجوم ، بهذا يظنون أن الإنسان مسلوب الإرادة . هنا يدعو الله البابليين : " الساكنين فى القائمين على " ع 1 ، أى المقاومين لله علانية ، لهذا استحقت بابل المخاطر التالية :

أ – هبوب ريح مهلكة عليها ، عوض التمتع بروح الله القدوس ..

ب – قيام مذرين [ من يفصلون التبن عن القمح ] لتفريغ أرضها ، يكشفون أنها لا تحمل حبة حنطة واحدة وسط القش ، لهذا تفرغ تماما أرضها .

جـ - ضربات القوس المتواترة ، عوض التمتع بسيف الكلمة الإلهية الذى يبتر كل شر ، أو برمح الحب الإلهى الذى يجرح النفس بجراحات الحب الإلهى .

د – تحريم جندها : تصير كل طاقات الإنسان التى للجسد كما للنفس جنودا محرمين لا يمارسون الحياة المقدسة .



( 2 ) الله لن ينسى شعبه
" لان اسرائيل ويهوذا ليسا بمقطوعين عن الههما عن رب الجنود وان تكن ارضهما ملآنة اثما على قدوس اسرائيل " ع 5 .

يرى إرميا النبى إسرائيل ويهوذا أرملتين مقطوعتين عن إلههما ، العريس السماوى ، لكن الله لا يتركهما بعد تأديبهما .



( 3 ) اهربوا من وسط بابل
" اهربوا من وسط بابل وانجوا كل واحد بنفسه.

لا تهلكوا بذنبها لان هذا زمان انتقام الرب هو يؤدي لها جزاءها " ع 6

تقطن النفس بابل عندما تكون قلقة ومضطربة ، حينما يرحل منها السلام ، فتكون مضطرة للمصارعة مع الخطية ومواجهة حرب الشهوات والوقوف بمفردها فى وسط ضجيج الأسلحة التى تحاصرها من كل جهة ، إلى مثل تلك النفس يوجه النبى كلماته قائلا :

" اهربوا من وسط بابل وانجوا كل واحد بنفسه " .

طالما الإنسان موجود فى بابل لن يستطيع أن يخلص ، حتى ولو تذكر أورشليم ، فإنه سوف يئن ويتنهد قائلا : " كيف نرنم ترنيمة الرب فى أرض غريبة ؟ مز 137 : 4 . ما دمنا فى بابل لن نستطيع أن نسبح الرب ، لأن الآلات التى تستخدم فى توصيل النغمات للرب معلقة بدون استخدام .

لم يقل الرب : " اخرجوا من وسط بابل " ، بل قال " اهربوا من وسط بابل " ، كناية عن خطورة الأمر ..



( 4 ) بابل كأس ذهب
" بابل كاس ذهب بيد الرب تسكر كل الارض.

من خمرها شربت الشعوب من اجل ذلك جنّت الشعوب.

سقطت بابل بغتة وتحطمت.ولولوا عليها " ع 7 – 8 .

القديس جيروم يقول :

[ بابل تعنى " ارتباكا " ، والكأس الذهبى حقا هو تعاليم الفلاسفة وبلاغة الخطباء .

من بالحق لم ينحرف بواسطة الفلاسفة ؟

من لم يخدع بواسطة خطباء هذا العالم ؟

كأسهم ذهبى ، وسمو بلاغتهم من الخارج ، أما الداخل فمملوء سما الذى لا يقدرون أن يخفوه إلا خلال بريق الذهب .

تذوقون عذوبة بلاغتهم لكى تتأكدوا ولا تشكو أنه سم قاتل . ]

متى سقطت بابل ؟
إن المقصود بتلك الكلمات هو أن نهاية العالم تجىء بغتة ، ستكون مثل أيام الطوفان الذى جاء والناس لاهون فى أكلهم وشربهم وزواجهم !

ليفحص كل واحد منا نفسه ليرى هل سقطت بابل من داخل قلبه أم لا . إذا كانت مدينة الأضطراب ( بابل ) لم تسقط بعد من قلبه ، هذا دليل على أن السيد المسيح لم يأت بعد إلى هذا القلب ، لأنه بمجرد دخوله إلى القلب تنهار بابل وتتحطم فى الحال .



( 5 ) جراحات لا تشفى
" خذوا بلسانا لجرحها لعلها تشفى.

داوينا بابل فلم تشف.

دعوها ولنذهب كل واحد الى ارضه ،

لان قضاءها وصل الى السماء وارتفع الى السحاب " 8 – 9

حاول إرميا أن يشفى بابل إن أستطاع ! ...

لم يشف المجمع لأن البلسان قد عبر إلى الكنيسة ! جاء التجار من جلعاد ، أى من موضعهم أو سكناهم فى الناموس ، واحضروا بضائعهم إلى الكنيسة لكى يشفى البلسان خطايا الأمم .

البلسان هو الإيمان غير الفاسد . مثل هذا الإيمان عرضه بطرس إذ قال للأعرج :

" بأسم يسوع المسيح الناصرى قم وأمشى " ( أع 3 : 6 ) .

الآن إذ أعلن أن خطايا بابل قد بلغت إلى السماء وتعرف عليها رجال الله خاصة الأنبياء ، مؤكدين أن جرحها لا يبرأ لأنها ترفض البلسان ( السيد المسيح ) الذى فى جلعاد ( كنيسة العهد الجديد ) ، يؤكد الحقائق التالية :



أ – أن الرب هو برنا :

" قد اخرج الرب برنا " ع 10

شتان بين خطايا بابل وخطايا المؤمنين ، الأولى اصرار على العصيان وعناد ومقاومة لعمل الله ! أما الثانية فضعفات لذا يلجأ المؤمنون إلى الله الذى يبرر ، إذ يستر علينا بنعمته ، فلا تحسب علينا خطية ما دمنا نتجاوب مع عمل نعمته ، ونحسب أبرارا ، لأن " الرب برنا " . إنه يؤدبنا وأيضا يبررنا !

ب – إعلان عمل الله فى كنيسته :

" هلم فنقص في صهيون عمل الرب الهنا " ع 10

يحلو لله أن يقص على أولاده أعماله المجيدة ، فيكشف لهم إرادته الإلهية ، من جهتهم كما من جهة الأشرار المصرين على عنادهم .

جـ - قضاء بابل :

خلاص الكنيسة يحوى ضمنا تحطيم الشر وسقوط مملكة إبليس المظلمة ، لذلك يقول :

" سنوا السهام.

اعدوا الاتراس.

قد ايقظ الرب روح ملوك مادي لان قصده على بابل ان يهلكها.

لانه نقمة الرب نقمة هيكله.

على اسوار بابل ارفعوا الراية.

شددوا الحراسة.

اقيموا الحراس.

اعدوا الكمين ،

لان الرب قد قصد وايضا فعل ما تكلم به على سكان بابل " ع 11 ، 12

هنا نجد دعوة موجهة من الله إلى ملوك مادى ، أى رؤسائها ، رجال كورش ، للتحرك والهجوم ضد بابل .

هنا نلاحظ أن تأديب الرب لهم هو تأديب بسبب هيكله الذى خربوه .

وقد طلب حراسة مشددة على أبواب بابل حتى لا يهرب أحد منهم .

" ايتها الساكنة على مياه كثيرة الوافرة الخزائن قد اتت آخرتك كيل اغتصابك.

قد حلف رب الجنود بنفسه ،

اني لاملأنّك اناس كالغوغاء فيرفعون عليك جلبة " ع 13 ، 14 .

دعاها الساكنة على مياة كثيرة ، حيث أن المياة تشير إلى الشعوب .

يقدم بعد ذلك تسبحة حمد لله ( ع 15 – 19 ) ، إذ يقول :

" صانع الارض بقوته ،

ومؤسس المسكونة بحكمته ،

وبفهمه مدّ السموات.

اذا اعطى قولا تكون كثرة مياه في السموات ،

ويصعد السحاب من اقاصي الارض.

صنع بروقا للمطر واخرج الريح من خزائنه.

بلد كل انسان بمعرفته.

خزي كل صائغ من التمثال.

لان مسبوكه كذب ولا روح فيه.

هي باطلة صنعة الاضاليل.

في وقت عقابها تبيد " ع 15 – 18 .

أراد النبى أن يوضح لبابل سر شقائها وإصابتها بالجراحات القاتلة وهو حرمانها من الإله الحقيقى ، الطبيب الحقيقى ، فقدم هذه التسبحة التى تعلن عن الله أنه القدير الحكيم ، يهب الأمطار والبرق ، ويجلب الرياح من مخازنها . هو قادر أن يسخر الطبيعة بكل إمكانياتها لحساب مؤمنيه ، بقوته الإلهية وحكمته وأبوته .



( 6 ) نصيب يعقوب
" ليس كهذه نصيب يعقوب ،

لانه مصوّر الجميع وقضيب ميراثه رب الجنود اسمه " ع 19 .

شتان ما بين عقوبة الأشرار المصممين على عنادهم وتأديب النفوس الساقطة فى الخطايا عن ضعف أو جهل . يخشى الأشرار قدرة الله إذ يرونه جبارا يسيطر عليهم ، أما المؤمنون فيفرحون بجبروته إذ يرتبط ذلك بأبوته وحبه . حقا يؤدب ، لكن فى تأديبه يعلن عن حبه واهتمامه بهم ، لأنهم ميراثه ، منسوبون إليه .



( 7 ) عصا الرب للتأديب
إن كان الله يقطع مطرقة كل الأرض ويحطمها ، فإنه يوضح هنا عمله أنه يستخدم مطرقة لتحطيم الشر ، ما هى هذه المطرقة ؟

كانت فى البداية أشور التى استخدمها الله كعصا تأديب لإسرائيل ( 10 : 5 – 19 ) ، وفيما بعد استخدم نبوخذنصر البابلى لتأديب يهوذا وبقية الأمم ( إر 27 : 4 – 11 ) ، وأخيرااستخدم كورش ليطرق به بابل داعيا إياه راعيه ومسيحه ( إش 44 : 28 ؛ 45 : 1 ) . يبدأ هنا ببابل كمطرقة فى يد الرب ( 20 – 23 ) ، يليه دينونة بابل ( 25 – 24 )

" انت لي فأس وادوات حرب ،

فاسحق بك الامم واهلك بك الممالك .

واكسر بك الفرس وراكبه واسحق بك المركبة وراكبها .

واسحق بك الرجل والمرأة ،

واسحق بك الشيخ والفتى ،

واسحق بك الغلام والعذراء .

واسحق بك الراعي وقطيعه ،

واسحق بك الفلاح وفدانه ،

واسحق بك الولاة والحكام " ع 20 – 23 .

إذ انتهى الحديث عن بابل كمطرقة تسحق الأمم ، تتقبل بابل ثمرة شرها وغطرستها . كانت تتشامخ كجبل عال ، الآن يهددها لتصير " جبلا محرقا " لا يصلح لشىء .

" واكافئ بابل وكل سكان ارض الكلدانيين على كل شرهم الذي فعلوه في صهيون امام عيونكم يقول الرب.

هانذا عليك ايها الجبل المهلك يقول الرب ،

المهلك كل الارض

فامدّ يدي عليك ،

وادحرجك عن الصخور ،

واجعلك جبلا محرقا " ع 20 – 25 .

يدعو الله بابل جبلا مع أنها قائمة على سهل ، وذلك كرمز كقوتها وعظمتها .



( 8 ) حرمان من حجر الزاوية

" فلا يأخذون منك حجرا لزاوية ولا حجرا لأسس ،

بل تكون خرابا الى الابد يقول الرب " ع 26

عوض كونها جبلا متشامخا صارت جبلا محرقا لا تجد فيه حجرا يصلح لزاوية ولا كأساس لأى مبنى . هذا هو ثمر الكبرياء ، يفقد الإنسان كل صلاحية .

لقد دعي السيد المسيح " حجر الزاوية " ، وصار إيمان التلاميذ به هو حجارة الأساسات التى يقوم عليها مبنى كنيسة العهد الجديد ، لكن بابل لم تتمتع بالسيد المسيح ولا بإيمان الرسل ، لذلك انهارت تماما .



( 9 ) جاء وقت الحصاد
فى هذه المرة لا توجه الدعوة إلى رؤساء مادى وحدهم بل إلى كل الأمم والشعوب لتتحالف معا وتقدس حربا ضد بابل .

" ارفعوا الراية في الارض.

اضربوا بالبوق في الشعوب ،

قدسوا عليها الامم نادوا عليها ممالك اراراط ومنّي واشكناز.

اقيموا عليها قائدا ،

اصعدوا الخيل كغوغاء ( جراد ) مقشعرّة " ع 27

أراراط : منطقة فى ارمينيا شمال بحيرة فان .

منى : شعب قريب من مملكة أراراط شرق بحيرة فان .

واضح أن هذه الممالك صارت خاضعة لملوك مادى ، غلبها الماديون فى القرن الساد ق . م . هنا الدعوة موجهة إليهم للعمل مع مادى ( ع 28 ) فى مقاومة بابل ، إذ يقول :

" قدسوا عليها الشعوب ملوك مادي ولاتها وكل حكامها وكل ارض سلطانها " ع 28

لقد ارتجفت الأرض واهتزت أمام ما حل ببابل العظيمة :

" فترتجف الارض وتتوجع ،

لان افكار الرب تقوم على بابل ليجعل ارض بابل خرابا بلا ساكن.

كفّ جبابرة بابل عن الحرب وجلسوا في الحصون.

نضبت شجاعتهم.

صاروا نساء.

حرقوا مساكنها.

تحطمت عوارضها.

يركض عدّاء للقاء عدّاء ،

ومخبر للقاء مخبر ،

ليخبر ملك بابل بان مدينته قد أخذت عن اقصى ،

وان المعابر قد أمسكت والقصب احرقوه بالنار ورجال الحرب اضطربت.

لانه هكذا قال رب الجنود اله اسرائيل ان بنت بابل كبيدر وقت دوسه.

بعد قليل يأتي عليها وقت الحصاد " ع 29 – 33 .

كثيرا ما يكرر هذا الإصحاح انهيار جيش بابل ، إذ كف الجبابرة عن الحرب بسبب المفاجأة التى لم تكن متوقعة ، فاختفوا فى الحصون ، وفقدوا شجاعتهم ، وصاروا كنساء فى ضعف ، غير قادرين على الدخول فى معركة .

يظهر مقدار ما حل بجبابرة بابل من ضعف إذ أصيبوا كما بفالج فشلت حركتهم بسبب الخوف .

هنا يركض كثيرون واحد وراء واحد قادمين من أرض المعركة ليخبروا الملك بالأحداث صارت بابل كبنت ملقاة على الأرض تدوسها الحيوانات ويمزقها النورج ويذرونها كما فى البيدر !



( 10 ) شكوى إسرائيل
" اكلني افناني نبوخذراصر ملك بابل.

جعلني اناء فارغا.ابتلعني كتنين وملأ جوفه من نعمي.طوّحني.

ظلمي ولحمي على بابل تقول ساكنة صهيون ،

ودمي على سكان ارض الكلدانيين تقول اورشليم " ع 34 – 35 .

لماذا حل كل هذا ببابل ؟ لأن إسرائيل يشتكى عليها ، فقد افترسته وأكلته وشربته حتى صار كإناء فارغ . أكل نبوخذنصر وشرب ولم يترك شيئا فى إناء إسرائيل !

لم يصنع هذا عن احتياج إلى أكل أو شرب ، إنما كان نبوخذنصر كتنين يبتلع فريسته ليملأ جوفه بها ويتنعم بها ثم يتقيأها ( طوحنى ) . بهجته فى ابتلاع الآخرين ليتقيأهم بعد ذلك .



( 11 ) الله ينتقم لشعبه
يأخذ الله على عاتقه دفاعه عن أولاده فى الوقت المناسب ، يدافع شرعيا ، فيقيم خصومه ومحاكمه لكى يعطى للخصم فرصة الدفاع عن نفسه .

" لذلك هكذا قال الرب :

هانذا اخاصم خصومتك وانتقم نقمتك ،

وانشف بحرها واجفف ينبوعها.

وتكون بابل كوما ومأوى بنات آوى ودهشا وصفيرا بلا ساكن " ع 36 ، 37 .



يعد الله وليمة لبابل لا من أكل بل من شرب ، لكى تشرب منها وتسكر ، يقدم لها كأس غضبه ، يشربون فينامون ولا يقومون . لقد صاروا كخراف مذبوحة وليس كأسود قوية

" يزمجرون معا كاشبال.

يزئرون كجراء أسود.

عند حرارتهم اعدّ لهم شرابا واسكرهم لكي يفرحوا ويناموا نوما ابديا ولا يستيقظوا يقول الرب.

انزلهم كخراف للذبح وككباش مع اعتدة " ع 38 – 40 .

استولى كورش على بابل بينما كانت المدينة كلها منشغلة بعيد دنس . تحولت أغانى العيد إلى زمجرة أشبال صغيرة وزئير جراء أسود لكن بلا عون .

كانوا يسكرون فى لهو بالعيد ولم يدروا أنهم يسكرون بخمر غضب الله .

كانوا يقدمون الخراف والكباش ذبائح للإله بيل ولم يدركوا أنهم هم صاروا خرافا للذبح وكباشا تستهلك .

" كيف أخذت شيشك ؟!

وأمسكت فخر كل الارض ؟!

كيف صارت بابل دهشا في الشعوب.

طلع البحر على بابل فتغطت بكثرة امواجه.

صارت مدنها خرابا ارضا ناشفة وقفرا ،

ارضا لا يسكن فيها انسان ولا يعبر فيها ابن آدم.

واعاقب بيل في بابل ،

واخرج من فمه ما ابتلعه ،

فلا تجري اليه الشعوب بعد ويسقط سور بابل ايضا " ع 40 – 44 .

تسقط بابل ، تفقد نهرها وأرضها ومدنها وسكانها وحيواناتها وإلهها وأسوارها وحمايتها وسلامها !



( 12 ) أخرجوا من وسطها
" اخرجوا من وسطها يا شعبي ،

ولينج كل واحد نفسه من حمو غضب الرب.

ولا يضعف قلبكم فتخافوا من الخبر الذي سمع في الارض ،

فانه يأتي خبر في هذه السنة ثم بعده في السنة الاخرى ،

خبر وظلم في الارض متسلط على متسلط " ع 45 – 46

تكررت الدعوة بالخروج من وسط بابل ، وكأنها إنذارت خطر تدوى بلا توقف حتى يهرب المؤمنون منها ، ليخرجوا بلا خوف وليترقبوا أخبار متوالية تعلن عن خراب بابل ودمارها تماما .



( 13 ) الحكم
" لذلك ها ايام تاتي واعاقب منحوتات بابل ،

فتخزى كل ارضها وتسقط كل قتلاها في وسطها.

فتهتف على بابل السموات والارض وكل ما فيها ،

لان الناهبين ياتون عليها من الشمال يقول الرب.

كما اسقطت بابل قتلى اسرائيل تسقط ايضا قتلى بابل في كل الارض " ع 47 – 49

يسمع هتاف النصرة والفرح فى السموات وعلى الأرض ، ليس شماتة فى زملائهم البابليين ، وإنما تهليلا بعمل الله بخلاص أولاده ، وتحقيق العدل الإلهى فى الزمن المناسب .

هذه هى خبرة المؤمن إذ تتحطم بابله الداخلية يهتف جسده ( أرضه ) مع نفسه ( سمواته ) ، ويشترك كل كيانه فى التهليل للرب .



( 14 ) أمر بالعودة
" ايها الناجون من السيف اذهبوا لا تقفوا ،

اذكروا الرب من بعيد ولتخطر اورشليم ببالكم.

قد خزينا لاننا قد سمعنا عارا غطى الخجل وجوهنا ،

لان الغرباء دخلوا مقادس بيت الرب " ع 50 – 51

للمرة الخامسة فى هذه النبوات ضد بابل يطالب الله شعبه بالخروج من بابل ، ويحثهم على العودة إلى أرضهم ( 50 : 8 ، 51 : 6 ، 9 ، 45 ، 50 ) .

إنه يطالبهم بالأنشغال بأورشليم وتطهير هيكلها من الغرباء الذين دنسوها . إنها دعوة لكل نفس أن تمتص أفكارها فى أورشليمها الداخلية ، مقدس الرب ، ولا تسمح لفكر غريب يدخل فيها ليدنسها .





( 15 ) نهاية السبى البابلى
" لذلك ها ايام تأتي يقول الرب واعاقب منحوتاتها ،

ويتنهد الجرحى في كل ارضها.

فلو صعدت بابل الى السموات ،

ولو حصّنت علياء عزها ،

فمن عندي يأتي عليها الناهبون يقول الرب ز

صوت صراخ من بابل وانحطام عظيم من ارض الكلدانيين.

لان الرب مخرب بابل وقد اباد منها الصوت العظيم ،

وقد عجّت امواجهم كمياه كثيرة وأطلق ضجيج صوتهم.

لانه جاء عليها على بابل المخرب وأخذ جبابرتها وتحطمت قسيهم لان الرب اله مجازاة يكافئ مكافأة.

واسكر رؤساءها وحكماءها وولاتها وحكامها وابطالها ،

فينامون نوما ابديا ولا يستيقظون يقول الملك رب الجنود اسمه.

هكذا قال رب الجنود :

ان اسوار بابل العريضة تدمر تدميرا وابوابها الشامخة تحرق بالنار ،

فتتعب الشعوب للباطل والقبائل للنار حتى تعيا " ع 52 – 58 .

سقوط بابل هو تحقيق للعدالة الإلهية ، ما تعانى منه هو ثمر طبيعى لجرائمها ،

إذ اجتمع الرؤساء والحكماء ، أى المنجمون ، والولاة والحكام والأبطال للتشاور معا تحول مجلسهم إلى جلسة مستهزئين ، لأنهم سكروا من خمر اليأس وترنحوا ، وفقدوا قدرتهم على التفكير والتصرف .



( 16 ) قراءة النبوات فى بابل
" الأمر الذي اوصى به ارميا النبي سرايا بن نيريا بن محسيا عند ذهابه مع صدقيا ملك يهوذا الى بابل في السنة الرابعة لملكه.وكان سرايا رئيس المحلّة.

فكتب ارميا كل الشر الآتي على بابل في سفر واحد كل هذا الكلام المكتوب على بابل .

وقال ارميا لسرايا : اذا دخلت الى بابل ونظرت وقرأت كل هذا الكلام .

فقل انت يا رب قد تكلمت على هذا الموضع لتقرضه حتى لا يكون فيه ساكن من الناس الى البهائم بل يكون خربا ابدية " ع 59 – 62

سرايا هذا هو أخ باروخ كاتب إرميا النبى .

كتب إرميا كل النبوات ضد بابل فى سفر وأرسلها مع سرايا ليذهب بها إلى بابل ويقرأها على الذين سبق سبيهم ، ويختم القراءة بصلاة ( ع 62 ) فيه يطلب سرايا أن يحقق الله وعوده هذه بتحطيم بابل .



( 17 ) سقوط بابل وعدم قيامها
" ويكون اذا فرغت من قراءة هذا السفر ،

انك تربط فيه حجرا وتطرحه الى وسط الفرات " ع 63

" وتقول هكذا تغرق بابل ولا تقوم من الشر الذي انا جالبه عليها ويعيون.

الى هنا كلام ارميا " ع 63 – 64 .

تختم نبوات إرميا بإلقاء السفر فى البحر مربوطا بحجر إشارة إلى دمار بابل التام وعدم قيامها مرة أخرى . هكذا عند مجىء الرب ينحدر عدو الخير وملائكته إلى جهنم ولا تقوم له قائمة ، ويعيش أولاد الله يشاركون الرب أمجاده الأبدية دون أية مقاومة من عدو !

يتحقق ذلك بالنسبة لبابل الأخيرة ، أى مملكة ضد المسيح ، إذ نسمع :

" ورفع ملاك واحد قوى حجرا كرحى عظيمة ورماه فى البحر ، قائلا : هكذا بدفع سترمى بابل المدينة العظيمة ولن توجد فيما بعد " رؤ 18 : 21 .

+ + +
إرميا – الإصحاح الثانى والخمسون

ملحق تاريخى

العبارة الأخيرة من الإصحاح السابق " إلى هنا كلام إرميا " ( 51 : 64 ) توضح أن نبوات إرميا قد تمت وأن ما ورد فيما بعد هو ملحق لها .



( 1 ) تمرد يهوذا
" كان صدقيا ابن احدى وعشرين سنة حين ملك وملك احدى عشرة سنة في اورشليم واسم امه حميطل بنت ارميا من لبنة.

وعمل الشر في عيني الرب حسب كل ما عمل يهوياقيم.

لانه لاجل غضب الرب على اورشليم ويهوذا حتى طرحهم من امام وجهه كان ان صدقيا تمرد على ملك بابل " ع 1 – 3

صدقيا هو الإسم الملكى أعطى لمتانيا عند تجليسه ( 2 مل 24 : 17 ) ، الذى أقامه نبوخذنصر حاكما على يهوذا .

صنع صدقيا الشر فى عينى الرب ، وإن كان ليس هو أشر ملوك يهوذا ، أما أسباب دفعه بشعبه إلى الهلاك فهى :

- خطاياه أفقدته العون الإلهى .

- تمرده على ملك بابل ، حانثا بقسمه أن يبقى مواليا له ( 2 أى 36 : 13 ) ، حز 17 : 15 ، 16 ، 18 ) أفقدت الملك ثقته فى القيادات اليهودية

- غباؤه وعدم حكمته فى التصرف .

- ضعف شخصيته .







( 2 )سقوط أورشليم
" وفي السنة التاسعة لملكه في الشهر العاشر في عاشر الشهر جاء نبوخذراصر ملك بابل هو وكل جيشه على اورشليم ونزلوا عليها وبنوا عليها ابراجا حواليها.

فدخلت المدينة في الحصار الى السنة الحادية عشرة للملك صدقيا.

في الشهر الرابع في تاسع الشهر اشتد الجوع في المدينة ولم يكن خبز لشعب الارض.

فثغرت المدينة وهرب كل رجال القتال وخرجوا من المدينة ليلا في طريق الباب بين السورين اللذين عند جنة الملك والكلدانيون عند المدينة حواليها ،

فذهبوا في طريق البرية " ع 4 – 7

تم حصار أورشليم وسقوطها من يناير 588 ق . م . إلى يوليو 587 ق . م . أى استمر الحصار 18 شهرا .



( 3 ) محاكمة صدقيا
" فتبعت جيوش الكلدانيين الملك ،

فادركوا صدقيا في برية اريحا وتفرق كل جيشه عنه.

فأخذوا الملك واصعدوه الى ملك بابل الى ربلة في ارض حماة ،

فكلمه بالقضاء عليه.

فقتل ملك بابل بني صدقيا امام عينيه ،

وقتل ايضا كل رؤساء يهوذا في ربلة.

واعمى عيني صدقيا ،

وقيده بسلسلتين من نحاس ،

وجاء به ملك بابل الى بابل وجعله في السجن الى يوم وفاته " 8 – 11

جاء ما ورد هنا مطابقا كلمة بكلمة مع 2 مل 24 : 18 – 20 ، ويطابق ما جاء فى إرميا 39 : 1 – 7 .



( 4 ) خراب أورشليم
" وفي الشهر الخامس في عاشر الشهر وهي السنة التاسعة عشرة للملك نبوخذراصر ملك بابل جاء نبوزرادان رئيس الشرط الذي كان يقف امام ملك بابل الى اورشليم.

واحرق بيت الرب وبيت الملك وكل بيوت اورشليم وكل بيوت العظماء احرقها بالنار ،

وكل اسوار اورشليم مستديرا ،

هدمها كل جيش الكلدانيين الذي مع رئيس الشرط "ع 12 – 14

بعد انهيار المدينة بشهر جاء نبوزرادان رئيس الشرط ليحرق المبانى الهامة مثل الهيكل وقصر الملك ، غالبا الذى بناه سليمان الحكيم بعد بناء الهيكل ، وقصور العظماء ثم المدينة ككل لتدميرها تماما ، وأخيرا دمر الجيش أسوار المدينة لكى لا يبقى رجاء لأحد فى عودة الحياة هناك ، وبالتالى لن يحدث تمرد ضد بابل .



( 5 ) السبى النهائى ليهوذا

" وسبى نبوزرادان رئيس الشرط بعضا من فقراء الشعب وبقية الشعب الذين بقوا في المدينة والهاربين الذين سقطوا الى ملك بابل وبقية الجمهور " ع 14



( 6 ) ترك بقية
" ولكن نبوزرادان رئيس الشرط ابقى من مساكين الارض كرّامين وفلاحين " ع 16

ترك نبوزرادان من رآهم ليسوا بذى قيمة ، لأن ذهابهم إلى بابل لن يفيد شيئا .



( 7 ) الإستيلاء على غنى الهيكل
" وكسر الكلدانيون اعمدة النحاس التي لبيت الرب والقواعد وبحر النحاس الذي في بيت الرب وحملوا كل نحاسها الى بابل.

وأخذوا القدور والرفوش والمقاص والمناضح والصحون وكل آنية النحاس التي كانوا يخدمون بها.

واخذ رئيس الشرط الطسوس والمجامر والمناضح والقدور والمناير والصحون والاقداح ما كان من ذهب فالذهب وما كان من فضة فالفضة.

والعمودين والبحر الواحد والاثني عشر ثورا من نحاس التي تحت القواعد التي عملها الملك سليمان لبيت الرب.لم يكن وزن لنحاس كل هذه الادوات.

اما العمودان فكان طول العمود الواحد ثماني عشرة ذراعا وخيط اثنتا عشرة ذراعا يحيط به وغلظه اربع اصابع وهو اجوف.

وعليه تاج من نحاس ارتفاع التاج الواحد خمس اذرع وعلى التاج حواليه شبكة ورمانات الكل من نحاس.

ومثل ذلك للعمود الثاني والرمانات .

وكانت الرمانات ستا وتسعين للجانب.

كل الرمانات مئة على الشبكة حواليها " ع 17 – 23

استولى الكلدانيون على كل أثاثات الهيكل النحاسية والفضية والذهبية . هذه هى المرة الثانية التى يفعلون فيها ذلك .



( 8 ) قتل الكهنة والرؤساء
" واخذ رئيس الشرط سرايا الكاهن الاول وصفنيا الكاهن الثاني وحارسي الباب الثلاثة،

واخذ من المدينة خصيا واحدا كان وكيلا على رجال الحرب ،

وسبعة رجال من الذين ينظرون وجه الملك الذين وجدوا في المدينة ،

وكاتب رئيس الجند الذي كان يجمع شعب الارض للتجند ،

وستين رجلا من شعب الارض الذين وجدوا في وسط المدينة ،

اخذهم نبوزرادان رئيس الشرط وسار بهم الى ملك بابل الى ربلة.

فضربهم ملك بابل وقتلهم في ربلة،

في ارض حماة فسبي يهوذا من ارضه " ع 24 – 27

اختار نبوزرادان شخصيات لها وزنها ليأخذهم إلى الملك فى ربلة فيحكم عليهم كيفما يرى .

بقوله ضربهم ثم قتلهم يعنى قام بتعذيبهم قبل قتلهم .



( 9 ) الترحيلات الثلاث
" هذا هو الشعب الذي سباه نبوخذراصر في السنة السابعة.

من اليهود ثلاثة آلاف وثلاثة وعشرون.

وفي السنة الثامنة عشرة لنبوخذراصر سبى من اورشليم ثمان مئة واثنتان وثلاثون نفسا.

في السنة الثالثة والعشرين لنبوخذراصر سبى نبوزرادان رئيس الشرط من اليهود سبع مئة وخمسا واربعين نفسا.

جملة النفوس اربعة آلاف وست مئة " ع 28 – 30

جاءت الحسابات هنا على النظام البابلى حيث لا تحتسب السنة الأولى من تولى الملك عرشه مادامت لم تبدأ باليوم الأول من السنة ، أى تكون كسرا من السنة .



( 10 ) الأيام الأخيرة ليهوياكين
"وفي السنة السابعة والثلاثين لسبي يهوياكين في الشهر الثاني عشر في الخامس والعشرين من الشهر رفع اويل مرودخ ملك بابل في سنة تملكه راس يهوياكين ملك يهوذا وأخرجه من السجن .

وكلمه بخير وجعل كرسيه فوق كراسي الملوك الذين معه في بابل.

وغيّر ثياب سجنه وكان يأكل دائما الخبز امامه كل ايام حياته.

ووظيفته وظيفة دائمة تعطى له من عند ملك بابل امر كل يوم بيومه الى يوم وفاته كل ايام حياته " ع 31 – 34

إذ مات الملك وجاء إبنه قدم معاملة أفضل للأسرة الملكية اليهودية ، فقام بإخراج يهوياكين من السجن وتكريمه بمناسبة توليه الحكم حيث يقدم الملك أعمالا خيرة ، فصنع هذا المعروف بعد أن قدم يهوياكين ولاءه للملك الجديد .

+ + +

القمص تادرس يعقوب ملطى ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://eng.roniajesus@yahoo.com
 
*** موضوع متكامل لتفسير سفر ارميا كتابيا ***
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى القديس مارمينا :: الاقسام الروحية :: منتدى الكتاب المقدس-
انتقل الى: